من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
كلمات موجزة
ذكر ذلك يطول، ولكن لا بدّ من ذكر أحرف تكون أمثلة.
سئل جعفر بن يحيى عن أوجز كلام فقال: قول سليمان ﵇ إلى ملكة سبا أنه من سليمان، وأنه بسم الله الرحمن الرحيم، أن لا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين، فجمع في ثلاثة أحرف العنوان والكتاب والحاجة وإظهار الدين وعرض الرشاد إلى المكتوب إليهم.
وكتب المعتصم إلى ملك الروم جوابا عن كتاب تهدّده فيه: الجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار، والسلام.
وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب كتاب عناية موجزة فكتب: كتابي كتاب واثق بمن كتب إليه، معتنى بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله.
الإيجاز والإطناب في محلّيهما
قيل لأبي عمرو بن العلاء: لم كانت العرب تطيل؟ قال: ليسمع منها. قيل: فلم توجز؟ قال: ليحفظ عنها. وقد قال الشاعر في هذا المعنى:
يرومون بالخطب الطّوال وتارةوحي الملاحظ خيفة الرّقباء
وقال ابن قدامة: البلاغة ثلاثة مذاهب: المساواة، وهي مطابقة اللفظ والمعنى لا زائدا ولا ناقصا. والإشارة وهي أن يكون اللفظ كاللمحة الدالّة والتذييل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن لم يفهمه، ويتأكد عند من فهمه. وقال شاعر:
يكفي قليل كلامه وكثيرهثبت إذا طال النّضال مصيب
وأمر يحيى بن خالد كاتبين أن يكتبا في معنى، فأوجز أحدهما وأطال الآخر، فقال للموجز، لمّا نظر في كتابه: لم أجد موضع مزيد. وقال للمطيل: لم أجد موضع نقصان.
وقال جعفر بن يحيى: إذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار هذرا، وإذا كان التطويل واجبا كان التقصير عجزا.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع