من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب النظر
قال المسيح ﵇: لا يزني فرجك ما غضضت بصرك.
وقال رجل لأخيه: احتفظ من العين، فإنها أنمّ عليك من اللسان.
وقال بشار:
على النفس من عينها شاهدفكاتم حديثك أو نمّه
وقال الفرزدق:
فلا تدخل بيوت بني كليبولا تقرب لهم أبدا رحالا
فإنّ بها لوامع مبرقاتيكدن ينكن بالحدق الرجالا
نظر أشعب يوما إلى ابنه هو يديم النظر إلى امرأة، فقال: يا بنيّ نظرك هذا يحبل.
وقال بعض الشعراء في هذا المعنى:
ولي نظرة لو كان يحبل ناظربنظرته أنثى لقد حبلت منّي
وقال ذو الرمّة- وذكر الظبية وخشفها
وتهجره إلّا اختلاسا بطرفهاوكم من محبّ رهبة العين هاجر
مرّت أعرابيّة بقوم من بني نمير، فأداموا النظر إليها، فقالت: يا بني نمير، والله ما أخذتم بواحدة من اثنتين: لا بقول الله قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
ولا بقول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
فاستحيا القوم من كلامها وأطرقوا.
وقال الطائيّ:
مربّب الحزن في القلوبوناصر العزم في الذنوب
ما شئت من منطق أريبفيه ومن منظر عجيب
لمّا رأى رقبة الأعاديعلى معنّى به كئيب
جرّد من هواه طرفاصار رقيبا على الرقيب
ويقال: ربّ طرف أفصح من لسان.
وقال الشاعر:
ومراقبين يكتّمان هواهماجعلا الصدور لما تجنّ قبورا
يتلاحظان تلاحظا فكأنّمايتناسخان من الجفون سطورا
وقال أعرابيّ:
إن كاتمونا القلى نمّت عيونهموالعين تظهر ما في القلب أو تصف
وقال آخر في مثله:
إذا قلوب أظهرت غير ماتضمره أنبتك عنه العيون
وقال آخر:
أما تبصر في عينيّ عنوان الذي أبدي
وقالت أعرابيّة:
ومودّع يوم الفراق بلحظهشرق من العبرات ما يتكلّم
وقال أعرابيّ:
وما خاطبتها مقلتاي بنظرةفتفهم نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت الوهم بيني وبينهارسولا فأدّى ما تجنّ الضمائر
ونحوه قول أبي العتاهية:
أما والذي لو شاء لم يخلق النوىلئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
يوهّمنيك الشوق حتّى كأننيأناجيك عن قرب وما أنت في قربي
وقال أحمد بن صالح بن أبي فنن:
دعا طرفه طرفي فأقبل مسرعافأثّر في خدّيه فاقتصّ من قلبي
شكوت اليه ما ألاقي من الهوىفقال على رغم فتنت فما ذنبي
كان يقال: أربع لا يشبعن من أربع: عين من نظر، وأنثى من ذكر، وأرض من مطر، وأذن من خبر.
حدّثني إسحاق بن أحمد بن أبي نهيك قال: رأيت رجلا في طريق مكة وعديله جارية في المحمل وقد شدّ عينيها وكشف الغطاء؛ فقلت له في ذلك؛ فقال: إنما أخاف عليها عينيها لا عيون الناس.
وكان عند بعض القرشيين امرأة عربية، ودخل عليها خصيّ لزوجها وهي واضعة خمارها، فحلقت رأسها وقالت: ما كان ليصحبني شعر نظر اليه غير ذي محرم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع