من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الباب السابع
في التعجب وذكر العجائب والنوادر وما خرج من العادات قال علي بن ربيعة: "شهدت علياً ﵁ أتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها قال: (سبحن الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون).
ثم قال: الحمد لله، والله أكبر ثلاث مرات. ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم ضحك. فقلت: يا أمير المؤمنين، من أي شيء تضحك؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل ما فعلت أنا ثم ضحك فقلت: يا رسول الله من أي شيء تضحك؟ فقال: إن ربك يتعجب من عبده إذا قال اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري".
وعنه ﷺ: "تعجب ربكم من شاب ليس له صبوة".
وعنه: "عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل وهم كارهون".
وقال علي كرم الله وجهه: "عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. وعجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة. وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله. وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت. وعجبت لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى. وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء".
وقال قعنب بن أم الصاحب:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبنيسعي الفتى وهو مخبوء له القدر
"نظرت فيه نظر العجب به لا العجب منه".
وذكرت قول أرسطاليس للإسكندر: "أما التعجب من مناقبك فقد أسقطه توارثها، فصارت كالشيء المألوف الذي لا يتعجب منه".
قيل لبحار: ما رأيت من عجائب البحر؟ قال: سلامتي منه".
ركب أعرابي البحر فرأى من أمواجه الأهوال، ثم ركبه مرة أخرى وهو ساكن فقال: "لا يغرني حلمك فعندي من جهلك العجائب".
وقيل: أسمع المعتز عبيد الله بن عبد الله بن طاهر غناء حظية له وقال: كيف تراها؟ قال: يا أمير المؤمنين حظ العجب منها أكثر من حظ العجب بها".
قيل لبزر جمهر: "من أعلم الناس بالدنيا؟ قال: أقلهم منها تعجباً".
وعنه: "العجب ممن يعرف ربه ثم يغفل عنه طرفة عين".
يقال للمشعوذ أبو العجب.
وقال أبو تمام:
وحادثات أعاجيب خساً وزكاًما الدهر في فعلها إلا أبو العجب
وقال ابن الرومي في البحتري:
أولى بمن عظمت في الناس لحيتهمن حاكة الدهر أن يدعى أبا العجب
الجد أعمى ولولا ذاك لم ترهفي البحتري بلا عقل ولا أدب
لو قيل أي شيء أعجب عندك لقلت: قلب عرف الله ثم عصى.
كان ببابل سبع مدائن، في كل مدينة أعجوبة: في أحدها تمثال الأرض،
فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته بخراجهم خرق أنهارها عليهم في التمثال فلا يطيقون سداً حتى يعتدلوا، وما لم يسد في التمثال لم يسد في ذلك البلد. وفي الثانية حوض إذا أراد الملك أن يجمعهم إلى طعامه أتى كل واحد بما أحب من شراب فصبه في ذلك الحوض فاختلطت الأشربة، وكل من سقي منه كان شرابه الذي جاء به. وفي الثالثة طبل إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب قرعوه، فإن كان حياً صوت وإن كان ميتاً لم يسمع له صوت. وفي الرابعة مرآة إذا أرادوا [أن يعلموا] حال الغائب نظروا فيها فأبصروه على أي حالة هو عليها كأنهم يشاهدونه. وفي الخامسة إوزة من نحاس. فإذا دخل غريب صوتت الإوزة صوتاً يسمعه أهل المدينة. وفي السادسة قاضيان جالسان على الماء فيأتي الخصمان فيمشي المحق على الماء حتى يجلس مع القاضي، ويرتطم المبطل. وفي السابعة شجرة ضخمة لا تظل إلا ساقها، فإن جلس تحتها [أحد] أظلته إلى ألف رجل، فإن زاد عن الألف واحد جلسوا كلهم في الشمس.
وقال الخليل في سليمان بن حبيب، وأجاد:
وزلة يكثر الشيطان إن ذكرتمنها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبن لخير زل عن يدهفالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
"ورد على قلبي منه ما طبقه عجباً ولم يطبقه شجباً:
الدهر فيه لمن تعججب عبرة وعجائب
الظبي يخضم الحنظل خضماً، ويمضغه مضغاً، وماؤه يسيل من شدقيه ويتبين فيه الاستلذاذ له والحلاوة لطعمه، ويرد البحر فيشرب الماء الأجاج كما تغمس الشاة [لحييها] في الماء العذب. فأي شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر ويستحلي مرارة الحنظل.
وعن عبد الرحمن بن عدي: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: ضرس
الكافر مثل أحد، فقلت في نفسي: فكيف برأسه؟ فكيف بيديه؟ كالشاك. فرأيت في النوم من القابلة أن بثرة خرجت في خصري فملأت المدينة، فقيل لي: هذا الشك في قول أبي هريرة".
وعن أبي مقبل: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فأتى مروان بن الحكم بحبال وفعله يريد أن يزيد في درجات منبر رسول الله ﷺ وذلك بإمرة معاوية فزلزلت الأرض وكسفت الشمس وبدت النجوم واصطففت القناديل".
كانت في زمن بني إسرائيل جارية متعبدة تسمى سوس، وكانت تخرج إلى مصلى يليه شيخان، وكان بجنبه بستان يتوضأ منه. فعلقها الشيخان
فراوداها عن نفسها فأبت، فقالا: إن لم تمكنينا [من نفسك] شهدنا عليك بالزنا. فقالت: الله كافي من شركما. ففتحا باب البستان وعيطا على الناس فقالا: وجدناها مع شاب يفجر بها وانفلت من أيدينا. وكانوا يقيمون الزاني ثلاثة أيام ثم يرجم، فأقاموها، وكانا يدنوان منها ويضعان يديهما على رأسها ويقولان: الحمد لله الذي أنزل عليك نقمته. فلما أريد رجمها تبعهم دانيال وهو ابن اثنتي عشرة سنة أول ما تنبأ، فقال: لا تعجلوا فإني أقضي بينهم، فوضع له كرسي، ففرق بين الشيخين، وهو أول يوم فرق [فيه] بين الشهود، فقال لأحدهما: ما رأيت؟ فذكر حديث الشاب. فقال: أي مكان من البستان؟ فقال: تحت شجرة الكمثرى. وسأل الآخر فقال: تحت شجرة التفاح. وسوس رافعة يديها تدعو بالخلاص فأنزل الله ناراً أحرقت الشاهدين وأظهر الله براءتها.
عن الشافعي رحمة الله عليه: بينما أنا أدور في طلب العلم فدخلت بلدة من بلاد اليمن فرأيت فيها إنساناً من وسطه إلى أسفله بدن امرأة، ومن وسطه إلى فوق بدنان ذكران متفرقان بأربع أيد ورأسين ووجهين فسألت عنه وهما يتقابلان ويتلاطمان ويصطلحان ويأكلان ويشربان. ثم غبت عنهما سنتين ورجعت فسألت عنهما فقيل لي: أحسن الله عزاءك في الجسد الواحد. توفي فربط من أسفله بحبل وثيق وترك حتى ذبل فقطع. فلعهدي بالجسد الآخر في السوق ذاهباً وجائياً.
وقال: "رأيت باليمن أعميين يتقاتلان وأبكم يصلح بينهما".
وقال: "رأيت باليمن قوماً يشق أحدهم لحمه ثم يرده فيلتئم من ساعته. ويقال: إن غذاء أولئك اللبن".
وقال: "رأيت باليمن بنات سبع يحضن كثيراً".
وقال: "رأيت بالمدينة ثلاث عجائب لم أر مثلها في موضع قط. رأيت رجلاً فلس في مد من نوى، فلسه القاضي. ورأيت رجلاً له سن شيخ كبير يدور على بيوت القينات ماشياً يعلمهن الغناء فإذا حضرت الصلاة صلى قاعداً ورأيت رجلاً أعسر يكتب بشماله وهو يسبق من يكتب بيمينه.
والله أعلم
النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع