تجاوز إلى المحتوى

من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الباب الرابع

في العدل والإنصاف واستعمال السوية في القسمة وغيرها ومن عدل وأوصى بالعدل قال النبي ﷺ: "زين الله الدنيا بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب. وزين الأرض بثلاث: بالعلماء والمطر وسلطان عادل".

أول خطبة خطبها عمر ﵁: "أيها الناس إنه والله ما منكم أحد هو أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه".

وقال علي كرم الله وجهه: "أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، ومواساة الإخوان بالمال، وإنصاف الناس من نفسك".

وجه علي ﵁ ابن عباس وعمار بن ياسر

والحسن ابنه حين توجه إلى صفين لعزل أبي موسى عن الكوفة، وحمل ما في بيت مالها فوجدوا فيه اثنين وخمسين ألف ألف درهم فقال: "كيف اجتمع هذا كله للأشعري ولم يجتمع لمن قبله؟ فقال مجاشع بن مسعود: أصدقكم. والله ما جمعه إلا العدل في الرعية وإقامة أمر الله في عباده".

كان الإسكندر يقول: "يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء، الذي نصر نوحاً بعد حين، الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة، وإليه مفزعكم عند الكرب. والله لا يبلغني أن الله أحب شيئاً إلا أحببته واستعملته إلى يوم

أجلي، ولا أبغض شيئاً إلا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي. وقد أنبئت أن الله يحب العدل في عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض. فويل للظالم من سيفي وسوطي. ومن ظهر منه العدل من عمالي فليتكئ في مجلسي كيف شاء، وليتمن علي ما شاء فلن تخطئه أمنيته. والله المجازي كلاً بعمله".

وعنه: "إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان".

العباس بن عبد المطلب:

أبا طالب لا تقبل النصف منهمأبا طالب حتى تعق وتظلما
أي قومنا إن ينصفونا فأنصفتقواطع في أيماننا تقطر الدما

أنو شروان قيل له: "أي الجنن أوقى؟ [قال]: الدين. قال: فأي العدد أقوى؟ قال: العدل".

شكوا إلى جعفر بن يحيى عاملاً له فوقع إليه: "قد كثر شكواك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت".

قيل لعلي بن الحسين ﵁: "ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة؟ فقال: [أكره] أن آخذ برسول الله ﷺ ما لا أعطي مثله".

"أنصف وانظر إلي بعين الرضا، ثم اقتحم بي جمر الغضا".

"من أنصف من نفسه رضي [به] حكماً لغيره".

قال رجل إلى سليمان بن عبد الملك وهو جالس للمظالم: "ألم تسمع قول الله تعالى: (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين).

قال: فما خطبك؟ قال: وكيلك اغتصبني ضيعتي وضمها إلى ضيعتك الفلانية. قال: فضيعتي لك وضيعتك مردودة إليك". وكتب إلى الوكيل بذلك وبصرفه من عمله.

رقي إلى كسرى بن قباذ أن في بطانة الملك من فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم. فقال: إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر".

هارون بن محمد البالسي:

زيد في قدرك العلي علواًيا ابن وهب من كاتب ووزير
أنت وجه الإمام لا زلت طلقاًبك تفتر عابسات الأمور
أسفر الشرق منك والغرب عن ضوء من العدل فاق ضوء البدور
للشاعر هارون بن محمد البالسي، اقرأ القصيدة
أشر الناس غيثكم بعد ما كانوا رفاتاً من قبل يوم النشور
شرد الجور عدلكم فسرحنامنكم بين روضة وغدير

نزل رجل بعلي كرم الله وجهه فمكث عنده أياماً ثم تغوث إليه في خصومة، فقال علي: "أخصم أنت؟ " قال: "نعم". قال: "تحول عنا، فإن رسول الله ﷺ نهى أن يضاف خصم إلا ومعه خصمه".

وعنه: "بالسيرة العادلة يقهر المناوئ".

مات بعض الأكاسرة فوجدوا له سفطاً، ففتح فإذا فيه حبة رمان كأكبر ما يكون من النوى معها رقعة مكتوب فيها: "من حب رمان عمل في خراجه بالعدل".

تظلم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال: ما علمت في عمالي أعدل وأقوم بأمر الرعية، وأعود بالرفق عليهم منه. فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين ما من أحد أولى بالعدل والإنصاف منك. فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلداً بلداً حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا، ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا. وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين. فضحك وعزله.

كتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن قبلنا قوم لا يؤدون الخراج إلا أن يمسهم العذاب. فاكتب إلي رأيك فيهم. فكتب إليه: أما بعد، فالعجب لك كل العجب. تكتب إلي تستأذنني في عذاب البشر، كأن

إذني لك جنة من عذاب [الله]. وكأن رضاي ينجيك من سخط الله. فمن أعطاك ما عليه عفواً فخذه منه، ومن أبي فاستحلفه وكله إلى الله تعالى. لأن يلقوا الله بجرائمم أحب إلي من أن نلقاه بعذابهم. والسلام.

جاء رجل من مصر إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ. فقال: لقد عذت عياذاً. فما شأنك؟. قال: سابقت ولد عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يقنعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين. وبلغ عمراً فحسبني خشية أن آتيك، فانفلت. فكتب عمر إلى عمرو: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وابنك. وقال للمصري: أقم حتى يقدم عمرو ويشهد الحج. فلما كان وقت قدومه رمى إليه بالدرة فضرب ولد عمرو وعمر يقول: اضرب ابن الأمير حتى قال: يا أمير المؤمنين، قد استغنيت. ثم قال: ضعها على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين، ضربت

الذي ضربني. فقال: ايم الله، لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع. ثم قال: يا عمرو، متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟.

قدم المنصور البصرة قبل الخلاقة فنزل بواصل بن عطاء، وقال: بلغتني أبيات عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل فمر بنا إليه. فأشرف إليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله بن محمد بن علي بن عباس. وقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب. قال: يحب أن يسمع أبياتك في العدل. فأنشده:

حتى متى لا ترى عدلاً نسرُّ بهولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق، قائمين بهإذا تلون أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء لهوقائد ذي عمى يقتاد عميانا

فقال المنصور: "وددت أني رأيت يوم عدل ثم مت". قال ابن المبارك: فهلك أبو جعفر والله وما عدل".

وقال فضيل: "ما ينبغي لك أن تتكلم بفمك كله، تدري من يتكلم بفمه كله؟ عمر بن الخطاب، كان يطعمهم الطيب ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن، ويعطيهم الحق ويزيدهم. وأعطى رجلاً عطاءه أربعة آلاف درهم، وزاده ألفاً فقيل له: ألا تزيد ابنك كما تزيد هذا؟ فقال: إن هذا ثبت أبوه يوم أحد، ولم يثبت أبو هذا".

وقال عبادة بن الصامت: "صلى بنا رسول الله ﷺ إلى من إبل الصدقة

فلما سلم تناول وبرة من البعير وقال: مالي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود فيكم".

وقال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: "ما النجاة من هذا الأمر؟ قال: شيء هين. قال: لا تأخذ شيئاً إلا من حقيه، ولا تضعه إلا في حقه. قال: ومن يطيق هذا؟ قال: من طلب الجنة وهرب من النار".

"لا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان".

"العدل حصن وثيق في رأس نيق، لا يحطمه سيل ولا يهدمه منجنيق".

وعنه:"اكفني أمره وإلا كفيته أمرك".

وقال بعض السلف: العدل ميزان الله، والجور مكيال الشياطين".

"الملك العادل مكنوف بعون الله، محروس بعين الله". صورة بليغ: "رأيت صورة قمرية وسيرة عمرية".

آخر: "رأيت بفلان نور القمرين وعدل العمرين".

وقال أردشير: "إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة".

وعنه: "لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة".

ولم يكن بعد أردشير أعدل من أنو شروان، وهو الذي ولد [رسول الله ﷺ] لسبع سنين خلت من ملكه. وقال: "ولدت في زمن الملك العادل". وسائر الأكاسرة كانوا ظلمة يستعبدون الأحرار، ويتسخرون الرعايا ويستأثرون عليهم بكل شيء فلا يجرؤ أحد أن يطبخ سكباجاً أو يلبس ديباجاً أو يركب هملاجاً أو ينكح حسناء أو ينكح حسناء أو يبني قوراء

أو يؤدب ولده أو يمد إلى مروءة يده، ويبنون الأمر على قول عمرو بن مسعدة للمأمون: "كل ما يصلح للمولى على العبد حرام".

وقال أنو شروان: "كفاك من بركة العدل في الرعية، وحفظ الله لصاحبه ما أعطى [الله] الضحاك من ملك ألف سنة. أما والله لو أن ملوك يونان وهموران يعني حمير والأشغان عدلوا لطالت أعمارهم. فاقتدوا بخيار ملوكهم وأهل الفضل منهم تسعدوا بالعيش ما عشتم، وتصيروا بعد الموت إلى خير منه".

وقال أرسطاليس: "العدل حسن وهو علة كل حسن، ولذلك الحسن مع كل معتدل، والجور قبيح وهو علة كل قبح، وكذلك القبح مع كل خارج عن حد الاعتدال".

وقال سقراط: "ينبوع فرح الإنسان القلب المعتدل، وينبوع فرح العالم الملك العادل. وينبوع حزن الإنسان القلب المختلف المزاج، وينبوع حزن العالم الملك الجائر".

قدم عبد الله بن زمعة على علي كرم الله وجهه في خلافته وكان من شيعته، وطلب منه مالاً فقال له: إن هذا المال ليس لي ولا لك وإنما هو للمسلمين وجلب أسيافهم. فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم وإلا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم".

وقال لعامله: "انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له. ولا تروعن مسلماً. ولا تختارن عليه كارهاً. ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله. فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بالسكينة

والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم. ولا تخدج التحية لهم ثم تقول: عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟. فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه. وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة، فإن كانت لك ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له. فإذا أتيتها فلا تدخلها دخول متسلط عليه ولا عنيف به. ولا تنفرن بهيمةً ولا تفزعها، ولا تسوأن صاحبها فيها".

وقال للأشتر حين ولاه مصر: "واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم في شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي

خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك حتى يكلمك مكلمهم غير متعتع، فإني سمعت رسول الله ﷺ [يقول] في غير موطن: "لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع". ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنك الضيق والأنف يبسط الله عليك أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته".

لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم فابتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة كان يكرمها وسألوها أن تكلمه فقال لها: إن رسول الله ﷺ سلك طريقاً فلما قبض سلك صاحباه ذلك الطريق، فلما ولي عثمان ﵁ سلك مثله غير أنه خد فيه أخدوداً. فلما أفضى الأمر إلى معاوية فجره يميناً وشمالاً. وأيم الله لئن مد [لي] عمر لأردنه إلى الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ وصاحباه. فقالت له: يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوماً عصيباً. فقال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة فلا أمننيه الله. فخرجت

إليهم فقالت: أتتزوجون في آل عمر بن الخطاب فإذا نزعهم الشبه تكلمتم. وذلك أن أم عمر [هي] أم عاصم [بنت عاصم] بن عمر بن الخطاب.

وعن بعض الحكماء: "عدل السلطان أنفع من خصب الزمان".

أزرع الأحرار بسيبك واحصد الأشرار بسيفك".

كثير عزة في عمر بن عبد العزيز:

قد غيب الدافنون [اللحد] في عمربدير [سمعان] قسطاس الموازين

ضمن غيب معنى أودع وضمن، فذلك عدا [هـ] إلى أثنين.

نزل بالحسن بن علي ضيف فاستسلف درهماً اشترى له به خبزاً، واحتاج إلى الإدام فطلب من قنبر أن يفتح له زقاً فيه عسل جاء من اليمن فأخذ منه رطلاً. فلما قعد علي كرم الله وجهه ليقسمها، فقال: يا قنبر قد حدث في هذا الزق حادث. فقال: صدقت. وأخبره بالخبر. فغضب وقال: علي به. فرفع عليه الدرة فقال: بحق عمي جعفر. وكان إذا سئل بحق جعفر سكن، وقال: ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة؟ قال: إن لنا فيه حقاً، فإذا أعطيتنا رددناه. قال: فداك أبوك، وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبل ثنيتك لأوجعتك ضرباً. ثم دفع إلى قنبر درهماً وقال: اشتر به أجود العسل. قال الراوي: فكأني أنظر إلى يدي علي على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه، ثم شده وجعل يبكي ويقول: اللهم اغفر للحسن فإنه لا يعلم".

وقال الحسن: "أتى عمر ﵁ مال كثير فأتت إليه حفصة فقالت: يا أمير المؤمنين، حق أقربائك، فقد أوصى الله بالأقربين".

فقال: يا حفصة إنما حق أقربائي من مالي، فأما مال المسلمين فلا. فقالت حفصة: "نصحت قومك وغششتنا". وقامت تجر ذيلها.

النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الشكوى والعتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.