من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب الخامس
في العجز والتواني والكسل والبطء والتردد في الأمر وما اشبه ذلك قال سعد بن أبي وقاص ﵁: كنا عند رسول الله فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح ألف تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة".
وقال علي كرم الله وجهه: "من أطاع التواني ضيع الحقوق".
وقال أكثم بن صيفي: "ما أحب أن أكفى جميع أمر الدنيا. قيل: ولم ذاك؟ قال: أخاف عادة العجز".
حكيم: "من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير".
[كتب] على عصا ساسان: "الحركة بركة والتواني هلكة، والكسل شؤم والأمل زاد العجز. وكلب طائف خير من أسد رابض. ومن لم يحترف لم يعتلف".
وقال أبو المعالي:
[و] إن التواني أنكح العجز بنتهوساق إليها حين زوجها المهرا
فراشاً وطيئاً ثم قال لها اتكيفقصراكما لا شك أن تلدا الفقرا
قال جرير للفرزدق: "ظننت أن تفعل كذا. فقال: طالما أخلفت ظن العجزة، وما ظنك بالحلفاء أدنيت لها ناراً؟ ".
خرج المعتصم إلى بعض متنزهاته فظهر لهم أسد فقال لرجل من أصحابه أعجبه قوامه وسلاحه وتمام خلقه: "يا رجل، أفيك خير؟ فقال بالعجلة: لا والله يا أمير المؤمنين. فضحك المعتصم، فقال: قبحك الله".
شعر:
لا تضجرن ولا يدخلك معجزةفالنجح [يذهب] بين العجز والكسل
غيرة:
ولا تركن إلى كسل وعجزتحيل على المقادر والقضاء
أبو بكر العرزمي:
أرى عاجزاً يدعى جليداً لغشمهولو كلف التقوى لكلت مضاربه
وعاف يسمى عاجزاً لعفافهولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وليس بعجز المرء أخطأه الغنىولا باحتيال أدرك المال كاسبه
وقال أعرابي: "العاجز هو الشاب القليل الحيلة، الملازم للحليلة".
وقيل: فلان يخدعه الشيطان عن الحزم فيمثل له التواني في صورة التوكل ويورثه الهوينا بإحالته على القدر".
وقال الحسن ﵁: "إن أشد الناس صراخاً يوم القيامة رجل سن سنة ضلالة فاتبع عليها. ورجل فارغ مكفي قد استعان بنعم الله على معاصيه".
وقيل لسهل بن هارون: "خادم القوم سيدهم. [قال]: هذا من أخبار الكسالى".
وقال بعضهم:
أصبحت لا رجل يغدو لمطلبهولا قعيدة بيت تحسن العملا
وقال لبيد: "واعص ما يأمر توصيم الكسل".
الخيبة نتيجة مقدمتين: الكسل والفشل، وثمرة شجرتين: الضجر والملل.
قيل: شعاره الكسل ودثاره التسويف والعلل.
"الكسل باب الخصاصة".
"الكسلان إذا أرسلته في حاجة تكهن عليك".
"يسحب رجلاً لا تكاد تنسحب".
شعر:
إن الهوينا تورث الهوانا.
غيره:
لو سابق الذر مشدوداً قوائمهيوم الرهان لكان الذر يسبقه
"التعبد يثقل على أهله كثقله في الميزان، والكسل يخف على أهله كخفته في الميزان".
وقال لقمان ﵇: "يا بني إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقاً، وإذا ضجرت لم تصبر على حق".
وقال طاهر بن الفضل:"الكسلان منجم، والبخيل طبيب".
وقال العطاف الكلبي:
كلوا عجوة الوادي فإن بلاءكمضعيف إذا ما كان يوم قماطر
ولا تغضبوا مما أقول فإنماأنفت لكم مما يقول المعاشر
ابن الدنقعي:
إذا وضع الراعي على الأرض صدرهفحق على المعزى بأن تتبددا
وقال ابن السماك: "جلاء القلوب استماع الحكمة، وصدؤها الملالة والفتور".
[كان]: إذا سئم تبدى المأمون: "إن النفس لتمل الراحة كما تمل التعب".
أبجر بن جابر ألعجلي: "يا بني، إياك والسآمة في الأمور فتقذفك الرجال خلف أعقابها".
"فلان لا ينتبه ولو أعيد في الكور ونفخ عليه إلى أن ينفح في الصور".
علي كرم الله وجهه: "إلى كم أغضي على القذى، وأسحب ذيلي على الأذى وأقول لعل وعسى".
عمر ﵁:" [إني لأكره] أن أرى أحدكم فارغاً سب لا في عمارة دنيا ولا في عمل آخرة".
"أحذركم من عاقبة الفراغ فإنها أجمع لأبواب المكروه من السكر".
"إذا كان الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة".
حجام ساباط مثل في الفراغ وهي ساباط المدائن كان بها حجام إذا مر به البعوث حجمهم بنسيئة إلى وقت القفول. وقيل: حجم مرة أبرويز فأمر له بما أغناه عن الحجامة، فلم يزل فارغاً مكفياً".
دار أبي العباس مفروشةما شئت من بسط وأنماط
لكنما بعدك من خبزهكبعد بلخ من سميساط
مطبخه قفر وطباخهأفرغ من حجام ساباط
[كان] ابن الرومي إذا ذكر أبا حفص الوراق سماه وراق ساباط لفراغه.
"اخلع علي ساعة من ساعاتك"، أي تفرغ لي.
وعن أنس ﵁ رفعه: "أشد الناس حساباً يوم القيامة المكفي والفارغ".
قدامة بن جعفر: "كنت مروياً في أمر آتيه أم أذره فأنشدت في المنام:
فلا تكن النفس التي نيط آمرهابنفسين نفسي تائق وعزوف
وقال غيره:
كان الفراغ إلى سلامك قادنيفلربما طلب الفضول الفارغ
قولك: في أذني قرط، أي لا أنساه.
لو غابت عنك العافية لنسيتها.
وعن جابر بن عبد الله: خمس يورثن النسيان: أكل التفاح، وسؤر الفأر، والحجامة في النقرة، ونبذ القمل حياً، والبول في الماء الراكد".
وعن علي كرم الله وجهه: عشر يورثن النسيان: كثرة الهم، والحجامة في النقرة، ولبول في الماء الراكد، وأكل التفاح الحامض، وأكل الكزبرة الخضراء، وأكل سؤر الفار، وقراءة ألواح القبور، والنظر إلى المصلوب، والمشي بين الجملين، وإلقاء القمل حياً".
وفي نوابغ الكلم: "يا إنسان عادتك النسيان".
"أذكر الناس ناس، وأرق القلوب قاس".
"فلان نغل القلوب [كذا؟] والفؤاد، غير نشاء الأحقاد".
المعتز:
وما أمل حبيبي ليتني أبداًمع الحبيب ويا ليت الحبيب معي
العباس بن الأحنف:
لو كنت عاتبة لسكن عبرتيأملي رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم يكن لي حيلةصد الملول خلاف صد العاتب
العرب تقول: "إنك لذو ملة طرف"، أي تتخذ حبيباً ثم تمله وتستظرف آخر.
"هذا أمر يضيق به فضاؤك، وتسقط منه كسفاً سماؤك".
كان رجل يسمي أسماء غلمانه ثم ينساهم فقال: اشتروا لي غلاماً يكون له اسم مشهور لا أنساه. فاشتروا له غلاماً اسمه واقد فقال: هذا الاسم لا أنساه. اجلس يا فرقد".
وقال:
أتناسيت أم نسيت إخائيوالتناسي شر من النسيان"
قالت العرب: "عقرة العلم النسيان".
قيل لرجل من عبد القيس في مرضه: "أوصينا. قال: أنذركم سوف".
النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع