تجاوز إلى المحتوى

من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الباب السادس

في العفاف والورع والعصمة وذكر الحلال والحرام ومن تحرج وتنزه من الرجال والنساء عن عطية السعدي قال: "قال رسول الله ﷺ: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس".

وعن أبي بكر ﵁: أنا منذ وليت أمر المؤمنين لم آخذ لهم درهماً ولا ديناراً، ولكن قد أكلت من جريش طعامهم، ولبست من خشن ثيابهم، وليس عندنا من فيئهم إلا هذا الناضج وهذا العبد الحبشي وهذه القطيفة. فإذا قبضت فادفعوها إلى عمر. فلما قبض أرسلوها إليه فبكى حتى سالت دموعه ثم قال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده".

وقال علي كرم الله وجهه: "العفاف زينة الفقر".

وقال داود ﵇ لبني إسرائيل: "لا يدخل أجوافكم إلا طيب ولا يخرج من أفواهكم إلا طيب".

إن أحببت أن تعلم علم اليقين فاجعل بينك وبين الشهوات حائطاً من حديد.

وقال سليمان ﵇: "إن الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده".

حلقت قرشية شعرها وكانت من أحسن الناس وجهاً وشعراً، فقيل لها في ذلك فقالت: أردت أفتح الباب فلمحني رجل ورأسي مكشوف، فما كنت لأدع علي شعراً رآه من ليس بمحرم".

وقال بعض بني كلب:

إن أكن طامح اللحاظ فإنيوالذي يملك الفؤاد عفيف

وقال غيره:

فقالت بحق الله إلا أتيتناإذا كان لون الليل شبه الطيالس
فجئت ما في القوم يقظان غيرهاوقد نام عنها كل واش وحارس
فبتنا بليل طيب نستلذهجميعاً ولم أقلب لها كف لامس

"الحلال يقطر والحرام يسيل".

لقي مخنث آخر وقد تاب، فقال له: "من أين معاشك؟ فقال: بقيت لي بقية من الكسب القديم. فقال: إذا كانت نفقتك من ذلك الكسب فلحم الخنزير طرياً خير من قديد".

نزل خارجي على أخ له مستتراً من الحجاج فخرج صاحب المنزل لبعض حاجاته وقال لامرأته: "يا زرقاء أوصيك بضيفي هذا خيراً. فلما عاد بعد شهر قال لها: كيف ضيفنا؟ قالت: ما أشغله بالعماء عن كل شيء! وكان الضيف يطبق عينيه فلم ينظر إلى المرأة إلى أن عاد زوجها.

وقيل: مرت امرأة من بني نمير فقال رجل منهم: هي رسحاء. فقالت: يا بني نمير، ما أطعتم الله تعالى ولا أطعتم قول الشاعر! قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم).

وقال الشاعر: "فغض الطرف إنك من نمير"

وقال عبد الرحمن بن الحكم بن العاص:

هيفاء فيها إذا استقبلتها عجفعجزاء غامضة الكعبين معطار
من الأوانس مثل الشمس لم يرهابساحة الدار لا بعل ولا جار

لم يذهب على أحد من الرواة أن عمر بن أبي ربيعة كان عفيفاً: يصف ويقف ويحوم ولا يرد.

قيل للحسن: "إن عند فلان عشرة آلاف. قال: ما أحسبها اجتمعت من حلال" وقيل له: "إن فلاناً مات وترك مائة ألف. قال: إذاً لا تتركه".

وعن زاهد: "إني لأشتهي الشواء منذ أربعين سنة ما صفا لي درهمه".

"لا تعود نفسك الشبع من الحلال فتأكل الحرام".

سقط من يد كهمس بن الحسن الحنفي دينار فطلبوه حتى وجدوه، فأبى أن يأخذه وقال: "لعله ليس بديناري".

وقال ابن سيرين: ما غشيت امرأة قط في يقظة ولا نوم غير أم عبد الله. وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها".

قال بعضهم: "ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام".

وقال:

وإني لعف عن فكاهة جارتيوإني لمشنوء إلي اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لهازؤوراً ولم تأنس إلي كلابها
ولم أك طلاباً أحاديث سرهاولا عالماً من أي حوك ثيابها

تذاكروا أشد الأعمال في مجلس يونس بن عبد الله فاتفقوا أنه الورع

فجاء حسان بن أبي سنان وقال: إن الصلاة لمؤونة وإن الصوم لمؤونة وما أهون الورع وإذا رابك شيء فاتركه".

من ورع حسان أن غلاماً كتب إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشترها قبلك ففعل، فطلب منه بعد قليل بربح ثلاثين ألفاً فاستقال صاحبه البيع وقال: لم تعلم ما كنت أعلم حين اشتريت. فقال: قد أعلمتني الآن وقد طيبتك. فلم يطمئن قلبه، ولم يزل حتى رده عليه.

وقال محمود الوراق:

لا تشعرن قلبك حب الغنىإن من العصمة أن لا تجد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لا تشعرن قلبك حب الغنى»
كم مدمن خمراً وغاد علىسماع لهو وغناء غرد
لو لم يجد خمراً ولا مسمعاًبرد بالماء غليل الكبد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لا تشعرن قلبك حب الغنى»

وقال ابن المبارك: "أراد أبو حنيفة ﵁ أن يشتري جارية فمكث يختار ويشاور من أي سبي يشتريها".

اختلطت غنم الغارة بغنم أهل الكوفة فسأل أبو حنيفة: كم تعيش الشاة؟ قالوا: سبع سنين. فترك أكل الغنم سبع سنين.

وحملت إليه بدرة من عند المنصور فرمى بها في زاوية البيت، فلما توفي

جاء بها ولده حماد إلى الحسن بن قحطبة وقال: "أوصاني أبي برد هذه الوديعة إليك". فقال: "رحم الله أباك، لقد شح على دينه إذ سخت به أنفس أقوام".

وقال الثوري: "انظر إلى درهمك من أين هو، وصل في الصف الآخر".

كان عمر ﵁ يتمثل بهذا البيت:

حلالها حسرة تفضي إلى ندموفي المحارم منها السم مدرور

وعن جابر: سمعت النبي ﷺ يقول لكعب بن عجرة: "لا يدخل الجنة من نبت لحمه من سحت النار أولى به".

وقال أبو بكر ﵁: "إن الله حرم الجنة أن يدخلها جسد غذي بحرام".

وعن أبي هريرة- رفعه -: "يأتي على الناس زمان لا يسألون من حلال كسبوا أم حرام".

وعن حذيفة- رفعه -: "أن قوماً يجيئون يوم القيامة ولهم من الحسنات أمثال الجبال فيجعلها الله هباء ثم يؤمر بهم إلى النار. فقال سليمان: حلهم لنا يا رسول الله. فقال: أما إنهم كان يصلون ويصومون ويأخذون أهبة من الليل، ولكنهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه".

أيمن بن خريم:

فقلت اصطحبها أو لغيري أهدهافما أنا بعد الشيب ويبك والحمر
تعففت عنها بالسنين التي خلتفكيف التصابي بعد ما كلأ العمر

"فلان يعقد نطاقه على طبع، [تقال] للطيب الإزار".

وقال أبو سليمان الداراني: "من صدق في ترك الشهوة كفي مئونتها، الله أكرم من أن يعذب قلبه بها وقد تركها له".

مر سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم وهو عند قوم أضافوه فقال: يا أبا إسحاق نعم الشيء هذا إن لم يكن تكرمة على الدين".

وقال مروان بن معاوية: "ما من أحد إلا وقد أكل بدينه حتى سفيان الثوري، وكان له أخ يعمل ببضاعته وهو جالس، ولولا دينه ما فعل به ذلك".

وقيل: "ملك اللذات أن تتعبدنه".

وهو بماله متبرع، وعن مال عشيرته متورع.

"لم يتدنس بحطام ولم يتلبس بآثام".

"عف السريرة غيبه كالمشهد" قالت امرأة لرجل أكثر تأملها: "عبر عينك وشيء غيرك!! ".

وقال أبو أمامة الباهلي: "لما بعث الله محمداً ﷺ أتت إبليس جنوده وقالوا: قد بعث محمد وخرجت أمته. قال: أفيحبون الدنيا؟ قالوا: نعم. قال: إن كانوا يحبون الدنيا فإني لا أبالي أن يعبدوا الأوثان، أنا أغدو عليهم وأروح لهم بثلاث: أخذ المال من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وإمساكه عن حقه. والشرك تابع لهذا".

قال حكيم: "عز النزاهة أحب إلي من فرح الفائدة، والصبر على العسرة أحب إلي من احتمال المنة".

قيل لابن المسيب: "العن الحجاج، [فقال]: ويأخذ الحجاج مظلمته مني، حسبه ذنبه".

دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال: يا بثينة ما أرى شيئاً مما كان يقول جميل. فقالت: يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك. قال: فكيف صادفت عفته؟ قالت: كما

وصف نفسه بقوله:

لا والذي تسجد الجباه لهمالي بما تحت ثوبها خبر
ولا بفيها ولا هممت بهاما كان إلا الحديث والنظر

وعن أبي السهل ألساعدي: "دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت فقال لي: يا أبا سهل إن رجلاً يلقى الله ولم يسفك دماً حراماً. ولم يشرب خمراً، ولم يأت بفاحشة، أترجو له الجنة؟ قلت: إي والله. فمن هو؟ قال: إني لأرجو الله أن أكون ذلك. فذكرت بثينة فقال: إني لفي آخر يوم من الدنيا وأول يوم [من] الآخرة ولا نالتني شفاعة محمد إن كنت حدثت نفسي بريبة قط".

وقال عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ﷺ دعته بغي إلى نفسها، وكانت تسمع من الكهنة بإتيان رسول الله ﷺ وكانت حسنة. وأرادت أن تخدع عبد الله رجاء أن يكون [منها] رسول الله ﷺ للنور الذي رأته بين عينيه وقال:

أما الحرام فالحمام دونهوالحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينهيحمي الكريم عرضه ودينه

وقال:

وأحور مخضوب البنان محجبدعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها
بخلت بنفسي عن مقام يشينهافست مريداً ذاك طوعاً ولا كرها

وقال الحسن: "لو وجدت رغيفاً من حلال لأحرقته، ثم دققته، ثم ذريته ثم داويت به المرضى".

وقيل عدمت أم أبي ذر ﵁ ما تكفنه به فبكت. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، فأبصري الطريق. فإذا برجال أقبلوا ففدوه بأمهاتهم وبآبائهم. فقال: أنشدكم الله، إن كفنني رجل يكون عريفاً أو أميراً أو شرطياً أو نقيباً! فكفنه فتى من الأنصار بثوبين من غزل أمه".

راود توبة الحميري ليلى الأخيلية عن نفسها فاشمأزت وقالت:

وذي حاجة قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحب لا يبتغينا بخونةوأنت لأخرى صاحب وخليل

ابن ميادة:

موانع لا يعطين حبة خردلوهن دوان في الحديث أوانس
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبةكما كرهت صوت اللجام الشوامس
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال رجل للثوري: "أصاب ثوبي خلوق من خلوق الكعبة. فقال: اغسله فكم [فيه] من دم مسلم".

وقال فضيل في ابنه علي: "كانت لنا شاة أكلت شيئاً يسيراً من علف بعض الأمراء، فما شرب من لبنها بعد".

وقال إبراهيم بن أدهم: "أنا بالشام من أربع وعشرين سنة، ما جئت لجهاد ولا رباط، ولكن لأشبع من خبز حلال".

وقال عمرو بن العاص: "لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهما يريان أن يحل لهما، لقد غبنا ونقص رأيهما، والله ما كان مغبونين ولا ناقصي الرأي. ولئن كان ما أصبنا منه يحرم علينا، لقد هلكنا. وأيم الله، ما أتى الوهم والوهن إلا من قبلنا".

عبد الله بن الحسن بن الحسن:

أنس غرائر ما هممن بريبةكظباء مكة صيدهن حرام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أنس غرائر ما هممن بريبة»
يحسبن من لين الكلام فواسقاًويصدهن عن الخنا الإسلام

كان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف:

أتأذنون لصب في زيارتكمفعندكم شهوات السمع والبصر
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أتأذنون لصب في زيارتكم»
لا يضمر السوء إن طال الجلوس بهعف الضمير ولكن فاسق النظر
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أتأذنون لصب في زيارتكم»

كان ابن المولى المدني متواصفاً بالعفة وطيب الإزار، فأنشد عبد الملك بن مروان وهو متنكب قوسه يقول:

وأبكي فلا ليلى بكت من صبابةلباك ولا ليلى لذي الود تبذل
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنباًوإن أذنبت كنت الذي أتنصل
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

فقال له: "من ليلى هذه؟ إن كانت [حرة] لأزوجنكها. وإن كانت مملوكة لاشترينها لك بالغة ما بلغت. فقال: كلا يا أمير المؤمنين، ما كنت لأمعن بوجه حر أبداً في حرته ولا في أمته. ووالله ما ليلى إلا قوسي هذه سميتها ليلى فأنا أتشبب بها".

وقال مهدي بن الملوح الجعدي:

كأن على أنيابها الخمر شابهابماء الندى من آخر الليل غابق
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»
وما ذقته إلا بعيني تفرساًكما شيم في أعلى السحابة بارق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»

وقالت عائشة ﵂: "يا رسول الله، من المؤمن؟ قال: المؤمن من إذا أصبح نظر إلى رغيفه من أين يكسبها. قالت: يا رسول الله أما إنه لو كلفوه ولكنهم يعسفون الدنيا عسفاً".

وقيل: اختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر، فوكلت بخدمته جارية اسمها ملك، واحدة زمانها في الحسن والأدب، طلبت منها بخمسمائة ألف، فهويها وتذمم أن يطلبها إليها، فغنى يوماً وهي عنده يقول:

يا غزلاً لي إليهشافع [من] مقلتيه
والذي أجللت خديهـ فقبلت يديه
بأبي حسنك ما أكثر حسادي عليه
أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

ففطنت الجارية، فحكت لمولاتها فقالت: اذهبي إليه فأعلميه أني قد وهبتك إليه. فعادت الجارية فلما رآها أعاد الغناء فانكبت عليه، فقال لها كفي. فقالت قد وهبتني مولاتي لك، وأنا الرسول. فقال: أما الآن فنعم.

وأنشد المبرد يقول:

ما إن دعاني الهوى لفاحشةإلا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يديولا مشت بي لريبة قدم

وقيل: [طلب] عمر بن عبد العزيز رحلاً لمصحفه، فأتى برحل أعجبه فقال: "من أين أصبتموه؟ فقيل: عمل من خشبة وجدت في

بعض الجزائر. فقال: قوموه في السوق. فقوم بنصف دينار. فقال: ضعوا في بيت المال دينارين".

وقال عيسى ﵇: "لا تكونن حديد النظر إلى ما ليس لك فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينيك، فإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل. ولن تستطيع ذلك إلا بإذن الله تعالى".

النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الشكوى والعتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.