تجاوز إلى المحتوى

من «الشكوى والعتاب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الباب الثامن

في العشق وذكر من بلي به وقال فيه الشعر ومن مات منهم كمداً ومن رق لهم وترحم عليهم قال النبي ﷺ: "من عشق وعف وكتم ثم مات، مات شهيداً".

لما عتقت عائشة ﵂ جاريتها بريرة وكان زوجها حبشياً اسمه مغيث خيرت بين الإقامة معه وبين مفارقته فاختارت المفارقة. فكانت إذا طافت بالبيت طاف معها مغيث ودموعه تسيل. فقال النبي ﷺ لعمه العباس: يا عم ما ترى [في] حب مغيث لبريرة؟ لو كلمناها أن تتزوج به. فدعاها فكلمها فقالت: يا رسول الله إن أمرتني فعلت. فقال: أما أمر فلان ولكن أشفع. فأبت أن تتزوجه. قال الراوي: فهذا من قد رآه رسول ﷺ وشهد لشدة عشقه وشفع فيما به.

وقال يحيى بن معاذ الرازي: "لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذاباً".

وقال بعضهم: "رأيت امرأة مستقبلة البيت في غاية الضر والنحافة رافعة يديها تدعو فقلت لها: هل من حاجة؟ فقالت: حاجتي أن تنادي في الموقف بقولي هذا:

تزود كل الناس زاداً يقيمهمومالي زاد والسلام على نفسي

فقلت، فإذا أنا بفتى منهوك فقال: أنا الزاد. فمضيت به إليها فما زاد عن النظر والبكاء، ثم قالت له: انصرف مصاحباً للسلامة. فقلت: ما علمت أن لقاءكما يقتصر على هذا. فقالت: أمسك، أما علمت أن ركوب العار ودخول النار شديد".

وقال إبراهيم بن محمد [بن] عرفة المهلبي الواسطي:

كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعنيمنه الحياء وخوف الله والحذر
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة
كم قد خلوت بمن أهوى فيقنعنيمنه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهموليس لي في حرام منهم وطر
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم»
كذلك الحب لا إتيان معصيةلا خير في لذة من بعدها سقر
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة

عن زبيدة: "قرأت في طريق مكة على حائط:

أما في عباد الله أوفى أمانةكريم يجلي الهم عن ذاهب العقل
له مقلة أما المآقي فقرحةوأما الحشا فالنار فيه على رجل

فنذرت أن أحتال لقائلها حتى أجمع بينه وبين من يهوى، فإني لبالمزدلفة إذا سمعت من ينشدها فأدنيته فزعم أنه قائلهما في بنت عم له، وقد نذر أهلها لا يزوجوه بها. فوجهت إلى الحي وما زلت أبذل لهم حتى زوجوه، وإذا المرأة أعشق من الرجل. وكانت زبيدة تعدها من أعظم حسناتها وتقول: ما أنا بشيء أسر بجمعي بين ذلك الفتى والفتاة.

قيل: كان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية تحابا فكتب

إليها يقول:

ولقد رأيتك في المنام كأنماعاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأنمابتنا جميعاً في فراش واحد
فطفقت يومي كله متراقداًلأراك في نومي ولست براقد

فأجابته:

خير رأيت وكل ما عاينتهستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقيفتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجيوأراك بين مراجلي ومجاسدي

فبلغ ذلك سليمان فأنكحهما وأحسن جهازهما.

وقال الجاحظ: "العشق اسم لما فضل عن المحبة، كما أن السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما جاوز حد الاقتصاد".

سئل أفلاطون عن العشق فقال: "داء لا يعرض إلا للفراغ".

"العشق جهل عارض صادف قلب فارغ".

قيل لأعرابي: "ما بلغ من حبك لفلانة؟ قال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها رائحة المسك".

[سأل] الرشيد رجلاً: ما أشد ما يكون من العشق؟ قال: أن يكون ريح البصل منه أحب إليك من رائحة المسك من غيره.

[عن] عمر بن [أبي] ربيعة المخزومي أن "نعماً" التي فيها يقول: "أمن آل نعم أنت غاد فمبكر" اغتسلت من غدير [فأقام] يشرب منه حتى جف.

[رأى] شبيب أخو بثينة جميلاً عندها فوثب عليه وآذاه، ثم أتى مكة وفيها

جميل فقيل له: دونك شبيباً فاثأر منه فقال:

وقالوا يا جميل أتى أخوهافقلت أتى الحبيب أخو الحبيب
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «وقالوا يا جميل أتى أخوها»

كتبت جارية للمتوكل على جبهتها: "هذا ما عمل في طراز فتنة لعباد الله".

أنشد الأخفش في حداد:

مطارق الشوق منها في الحشا أثريطرقن سندان قلب حشوه الفكر
ونار كور الهوى في الجسم موقدةومبرد الحب لا يبقى ولا يذر

وقال: عبد الله بن عجلان النهدي أحد العشاق المذكورين، تزوجت عشيقته فرأى أثر كفها في ثوب زوجها فمات كمداً.

أهدى أبو العتاهية للمهدي برنية فيها ثوب مطيب قد كتب في حواشيه: (شعر)

نفسي [بشيء] من الدنيا معلقةالله والقائم المهدي يكفيها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «نفسي بشيء من الدنيا معلقة»
إني لآيس منها ثم يطمعنيفيها احتقارك للدنيا وما فيها

فهم بدفع عتبة إليه فضجرت وقالت: يا أمير المؤمنين، بعد حرمتي

وخدمتي أتدفعني إلى رجل قبيح المنظر بائع جرار متكسب بالشعر؟ فأعفاها، وأمر أن تملأ البرنية مالاً. فأرادوا أن يملؤوها دراهم فقال: إنما أمر بالدنانير، فاختلف في ذلك حولاً. فقالت عتبة: "لو كان عاشقاً لم يختلف حولاً في التمييز بين الفضة والذهب وقد أعرض عني صفحاً".

صحب جميل رجلاً من بني عذرة يدعى العشق وهو سمين، فقال:

وقد راعني من زهدم أن زهدماًيشد على خبزي ويبكي على جمل
فلو كنت عذري العلاقة لم تكنسميناً وأنساك الهوى كثرة الأكل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ويعجبني من جعفر أن جعفرا»

قال محمد بن عبد الله بن طاهر لأولاده: عفوا تشرفوا، واعشقوا تظرفوا.

[أول] العشق النظر، وأول الحريق الشرر.

زار علي بن عبيدة الريحاني جارية كان يهواها وعنده إخوانه، فحان وقت الظهر فبادروا للصلاة وهما يتحادثان فأطالا حتى كادت الصلاة أن تموت، فقبل: يا أبا الحسن، الصلاة. فقال: رويدك، حتى تزول الشمس. أي حتى تقوم الجارية.

وصف أعرابي امرأة فقال: ما زال القمر يرينيها، فلما غاب رأيتها. قيل: فما كان بينكما؟ قال: أبعد ما أحل الله مما حرم الله، إشارة في غير باس ودنو في غير مساس. ولا وجع أشد من الذنوب.

وقال أبو العيناء: أضحكني بائع رمان،

يقول:

وقعت من فوق جبال الهوىإلى بحار الحب طرطب

عبد بني الحسحاس:

وكم قد شققنا من رداء محبرومن برقع عن طفلة غير عابس
إذا شق برد شق بالبرد برقعدواليك حتى كلنا غير لابس
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وذلك أن الرجل يشق برفع حبيبه والمرأة تشق برد حبيبها، ويقولون: إن لم يفعل ذلك عرض البغض بينهما.

ذكر أعرابي امرأة فقال: "كاد الغزال يكونها لولا ما تم منها ونقص منه. وما كانت أيامي معها إلا كأباهيم القطا قصراً ثم طالت بعدها شوقاً إليها وأسفاً عليها".

عشق رجل امرأة فقيل له: ما بلغ من عشقك لها؟ قال: كنت أرى القمر على سطح دارها أحسن منه على سطوح الناس".

"من جرى مع هواه طلقاً جعل للعذل فيه طرقاً".

وقال عبد الله بن رواحة:

سبتك بعيني جؤذر بخميلةوجيد كجيد الريم زينه النظم
وأنف كحد السيف يشرب قبلهاوأشنب رفاف الثنايا به ظلم

وقالت أعرابية في صفة العشق: "جل والله أن يرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو في الصدور كامن كمون النار في الحجر. إن قرعته أورى وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر".

وقال كثير عزة:

وإني لأرضى منك يا عز بالذيلو أيقنه الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنىوبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وإني لأرضى منك يا لي بالذي»
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضيأواخره لا نلتقي وأوائله
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وإنى لأرضى منك يا ليل بالذى»

وقيل: "سرقت فؤاده إذا عشقها وتحللت مسك الروح منه".

ويقال: "ناط قلبي بحبها نائط، وساطه بدمي سائط".

وقال أعرابي: "لقد [كنت] آتيها عند أهلها فيتجهمني لسانها، ويرحب بي طرفها".

وقالت ليلى العامرية في قيسها:

لم يكن المجنون في حالةإلا وقد كنت كما كانا
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة
لكنه باح بسر الهوىوإنني قد ذبت كتمانا
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

وقال ابن مرخية:

سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة هل في حب دهماء من وزر

فقال سعيد بن المسيب إنما=تلام على ما تستطيع من الأمر فقال سعيد: والله ما سألني أحد ولو سألني ما كنت أجبت إلا بهذا.

كان أهل الهوى فيما مضى يسر أحدهم بلبانة مضغتها حبيبته أو بسواك استاكت به، واليوم يطلب أحدهم الخلوة الصحيحة كأنه قد أشهد على نكاحها أبا سعيد وأبا هريرة.

مر مالك بن دينار بدار ليلى وإذا بقائل يقول: شعر

يا سيدي قد جاءك المذنبيرجو الذي يرجوه من يتعب
فاصفح له عن ذنبه منعماًوهب له منك الذي يطلب

فوقف مالك يسمع ويبكي والقائل يردد البيتين بصوت حزين، فلما قارب السحر قال:

يا ناصباً مقلته فتنةإليك من مقلتك المهرب

فقال: يا فاسق، إنما كان تضرعك لغير الله، ومضى.

هوي أحمد بن [أبي] عثمان الكاتب جارية لزبيدة اسمها نعم حتى مرض ونهك وقال فيها أبياتاً منها قوله:

وإني ليرضيني الممر ببابهاوأقنع منها بالشتيمة والزجر

فوهبتها له.

وقال زبان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم:

علق القلب مهاة طفلةمن بني عبد مناف في اللباب
وبنو زهرة أخوال لهاوبنو الإصبع أولاد الرباب
من ذرى كلب وكلب هامةمن معد في المعالي والروابي
جمعتني وسليمى نسوةفاتكات من عدي بن حباب

وقال المعتز بالله:

بيضاء ورد الشباب قد غمستفي خجل ذائب يعصرها
مجدولة هزها الصبا وغدتيشغل لحظ العيون منظرها
الله جار لها فما امتلأتعيني إلا من حيث أبصرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «كم ليلة فيك بت أسهرها»

أبو عبد الله الغواص:

قمر لم يبق مني حبهوهواه غير مقلوب قمر

وقال خليد مولى العباس بن محمد الهاشمي شاعر الظاهرية:

أما والرقصات بكل فجومن صلى بنعمان الأراك
لقد أضمرت حبك في فؤاديوما أضمرت حبا من سواك
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أطعت الآمريك بقطع حبلى»
أطعت الأمر فيك بقطع حبليمريهم في أحبتهم بذاك
فإن هم طاوعوك فطاوعيهموإن عاصوك فاعصي من عصاك
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أطعت الآمريك بقطع حبلى»

وقال: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ رأى بالشام امرأة فقال:

تذكرت ليلى والسماوة دونهافما لابنة الجودي ليلى وماليا
للشاعر عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
وأنى تعاطى قلبه حارثيةتدمن بصرى أو تحل الجوابيا

وقال أعرابي:

أقول لعيس قد برى السير نيهافلم يبق منها غير عظم مجلد
خذي بي ابتلاك الله بالشوق والهوىوهاجتك أصوات الحمام المغرد
فطارت مراحاً خوف دعوة عاشقتجوب في الظلماء في كل فدفد
فلما ونت في السير ثنيت دعوتيوكانت لها سوطاً إلى ضحوة الغد

وقال الفتح بن خاقان صاحب المتوكل: شعر

أيها العاشق المعذب صبراًفخطايا أهل الهوى مغفورة
زفرة في الهوى أحط لذنبمن غزاة وحجة مبرورة

وقال يوسف بن الماجشون: "أنشدت محمد بن المنكدر قول وضاح اليمن:

إذا قلت هاتي نوليني تبسمتوقالت معاذ الله [من] فعل ما حرم
فما نولت حتى تضرعت حولهاوعرفتها ما رخص الله في اللمم

فضحك وقال: إن كان وضاح لفقيهاً في نفسه".

وقال علي بن هشام فرخسروا، وكان المأمون يزوره ويستأنس به ثم قتله، ومن شعره:

يا موقد النار يذكيها فيخمدهاقر الشتاء بأرواح وأمطار
قم فاصطل النار من قلبي مضرمةللشوق تغن بها يا موقد النار
ويا أخا الذود قد طال الظماء بهاما تعرف الري من جدب وإقفار
للشاعر القائد علي بن هشام، اقرأ القصيدة
رد بالعطاش على عيني وعبرتهاتروي العطاش بدمع واكف جار

عبد الرحمن القارئ القس:

قد كنت أعذل في الصبابة أهلهافاعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم أنماسبل الضلالة والهدى أقسام

برمة النحوي:

يا طيب مرعى مقلة لم تخفبوجنتيه زجر حراس
للشاعر برمة النحوي صهر المبرد، اقرأ القصيدة
حلت بخد لم يغض ماؤهولم تخضه أعين الناس
للشاعر برمة النحوي صهر المبرد، اقرأ القصيدة

كشاجم:

فلم يزل خدها ركناً ألوذ بهوالخال في صحنه يغني عن الحجر

الخبز أرزي:

لو أبصر الوجه منه منهزميطلبه ألف فارس وقفا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أهيف يحكي بقده الألفا»

عن عمر بن [أبي] ربيعة: "كنت بين امرأتين هذه تسارني وهذه تعضني فما شعرت بعضة هذه من سرار هذه".

وقال ريسان العذري:

لو حز بالسيف رأسي في مودتهالطار يهوي سريعاً نحوها راسي

وسمع به ابن أبي ربيعة بعد ما نسك ولبس الصوف فقال: أحسن والله. وتحرك، فقال: تالله لقد هيجتم علي ما كان مني ساكناً".

وقال محمود بن مروان بن أبي حفصة:

يدمي الحرير جلودهن وإنمايكسين من حلل الحرير رقاقها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «إن الغواني قتلت عشاقها»

النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٢١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الشكوى والعتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.