تجاوز إلى المحتوى

من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الباب الأول في العتاب والشكوى والتثريب والبث والاستعطاف وما أشبه ذلك

عن أنس ﵁: "خدمت النبي ﷺ عشر سنين بالمدينة وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون عليه، فما قال لي أف فيها قط، وما قال لي [لم] فعلت هذا، وألا فعلت [هذا] ؟ " وقال ﷺ "إذا زنت خادمة أحكم فليجلدها الحد ولا يثرب" وروي"ولا يعيرها"

عاتب عثمان عليا ﵄، وعلى مطرق، فقال: مالك تقول؟ فقال: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب".

مكتوب في الإنجيل: إن ظلمك أخوك فاذهب إليه فعاتبه فيما بينك وبينه فقط، [أ] طاعك ربحت أخاك، وإن هو لم يطعك فاستتبع رجلاً أو رجلين ليشهدا عليه ذلك الكلام، فإن لم يستمع فأنه أمره إلى أهل البيعة، فإن هو لم يسمع من أهل البيعة فليكن عندك كصاحب المكس".

وروى عن عيسى صلوات الله عليه: "إذا كان بينك وبين أخيك معاتبة فالقه فسلم عليه فاستغفر لك وله، فإن قبل فأخوك وإن أبى فاستشهد عليه شاهدين أو ثلاثة أو أربعة فعلى ذلك تقوم شهادة كل شيء في مجلس قومه، فإن قبل فأخوك وإن أبى فليكن كصاحب مكس أو كمن كفر بالله".

وقال أبو الدر داء ﵁: "معاتبة الأخ أهون من فقده، ومن لك بأخيك كله".

و [قيل]

خليلي لو كان الزمان مساعديوعاتبتماني لم يضق عندكما صدري
فأما إذا كان الزمان محاربيفلا تجمعا أن تؤذياني مع الدهر

وكتب الصولي إلى ابن الزيات هذه الأبيات:

وكنت أخي بإخاء الزمانفلما نبا كنت حرباً عوانا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وكنت أذم إليك الزمانفأصبحت فيك أذم الزمانا

وكتب إليه:

أخ كنت آوي منه عند ادكارهإلى ظل فينان من العز باذخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
سعت نوب الأيام بيني وبينهفأقلعن منا عن ظلوم وصارخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وإني وإعدادي لدهري محمداًكملتمس إطفاء نار بنافخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وعن إياس بن معاوية: "خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب، فلما كان ببعض المناهل لقيه ابن عم له فتعانقا وتعاتبا، وإلى جانبهما شيخ من

الحي يفن فقال لهما: انعما عيشاً، إن المعاتبة تبعث التجني، والتجني يبعث المخاصمة، والمخاصمة تبعث العداوة، ولا خير في شيء ثمرته العداوة".

شعر:

فدع ذكر العتاب فرب شرطويل هاج أوله العتاب

قال رجل لصديق يعاتبه: ما أشكوك إلا إليك، ولا أستبطيك إلا لك، ولا أستزيدك إلا بك"

وقال له: "أنا منتظر واحد من اثنتين: عتبى تكون منك أو عقبى تغني عنك" وقال له: "قد حميت جانب الأمل فيك، وقطعت أسباب الرجاء منك. وقد أسلمني الإياس منك إلى العزاء عنك، فإن نزعت من الآن فصفح لا تثريب فيه، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده".

وقال أوس بن حارثة لولده: "العتاب قبل العقاب"

وقال ابن أبي فنن:

إذا كنت تغضب في غير ذنبوتعتب من غير جرم عليا
طلبت رضاك فإن عزنيعددتك ميتاً وإن كنت حيا
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

سأل سفيان بن الأبرد الكلبي هنداً بنت أسماء بن خارجة امرأة الحجاج أن تكلمه في شأنه فمطلته فأرسل إليها يقول:

أعاتب هنداً والسفاه عاتبهاوماذا أرجو من معاتبتي هندا
أغيب فتنسى حاجتي وتصوغ ليحديثاً إذا صاحبتها يقطر الشهدا

قال المدني لأبي مروان القاضي: "إلى متى أستمطرك غيث الجميل، وأستطلعك شمس الإحسان وأنت تخوف برعد المطل، وتؤنس ببرق التسويف".

كاتب: "أنت فتى المجد ومعدن الحرية، ووطن الأدب، ومن كانت هذه صفاته فالخروج عن مودته [جهل] فضلاً عن الدخول في عداوته، وأنا وأنت أخوا مودة، ورحم المودة أمس من رحم القرابة: فكيف رشت سهامك؟ أم كيف امتحنت بعداوتك؟ ولكنه كما قال الشاعر:

بلى قد تهب الريح من غير وجههاوتقدح في العود الصحيح القوادح

[وقال] أبو الزبرقان:

صحبتك إذ أنت لا تصحبوإذ أنت لا غيرك الموكب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال عمرو بن الأيهم بن أقلت التغلبي النصراني: شعر

قاتل الله قيس غيلان طراما لهم دون غارة من حجاب
ليس بيني وبين قيس عتابغير طعن الكلى وضرب الرقاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «علني أحمد من الدوشاب»

وقال: "من أحوجك إلى العتب فقد وطن نفسه على الهجرة".

قدم ابن المعتصم وكان شيخ الرملة والمشار إليه بفلسطين، على ابن قريعة القاضي فقدم على ما ساءه وناءه حتى قال: "لقد اقشعر

جلدي بتلك الديار من ضيم لعله ما كان ينالني، ولو نالني ما كان يغيظني. فأسندت نفسي إلى ابن عم لي بالعراق، ولو سلختني المغاربة سلخاً ونفخوا في جلدي نفخاً لكان أهون علي مما عاملني به".

كتبت عثعث على زر قميصها بالذهب: شعر

علامة ما بين المحبين في الهوىعتابهما في كل حق وباطل

وكتبت مستهام جارية الفضل بن الربيع على تفاحة إليه: شعر

تمنى رجال ما أحبوا وإننيتمنيت أن أشكوا إليه فيسمعا

وقال [غيره]:

وكنت إذا ما جئت أكرمت مجلسيووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرةإلي بها في سالف الدهر تنظر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أنا اليوم لي والحمد لله أشهر»

وقال الأحنف: شكوت إلى عمي صعصعة بن معاوية وجعاً في بطني فنهرني، ثم قال: يا ابن أخي إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد فإنما الناس رجلان، صديق تسوؤه، وعدو تسره. والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن من ابتلاك هو قادراً أن يفرج عنك. يا ابن أخي إحد [ى] عيني هاتين ما أبصر بها سهلاً ولا جبلاً من أربعين سنة وما أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحداً من أهلي"

وقال أبو دلف:

إذا عتب في سيئةلم يدعها وتعاطى أختها

محمد بن أميه:

وأضمر في قلبي العتاب فإن بداوساعفني منه اللقاء نسيت

وقال غيرة:

ومن لم يعاتب في التواني خليلهوأملى له صار التواني تماديا

وقال آخر:

ترك العتاب إذا استحق أخمنك العتاب ذريعة الهجر
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

شكا رجل إلى آخر الفقر فقال له فضيل: "يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ".

شعر:

شكوت وما الشكوى لمثلي عادةولكن تفيض النفس عن امتلائها

قال المتنبي: وكم من أخ ناديت عند ملمة=فألفيته منها أمض وأقدحا

وقال آخر:

وليس تشكو إلى خلق فتشمتهشكوى الجريح إلى الغربان والرخم

وقال وهيب بن الورد: "خالطت الناس منذ خمسين سنة ما وجدت رجلاً غفر لي زلة، ولا أقالني عثرة، ولا ستر لي عورة، ولا أمنته إذا غضب".

[وقيل]: "ما أصغيت لك إناء ولا أصننت لك فناء". أي ما فعلت بك ما يوجب الشكاية.

[قيل]: "باعني بيع الخلق فيما نقص لا فيما زاد".

شعر:

وأراك تشربني وتمزجنيولقد عهدتك شاربي صرفا

وقال::

يا ذا الذي منه التنكر والتغير والنبو
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ذا الذي منه التنكر»

إن كان أدرك الملا_ل فقد تداركني السلو وقال:

كل يوم قطيعة وعتابينقضي دهرنا ونحن غضاب

"كثرة العتاب تنغل أديم المودة" عتاب جحظة مثل فيما رق ولطف

وقال بعضهم:

ورق الجو حتى قيل هذاعتاب بين جحظة والزمان
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

وللبديع الهمداني: "بيننا عتاب لحظة كعتاب جحظة، واعتذارات بالغة كاعتذارات النابغة".

في نوابغ الكلم: "الكتاب الكتاب إذا أردت العتاب، إن العتاب مسافهة إن كان مشافهة".

قابوس: أراك واهي الود في مضارب الود غيرك زاكي الحب في منابت الحب. الوفاء عندك بمنزلة الأبلق العقوق، والصفاء عندك مشرب بريق العقوق".

وقال كثير عزة:

ومن لم يغمض عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يمت وهو عائب
ومن يتتبع جاهداً كل عشرةيجدها ولم يسلم له الدهر صاحب

بشار:

إذا كنت في كل الأمور معاتباًصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
للشاعر راجح عبد الله، من قصيدة «قد توقد لاهبه»

كان أحمد بن يزيد المهلبي نديماً للمنتصر فطلبه أبوه المتوكل لمنادمتهفلم يزل نديمه حتى قتل، فلما ولي المنتصر حجبه ثم أذن له وأمر بنان بن عمرو أن ينشده فغنى يقول:

غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخنورمت بديلاً بي ولم أتبدل

والبيت للمنتصر. فاعتذر المهلبي، فقال المنتصر: إنما قاله مازحاً أتراني أتجاوز بك حكم الله:

(وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم). ووصله بثلاثة آلاف دينار.

حبس عبد الله بن علي المستهل بن الكميت فكتب إليه:

لئن نحن خفنا في زمان عدوكموخفناكمو إن البلاء لراكد
للشاعر المستهيل بن الكميت، من قصيدة «لئن نحن خفنا في زمان عدوكم»

وكان زهير بن صرد السعدي أسر في يوم حنين فيمن أسر يوم هوزان

فقال يستعطف رسول الله ﷺ ويذكره بحرمة الرضاع في بني سعد:

امنن على عصبة أعناقها ذللمفرق شملها في دارها غير
امنن على نسوة قد كنت ترضعهاإذ فوك يملؤها من محضها درر
لا تجعلنا كمن شالت نعامتهواستبق منا فإنا معشر شكر
للشاعر زهير بن صرد الجشمي، اقرأ القصيدة
وألبس العفو من قد كنت ترضعهمن أمهاتك إن العفو منتظر

فمن عليهم رسول الله ﷺ بالإطلاق.

وقال: عثمان بن مظعون ﵁ هاجر إلى أرض الحبشة فبلغه من

أمية بن خلف كلام فقال:

تريش نبالاً لا يواتيك ريشهاوتري نبالاً ريشها لك أجمع
فكيف إذا نابتك يوماً ملمةوأسلمك الأوباش ما كنت تصنع

المؤمل بن أميل المحاربي:

شكيت ما بي إلى هند فما اكترثتيا قلبها أحديد أنت أم حجر
لا تحسبيني غنياً عن مودتكمإني إليك وإن أيسرت مفتقر

منصور النمري: [كامل]

اقلل عتاب من استربت بأمرهليست تنال مودة بقتال

وقال معبد بن أخضر المازني:

لقد طال إعراضي وصفحي عن التيأبلغ عنكم والقلوب قلوب
وطال انتظاري عطفة الرحم منكمليرجع حكم والمعاد قريب
ولست أراكم تحرمون عن التيكرهنا ومنها في القلوب ندوب
فلا تأمنوا منا كفاية فعلكمفيشمت خصم أو يساء حبيب
ويظهر منا في المقال ومنكمإذا ما ارتمينا بالمقال عيوب
فإن لسان الباحث الداء ساخطاًبني مازن ألوى البنان كذوب

قعنب بن أم صاحب:

إن يسموا ريبة طاروا بها فرحاًمني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

محمد بن جميل الكاتب التميمي:

إذا أنا لم أبلغ بجاهك حاجةولم يك لي فيما وليت نصيب
وأنت أمير الأرض من حيث أطلعتلك الشمس قرنيها وحيث تغيب
أبا غانم إني 'ذا لروضةلغيري يصفو رعيها ويطيب

كتب عمر بن عبد العزيز إلى الزهري يستقدمه فأبطأ عليه فقال ̈"يا ابن شهاب لو كان غيرنا ما أبطأت عليه. لقد قلبتك ظهراً لبطن فوجدتك بني دنيا"

النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الشكوى والعتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.