من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب القيان والعيدان والغناء
قال إسحاق بن إبراهيم: كان رجل من آل جعفر بن أبي طالب، يهوى جارية، فطال ذلك به، فقال للزّبيريّ: قد شغلتني هذه عن ضيعتي وعن كلّ أمري، فاذهب بنا حتى نكاشفها، فقد وجدت بعض السّلوّ، فأتيناها؛ فلما أتيناها قال لها الجعفريّ أتغنّين:
وكنت أحبّكم فسلوت عنكمعليكم في دياركم السلام
فقالت: لا: ولكنّي أغنّي:
تحمّل أهلها منها فبانواعلى آثار من ذهب العفاء
فاستحيا وأطرق ساعة وازداد كلفا، ثم قال: أتغنّين:
وأخنع للعتبى إذا كنت ظالماوإن ظلمت كنت الذي أتنصّل
قالت: نعم، وأغنّي:
فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثلهوإن تدبروا أدبر على حال باليا
فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين، ولم يشعر بهما أحد.
وقال أحمد بن صالح بن أبي فنن:
أعددت للحرب شرب كأسوميل سمع إلى قيان
تظلّ أوتارهنّ تحكيفصاحة منطق اللسان
ما بين يمنى وبين يسرىوحي بنان إلى بنان
ضمير قلب بقرع كفّأبداه بمّان ناطقان
وقال بعض الكتّاب وذكر العود:
وناطق بلسان لا ضمير لهكأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدي ضمير سواه في الكلام كمايبدي ضمير سواه منطق لفم
وقال آخر يذكر مغنّية:
ألم ترها لا يبعد الله دارهاإذا رجّعت في صوتها كيف تصنع
تمدّ نظام القول ثم تردّهإلى صلصل في حلقها يترجّع
وقال بعض المحدثين في القيان:
اذا رأين القيان أحمق ذامال يقلّبن نحوه الحدقا
وبالتغنّي وبالتدلّل يسلبن فؤادا بحبّه علقا
حتّى اذا ما سلخن جلدتهسلخا رفيقا وبدّد الورقا
قلن ادخلوا، ذا الطّوير قد طرح الرّيش، وشدّوا من دونه الغلقا»
فبتن يرعين في دراهمهوبات يرعى الهموم والأرقا
ذكر عند القاسم بن محمد الغناء والسلوّ عنه، فقال لهم: أخبروني، إذا ميّز أهل الحقّ وأهل الباطل ففي أيّ الفريقين يكون الغناء؟ قالوا: في فريق الباطل؛ قال: فلا حاجة لي فيه.
قدمت سكينة بنة الحسين مكة، فأتاها الغريض ومعبد فغّنياها:
عوجي علينا ربّة الهودجإنّك إن لم تفعلي تحرجي
فقالت: والله ما لكما مثل: إلا الجديين الحارّ والبارد لا يدري أيّهما أطيب.
قال بعضهم: ليس يخلو أحد في بيته ولا في سفره إلا وهو يشدو، فإن هو أساء في ذلك ستر الله عليه، وإن هو أحسن فضحه الله.
قال الهيثم: خرج شريح الى مكة فشيّعه قوم، فانصرف بعضهم من النّجف بعد السّفرة، ومضى معه قوم، فلما أرادوا أن يودّعوه، قال: أما أصحاب النّجف فقد قضينا حقّهم بالطعام، وأما أنتم فأغنّيكم، ورفع عقيرته وغنّى:
إذا زينب زارها أهلهاحشدت وأكرمت زوّارها
وإن هي زارتهم زرتهاوإن لم يكن لي هوى دارها
عن عليّ بن هشام قال: كان عندنا بمرو قاصّ يقصّ فيبكينا، ثم يخرج بعذ ذلك طنبرا صغيرا من كمّه فيضرب به ويغنّي ويقول:
«با إين تيمار بايد أندكي شادي» معناه: ينبغي مع هذا الغمّ قليل فرح.
قدم ابن جامع مكة بخير كثير؛ فقال ابن عيينة: علام تعطيه الملوك هذه الأموال ويحبونه هذا الحباء ؟ قالوا: يغنّيهم؛ قال: ما يقول؟ فاندفع رجل يحكيه وقال:
أطوّف بالبيت فيمن يطوفوأرفع من مئزري المسبل
قال: أحسنت، هيه! فقال:
وأسجد بالليل حتّى الصّباح أتلو من المحكم المنزل
فقال: جزاه الله عن نفسه خيرا! هيه! فقال:
عسى كاشف الكرب عن يوسفيسخّر لي ربّة المحمل
فقال: آه! أمسك أمسك، قد علمت ما نحا الخبيث، اللهمّ لا تسخّرها له!.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع