من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
متكبّر على ذي كبر
سئل الحسن عن التواضع فقال: هو التكبر على الأغنياء. وأتى سليمان بن عبد الملك طاووسا فلم يكلمه، فقيل له في ذلك فقال: أردت أن يعلم أن في عباد الله من يستصغر ما يستعظم ذلك من نفسه. أنشد المبّرد:
إذا تاه الصديق عليك كبرافته كبرا على ذاك الصّديق
فإيجاب الحقوق لغير راعحقوقك رأس تضييع الحقوق
وعلى هذا قال بعضهم: ما تكبر عليّ أحد قط إلا تحول داؤه في أن قابلته بفعله.
وقال بعضهم: ما تاه أحد عليّ أكثر من مرة واحدة لأني تركته بعد ذلك وأعرضت عنه.
من ترك حقّه إشفاقا من وصمة تلحقه
اختصم الأصبهيد صاحب طبرستان والمصمعان صاحب دباوند في شيء، فكتب إلى الحجّاج أن يوجه رجلا يحكم بينهما، فوجه أياسا إليهما، فلما صار بالمنصف بعث إليهما فحضر الأصبهيد على سريره وألقى للمصمعان وسادة فقال أياس للأصبهيد: أنت ظالم وقد عرفت ذلك منك. قال فيم؟ قال: العدل أن تساويه في الحكم فقال: إذا أدع حقى ولا أساويه في المجلس فترك حقه وعاد إلى مكانه. وقال الرشيد يوما لجلسائه: إن عمارة قد ذهب في التيه كلّ مذهب وأحب أن أضع منه، فقيل له لا شيء أوضع للرجال من منازعة الرجال والرأي أن يؤمر رجل ليدعي أفضل ضيعة له أنه غصبه إياها، ففعل ذلك، فلما دخل عمارة قام الرجل فتظلم منه وشنّع عليه، فقال الرشيد: أما تسمع ما يقول الرجل؟ فقال من يعني؟ فقال الرشيد: يعنيك أنك غصبته كذا فقم واجلس معه مجلس الحكم. فقال: إن كانت هذه الضيعة له فلست أنازعه فيها وإن كانت لي فقد جعلتها له. فانقطع كلام الرجل فلما انصرف قال عمارة لرجل كان معه: من هذا المدّعي فإذا أنه لم يملأ عينه منه فأخبر الرشيد بذلك. فقال: سوّغنا تيهه له بعد ذلك.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع