من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة
الجوار والنصرة
الحث على مراعاة الجار: قال الله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ
وقال النبي ﷺ: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وقال ﷺ: من كان له جيرة ثلاثة كلهم راضون عنه غفر له. وقيل: عليكم بحسن الجوار فإن السباع وعتاق الطير في الهواء تحامى على من يجاورها.
وقيل: الكريم يرعى حق اللحظة ويتعهد حرمة اللفظة. وقال جعفر بن محمد:
حسن الجوار عمارة الديار.
وقال زهير:
وجار البيت والرّجل المناديأمام البيت عقدهما سواء
الأمر بكفّ الأذى عنه: قال النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذين جاره. وقيل: ليس من حسن الجوار ترك الأذى، ولكن من حسن الجوار الصبر على الأذى. وفي الخبر من آذى جاره أورثه الله داره. وقيل: من آذى جاره خرّب الله داره.
المستنصر ذويه على أعاديه وتوائب لياليه: كتب عثمان ﵁ إلى عليّ كرم الله وجهه حين حصر:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكليوإلّا فأدركني ولمّا أمزّق
قال أحمد بن أبي فنن:
هل أنت منقذ شلوي من يدي زمنأضحى يقّد أديمي قدّ منتهس
دعوتك الدعوة الأولى وبي رمقوهذه دعوتي والدّهر مفترسي
قال ابن الحجّاج:
يا راعي السّرب يحميه ويحرسهإن الذئاب قد استولت على الغنم
فعافني بتلافي العين من سقملم يبق منّي سوى لحم على وضم
حتى أقول لريب الدهر كيف ترىتعصّب السادة الأحرار للخدم
نصرة قريب وإن كان عدوا: قيل: الحفائظ تحلل الأحقاد قال:
عند الشدائد تذهب الأحقاد
وهذا باب مستقصى في الأقارب.
ناصر مستنصره وإن لم يكن بينهما معرفة: روي أن حاتما كان بأرض عنزة فناداه أسير يا أبا سفانة أكلني الأسار والقمل، فقال:
ويلك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت إذ نوّهت باسمي. فاشتراه وقال:
خلوا سبيله واجعلوني في القيد مكانه حتى أؤدي فداءه فجعل مكانه وبعث إلى قومه فاتوه بالفداء. وفي المثل: ربّ أخ لك لم تلده أمك.
المبادرة إلى نصرة مستنصره: قيل: لا تسأل الصارخ واسأل ما له بعض بني العنبر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النّائبات على ما قال برهانا
قال السري:
ملك إصاخته لأوّل صارخوسجال أنعمه لأوّل طالب
قال عمرو بن مخادة:
دعوت إلى ما نابني فأجابنيكريم من الفتيان غير مزلج
قال المتنبّي:
سبقت إليهم مناياهمومنفعة الغوث قبل العطب
قال الصنوبري:
يا خير مستصرخ لنائبةيضيق بالعالمين قطراها
من تحمّل من جاره الضرّاء ووفّر له السرّاء: قال زهير:
وجار سار معتمدا عليناأجاءته المخافة والرجاء
ضمنّا ما له فغدا سليماعلينا نقصه وله النّماء
قال شبيب بن البرصاء:
وجاراتنا ما دمن فينا عزيزةكأروى ثبير لا يحلّ اصطيادها
يكون علينا نقصها وضمانهاوللجار إن كانت تريد ازديادها
مدح من كرم جاره ومستنصروه: قال شاعر:
وعزّت جوار عصبة أنت جارها
قال أبو تمّام:
وليس امرؤ في النّاس كنت سلاحهعشية يلقى الحادثات بأعزلا
ترى درعه حصداء والسيف قاضباوزجّيه مسهومين والسوط معولا
قال السري الرفاء:
ما عذر من بسطت يمينك كفّهأن لا ينال بها السها والمرزما
قال المتنبي:
إذا شدّ زندي حسن ذاتك في يديضربت بنصل يقطع الهام مغمدا
وقال آخر:
إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبيودافع عنّي حازم وابن حازم
عطست بأنف شامخ وتناولتيداي الثريّا قاعدا غير قائم
قال ابن الحجاج:
وكيف يخشى صولة الذئب منقد جعل السبع له عدّة
الحامي جاره الحابيه ماله: قال ابن الرومي:
هم أمّلونا في هضاب غيومهمندى ورعونا بالقنا والقنابل
قال السري الرفاء:
أمّن في ظلّه رعيّتهخوف أعاديه حين عاداها
أهّلها في نواله وغدامشتملا بالحسام يرعاها
الحامي جاره والمبيح ماله: قال ابن الرومي:
هو المرء أما ماله فمحلّللعاف وأمّا جاره فحرام
وقال آخر:
فنحن حلال في حريمك للغنىونحن على الأيّام فيه حرام
الراعي مال جاره من النوب والسرّاق: كانوا يقولون جار كجار أبي دؤاد وذلك أنه إذا مات له بعير أو شاة أخلفه وإذا مات له قريب وداه، قال شاعر:
إذا نزل الشتاء بدار قومتجنّب دار قومهم الشتاء
قال الفرزدق:
الضامنون على المنيّة جارهموالمطعمون غداة كلّ شمال
قال المتنبّي:
يذمّ على اللصوص لكلّ تجرويضمن للصّوارم كلّ جان
المستجير بمن أمّنه من النّوب: قال أبو نواس:
أخذت بحبل من حبال محمّدأمنت به من طارق الحدثان
تغطّيت من دهري بظلّ جناحهفعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درتوأين مكاني ما عرفن مكاني
قال ابن أبي فنن:
كبا الدهر بي فاستلّني من جيرانهوقد كنت لاقيت المنية أو كدت
وحكّمني في ماله وجيادهوخيّرني بين الحكومة فاخترت
مدح الناصر صاحبه وإن كان ذا عذر: في المثل، الفحل يحمي شوله معقولا، والخيل تجري على مساويها.
قال شاعر:
يفرّ جبان القوم عن أمّ نفسهويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
الحثّ على نصرة واقع في محنة: قال بعض البلغاء: لتكن معاونتك أخاك بمهجتك عند البلاء أكثر من معاونتك إياه عند الرخاء. وقيل: أفضل المعروف نصرة الملهوف.
حامي الحرم: قال عنترة:
أبينا أبينا أن تضبّ لثاتكمعلى مرشفات كالظّباء عواطيا
وقال آخر:
فأيقن كلّنا أن سوف تحميجرامتها بشوكتها النّخيل
الحامي حرمه المبيح حرم غيره: قال الأخنس بن شهاب:
وحامي لواء قد قتلنا وحامللواء منعنا والسيوف شوارع
قال طفيل الغنوي:
أبحنا روضة ولنا رياضتقطع دون مطلعها النفوس
قال جرير:
أبحت حمى جرير بعد نجدوما شيء حميت بمستباح
المؤثر نفع غيره على نفع نفسه: قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسناوأسعفنا من نجلّ ونكرم
فقلنا له نعماك فيهم أتمهاودع أمرنا إنّ الأهم المقدم
قال عمارة:
ينسى مضرّته لنفع صديقهلا خير في شرف إذا لم ينفع
نصر كل امرىء لشكله: قال:
إن الكريم للكريم محلّ
وفي كتاب كليلة إذا عثر الكريم لم يستقل إلا بكرام كالفيل إذا وحل لم يقلعه إلا الفيلة قال جرير:
إن الكريمة ينصر الكرام ابنها
وصف متظاهرين: قال أبو فراس:
وإنّي وإيّاه كعين وأختهاوإني وإيّاه ككفّ ومعصم
قال بعض القدماء من جهينة:
فإنّا وكلبا كاليدين متى تقمشمالك في الهيجاء تعنها يمينها
ذمّ جار السوء: في بعض الأدعية. أعوذ بالله من جار السوء عينه تراني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة كتمها وإن رأى سيئة أذاعها.
وعرض على أبي مسلم فرس جواد فقال: لمن بحضرته: لم يصلح هذا الفرس؟
فقيل: للغزو، فقال: لا، إنما يصلح أن يركبه الرجل فيفرّ به من جار السوء.
وقيل له: ما الداء العياء؟ فقال: الجار السوء إن قاولته بهتك وإن غبت سبعك. وقيل لبعضهم: لم بعت دارك؟ فقال: لأبيع جاري. وقيل: الجار قبل الدار ثم الرفيق قبل الطريق.
ذمّ من لا يصون جاره: قال الحطيئة:
لمّا بدا لي منكم ذات أنفسكمولم يكن لجراحي فيكم آس
أزمعت ياسا مبينا من جواركمولن ترى طاردا للحرّ كالياس
قال المتنبّي:
رأيتكم لا يصون العرض جاركمولا يدرّ على مرعاكم اللبن
جزاء كلّ قريب منكم مللوحظّ كلّ محبّ منكم ضغن
وقال رجل لابن الزيات: أمتّ إليكم بجواري، فقال نسب بين حيطان، نظم ذلك بعضهم فقال:
أرى الجوار نسبا بين الجدروالعطف والرقة حينا والخور
طباع نسوان وصبيان غرر
ذمّ من لا نصرة لديه: قال إبراهيم بن العباس:
وإني إذا أدعوك عند ملمّةكداعية بين القبور نصيرها
قال ريقان:
فما دار عمّي لي بدار خفارةولا عهد عمّي لي بعهد جوار
قال عامر:
فجارك عند بيتك لحم ظبيوجاري عند بيتي لا يرام
وقال آخر:
تركوا جارهم يأكلهضبع الوادي ويرميه الشّجر
وسأل سليمان بن علي خالد بن صفوان عن ابنيه فقال كيف تحمد جوارهما فأنشد:
أبو مالك جار لها وابن برثنفيا لك جاري ذلّة وصغار
وفي المثل: لا حرّ بوادي عوف.
المستنصر بمن يضرّه: في المثل: كالمستغيث من الرمضاء بالنار، قال شاعر:
ربّ من ترجو به دفع الأذىسوف يأتيك الأذى من قبله
وقال ابن الرومي:
كمتّق لفح نار يستعدّ لهبالجهل در عين من قار وكبريت
وله:
كان كمن خاف حريقا واقعافزاد فيه حطبا على حطب
قال إبراهيم بن العباس:
اتخذتكم درعا وترسا لتدفعوانبال العدا عنّي فكنتم نصالها
وله في أولاده:
خلتكم عدّة لصرف زمانيفإذا أنتم صروف زماني
المستنصر بمن لا نصرة لديه: في المثل: مقعد استعان بدف، ذليل عاذ بقرملة، عبد صريحه أمة.
قال شاعر:
بعثتك عاجلا فلبثت حولامتى يأتي غياثك من تغيث
وقال آخر:
لو بغير الماء حلقي شرقكنت كالغصّان بالماء اعتصاري
وقال آخر:
كنت من كربتي أفرّ إليهمفهم كربتي فأين الفرار؟
تأسّف من خذله ناصره: قال اليزيدي:
إذا كنت تجفوني وأنت ذخيرتيوموضع حاجاتي فما أنا صانع ؟
وقال آخر:
بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ماقطعت القوى من محمل كان باليا
ذلّة من لا ناصر له: قدمت امرأة مكة وكانت ذات جمال، فأعجبت ابن أبي ربيعة فآذاها، فلما أرادت الطواف قالت لأخيها: إصحبني فصحبها، فإذا ابن أبي ربيعة تعرض لها بمقال فرأى أخاها فانزجر، فأنشأت:
تعدو الذئاب على من لا كلاب لهوتتّقي مريض المستنفر الحامي
قال عدي:
وفي كثرة الأيدي عن الظّلم زاجرإذا خطرت أيدي الرجال بمشهد
وقيل: اللؤم إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه.
المستعين بغيره في أمر: قال شاعر:
أعيين هلّا إذا أتى قدركنت استغثت بفارغ العقل
أقبلت ترجو الغوث من قبليوالمستغاث إليه في شغل
معاتبة متباطىء عن النّصرة: قال أبو الشمردل:
ومن يفرد الإخوان في ما ينوبهمثنته الليالي مرة وهو مفرد
قال عديّ التميمي:
ألا هبلتك أمّك يا عديّأتقعد لا أفكّ ولا أصول
ولو كنت الأسير ولا تكنهإذا علمت معدّ ما أقول
عذر متباطىء عن ذلك: قال شاعر:
أيّ عذر يكون أوضح في إبطاءنصر من قلّة الإمكان
وقيل للجاحظ: لم خذلت ابن الزيات وهربت منه لمّا أصابته المحنة؟ فقال:
خفت أن يقال ثاني اثنين إذا هما في النار وذلك أنّ ابن الزيات عوقب في تنور من حديد حتى مات. وفي الأخوانيات وذكر الأقارب أبواب تليق بهذا الفصل.
ومما جاء في الأخلاق الحسنة والقبيحة
الممدوح بحسن الخلق: سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت: أو ما تقرؤن القرآن: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
وقيل: فلان على خير ما تبنى عليه الضرائب.
وقال البحتري:
سلام على تلك الخلائق إنّهامسلّمة من كلّ عار ومأثم
قال أبو الفرج الأصبهاني:
خلائق كالحدائق طاب منهاالنسيم وأينعت منها الثّمار
وقيل: صفاء الأخلاق من نقاء الأعراق.
النهي عن سوء الخلق: قال النبي ﷺ: من ساء خلقه عذب نفسه. وقال ﵇: خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق. وقيل: سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الصبر العسل.
وقال الأحنف: الداء الدوي الخلق الرديء واللباس البذي، بئس الملبوس العبوس وقيل: ليس لسيء الخلق توبة لأنه كلما خرج من ذنب دخل في آخر لسوء خلقه.
المذموم بسوء الخلق: صحب رجل رجلا سيء الخلق فلما فارقه قال: قد فارقته وخلقه لم يفارقه وقال أعرابي لرجل: أنك شكس الخلق دائم القطوب. قال عمرو بن كلثوم:
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المنىبلغت بأدنى غاية تستديمها
ولكنّ فطام النفس أثقل محملامن الصّخرة الصّماء حين ترومها
وقيل: لا مداراة للخلق السيء القبيح كالشجرة المرة لو طليت بالعسل لم تثمر الأمر أو كذنب الكلب لو أدخلته القالب سنين لعاد إلى إعوجاجه.
المتمدح بمصابرة سيء الخلق: قال رجل لأحمد بن أبي خالد لقد أعطيت ما لم يعط رسول الله ﷺ فقال: لئن لم تخرج من ذلك لا ضرّبنك. فقال الرجل: إن الله تعالى قال لنبيه ولو كنت فظّا غليظ القلب لا نفضّوا من حولك وأنت فظّ ونحن لا ننفض من حولك.
وقال شعيب بن حرب خطبت امرأة فأجابتني فقلت: إني سيء الخلق. فقالت:
أسوأ خلقا منك من يلجئك إلى سوء الخلق. وقال حبيب لرجل سيء الخلق: إن استطعت أن تغير خلقك وإلا فليسعك من أخلاقنا ما ضاق به ذرعك.
صعوبة ترك العادة والرجوع عنها: قيل: للعادة على كل إنسان سلطان، وكل امرىء جار على ما تعوّدا، وقيل: لكل كريم عادة يستعيدها، وقيل: اللسان متقاضيك ما عودته. قال المتنبي:
وتأبى الطّباع على الناقل.
وقالت الحكماء العادة طبيعة ثانية.
نفي العيب عن تعاطي ما كان خلقا: قال بعض القدماء:
ظلمت امرأ كلّفته غير خلقهوهل كانت الأخلاق إلا غرائزا
قال الخبزارزي:
يعاب الفتى فيما أتى باختيارهولا عيب في ما كان خلقا مركّبا
المتخلّق يرجع إلى شيمته: قال عمر رضي الله تعالى عنه من تخلّق للناس بما ليس خلقا له شأنه الله وفي كتاب كليلة: الطبع المتكلّف كلما زدته تثقيفا زادك تعقيفا. وقيل: كل إناء يرشح بما فيه. وقال إن التخلق يأبى دونه الخلق.
قال ذو الإصبع:
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسهيدعه ويغلبه على النفس خيمها
قال زهير:
ومهما تكن عند امرىء من خليقةوإن خالها تخفى على النّاس تعلم
وقال آخر:
وللنفس أخلاق تدلّ على الفتىأكان سخاء ما أتى أم تساخيا
الحثّ على ملازمة العادة الحسنة: قال أبو عبد الله بن حنيف: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وعليه قميص محلول الأزار فسلم عليّ فقال: يا أبا عبد الله من عرف طريقا من الخير فسلكها ثم رجع عنها، عذّبه الله تعالى عذابا لم يعذّب به أحدا من العالمين، فانتبهت وأنا أقرأ، ومن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين.
وقال جعفر بن محمد وقد ليم في جوده: إنّ الله عوّدني عادة وعوّدته عادة فأخاف أن يقطع عني عادته إن قطعت عادتي.
الحثّ على لين الكلام وطلاقة الوجه: قال الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
وقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
وقال: وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
وقال: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
وقيل: من لانت كلمته وجبت محبته.
قال سفيان بن عيينة:
بنيّ أن البرّ شيء هيّنوجه طليق وكلام ليّن
وقال طلاقة الوجه عنوان الضمير بها يستنزل الأمل البعيد: وقيل: حسن البشر اكتساب الذكر. البشاشة مصيدة المودة.
الحثّ على مداراة النّاس: عن النبي ﷺ: مداراة الناس صدقة وقيل: ثلثا التعايش مداراة الناس. وقال إبراهيم بن يسار: ما يسرني ترك المداراة ولي حمر النعم. قيل لم قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخصت له أرداك وإذا تطأطأت له تخطاك. وقيل: داروا الناس تسلموا وقال معاوية: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت لأنهم إذا جذبوها أرسلتها وإذا أرسلوها جذبتها:
دار الصّديق إذا استشاط تغيّظافالغيظ يخرج كامن الأحقاد
حثّ من حسن خلقه أن يحسّن خلقه: نظر فيلسوف إلى غلام حسن الوجه يتعلم العلم فقال: أحسنت إذ قرنت بحسن خلقك حسن خلقك. وقال جالينوس: ينبغي للرجل أن ينظر إلى وجهه في المرآة فإن كان حسن الوجه جعل عنايته أن يضمّ إلى جمال وجهه كمال خلقه وكمال نفسه وإن رأى صورة سمجة تحرّز من أن يكون ذميم الخلق والخلق.
مدح من حسن خلقه وخلقه: قال النبي ﷺ: ما أحسن الله خلق أحد وخلقه فاطعمه النار. ووصف خالد بن صفوان رجلا فقال: يقري العين جمالا والأذن بيانا.
قال ابن الرّومي:
كلّ الخلال التي فيكم محاسنكمتشابهت فيكم الأخلاق والخلق
كأنّكم شجر الأترج طاب معاحملا ونورا وطاب العود والورق
محياه قد زرت عليه شمائله، وقال أحمد بن يوسف لرجل: ما أدري أي حسنيك أبلغ ما وليه الله تعالى من تسوية خلقك وكمال خلقك أو ما وليته لنفسك من تحسين أدبك وكمال مروءتك.
الاستدلال من حسن الوجه على حسن الخلق: قال قتادة: ما بعث الله تعالى نبيّا إلا بعثه حسن الخلق حسن الوجه. وقيل لابن دلير المنجم: ما الدليل على أن المشتري سعد؟ فقال: حسنه.
وقالت الفلاسفة: قلّ صورة حسنة تتبعها نفس رديئة:
منظره ينبيك عن مخبره. نقش الطوالع مقروء من الطين كفاك منظره إيضاح مخبره.
في حمرة الخد ما يغني عن الخجل.
حثّ من قبح وجهه على تحسين خلقه: تقدم ما قال جالينوس في ذلك وقال الأوقص: قالت لي أمي: خلقت خلقة قبيحة لا تصلح معها لمجالسة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالأخلاق التي ترفع الخسيسة وتتم النقيصة فنفعني الله تعالى بكلامها فتعلّمت العلم فأدركت به. وقال الأحنف لابنه وكان دميما: إنّك جميل فكن فطنا.
ذمّ من حسن منظره وقبح مخبره: نظر فيلسوف إلى رجل حسن الوجه خبيث النفس، فقال: بيت حسن وفيه ساكن نذل ورأى آخر شابا جميلا، فقال: سلبت محاسن وجهك فضائل نفسك.
قال الشاعر:
خلق ممثّلة بغير خلائقترجى وأجسام بلا أرواح
وقال آخر:
فإنّكم ومدحكم بجيراتراه العين أخضر ذا رواء
لك النفس التي ترجو المعاليوتمنع بالمرارة والإباء
وقال آخر:
قلت وجوه المصر حتّى إذاكشفتهم كشّفت إستاها
وقال غيره:
ألم تر أنّ الماء يخلف طعمهوإن كان لون الماء في العين صافيا
وقال غيره:
لا تجعلنّ دليل المرء صورتهكم مخبر سمج من منظر حسن
وقال غيره:
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتىفما كلّ مصقول الحديد يماني
ذمّ من قبح خلقه وخلقه: استعرض المأمون الجند فمر به رجل دميم فاستنطقه فرآه ألكن، فأمر بإسقاطه وقال:
إن الروح إذا كانت ظاهرة كانت وسامة وإذا كانت باطنة كانت قصاحة وأراه لا ظاهر له ولا باطن. وفي المثل أحسن ما في خالد وجهه وفيه ستعلم الشاهد بالغائب. قال الشاعر:
مخبره أقبح من وجههووجهه بالقبح مشهور
وقال آخر:
قد رأيناك فما أعجبتناوبلوناك فلم ترض الخبر
الاستدلال بقبح الوجه على قبح الصّنيع: قالت العرب: ليس على وجه الأرض قبيح إلا وجهه أحسن شيء منه.
قال شاعر:
يدلّ على قبيح الفعل منكموأصلكم وجوهكم القباح
وقيل: أحسن ما في القبيح وجهه.
التمدّح بمخالفة النّاس والحثّ عليه: قال الشاعر:
أنا كالمرآة ألقىكلّ وجه بمثاله
وقال آخر:
متخلّق من حسن كلّ خليقةكعطارد في طبعه المتمازج
وقال آخر:
أحامقه حتّى يقال سجيّةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال آخر:
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهموإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمقا
ذمّ متفاوت الخلق متلوّن: هو ذو لون مختلف الفعال وقال الأحنف لأن ابتلي بألف جموح لجوج أحّب إليّ من أن ابتلي بمتلون واحد:
فتى شان أخلاقه بلقةففيهنّ بيض وفيهنّ سود
أديب جواد جميل الرّجاءفصيح بليغ كريم مجيد
وقد شان تحسينه أنّهعجول حديد حقود حسود
وقال رجل: إنه ليبلغ من مللي أن أغيّر كلّ شهر كنيتي مرتين. وقال خالد بن صفوان إنّه ليبلغ من مللي أن أتبرم بنفسي فأتمنّى أن يؤخذ مني رأسي فلا يرد إليّ إلا في كل أسبوع. وقال الجاحظ: التلوّن أن يكون سرعة رجوع المرء عن الصواب كسرعة رجوعه عن الخطأ.
الحثّ على تخلية المتلوّن
إذا كان ذو لون حؤول من الهوىموجّهة في كل صوب ركائبه
فخلّ له وجه الفراق ولا تكنمطيّة رحّال كثير مذاهبه
اللجوج: قيل: اللجاج أن يكون ثبات العزم على إمضاء الخطأ كثبات العزم على إمضاء الصّواب.
قال النافع:
ألجّ لجاجا من الخنفساءوأزهى إذا ما مشى من غراب
ومما جاء في المزاح والضحك مدحا وذما
النهي عن مزاح من لا تجوز مباسطته: قيل: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم:
لا تعرضنّ بمزح لامرىء طبنما رامه قلبه أجراه في الشفة
فربّ مخرمة بالمزح جاريةمشبوبة لم يرد إنماؤها نمت
حمد الاقتصاد في المزح: روي أن النبي ﷺ، كان يمزح ولا يقول إلا حقا، وقال تعالى في صفة المؤمنين:
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
وقال سعيد بن العاص لابنه اقتصد في مزاحك فالافراط به يذهب البهاء ويجرىء عليك السفهاء وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين قال خالد بن صفوان: لا بأس بالمفاكهة تخرج الرجل من حال العبوس. وقال رجل لابن عيينة: المزاح سبة فقال بل سنة لمن يحسنه:
يا ساعتي في مجونيقد طبت فيك وطبت
إنّي إذا ضاق صدريقطعت بالسّخف وقتي
وقيل الناس في سجن ما لم يتمازحوا، وقد ينفس عن جدّ الفتى اللعب.
النهي عن الغضب من المزح: قال ابن سيرين ﵁ ليس بحسن الخلق الغضب من المزح.
الممدوح بأن فيه الجد والهزل في موضعهما
إذا جدّ عند الجدّ أرضاك جدّهوذو باطل إن شئت ألهاك باطله
وقال آخر:
الجدّ شيمته وفيه فكاهةطورا ولا جدّا لمن لا يلعب
قال آخر:
أهازل حيث الهزل يحسن بالفتىوإنّي إذا جدّ الرجال لذو جدّ
وقال بعضهم: لأعدمتك مزينا بجدك مجلس الحفلة وبهزلك مجالس البذلة.
هو الظفر الميمون إن راح أو غدابه الركب والتلعابة المتحبّب
عذر من كان منه ضحك وهو مهموم
وربّما ضحك المكروب من عجبالسّن تضحك والأحشاء تضطرم
وقال آخر:
وقد يضحك الموتور وهو حزين
النهي عن كثرة الضحك وذمّه: قال النبي ﷺ: إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وتورث النسيان، وقال عبد الله بن أبي دؤاد: فشا الضحك في أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
عن الثوري عظموا العلم ولا تكثروا الضحك فتمجه القلوب وكثرة الضحك من الرعونة، وضحك إسحاق بين يدي المأمون حتى فتح فاه، فأمر بأن يؤخذ سيفه ومنطقته ويدفع إليه منديل الشراب، وقال: الشراب أليق بك فقال أقلني مرة يا أمير المؤمنين فأقاله، فما رؤي بعد ذلك ضاحكا. ومرت معاذة العدوية على شبان عليهم الصوف وهم يضحكون فقالت: سبحان الله لبس الناسكين وضحك الغافلين. قال كعب:
أن الله يبغض المضحاك من غير عجب.
النّهي عن تعاطي ما يضحك: قال النبيّ ﷺ ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ويل له. وقال رسول الله ﷺ: إن الرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها الناس فيذل أبعد ما بين السماء والأرض، وقيل لأبي العيناء: فلان يضحك منك فقال: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون.
إيراد جدّ في مسلك هزل: قيل: جديدة في لعيبة، وقال خالد بن صفوان رماني بأصلب من الجندل ونشقني بأحرّ من الخردل، ثم قال أني أمازحك.
لي صاحب ليس يخلولسانه من جراحي
يجدّ تمزيق عرضيعلى طريق المزاح
ومما جاء في الحياء والوقاحة: قال النبي ﷺ: الحياء شعبة من الإيمان ومن لا حياء له فلا إيمان له وفسر قوله تعالى:
وَلِباسُ التَّقْوى
بالحياء وقال: أبى عليك بالحياء والأنفة فإنك إن استحييت من الغضاضة اجتنبت من الخساسة، وإن أنفت من الغلبة لم يتقدمك أحد في مرتبة. وقيل: أحي حياءك بمجالسة من يستحى منه، وقيل: من جمع بين الحياء والسخاء فقد أجاد الخلة إزارها ورداءها.
الممدوح بالحياء: في وصف النبي ﷺ أنّه كان شديد الحياء، وكان أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. وسأل يحيى ابن خالد رجلا عن ابنه فقال تركته وماء الحياء يتحدر من أسارير وجهه، وسيول الجود سائلة من فروج أنامله ولآلىء العلم متناثرة من ميازيب منطقه. قال شاعر:
ترك الحياء بها رداع سقيم
قال المتنبّي:
وأوجه فتيان حياء تلتمّواعليهنّ لا خوفا من الحرّ والبرد
وليس حياء الوجه في الذئب شيمةولكنّه من شيمة الأسد الورد
وقال مروان بن أبي حفصة:
يكاد يخرج في ديباج أوجههمخوف المذلّة حتى ينفطرن دما
من مدح بالحياء في السّلم والوقاحة في الحرب: قال شاعر:
كريم يغضّ الطرف فرط حيائهويدنو وأطراف الرماح دوان
وقال آخر:
يتلقّى النّدى بوجه حييّوسيوف العدا بوجه وقاح
قال الموسوي:
يجري الحياء الغضّ من قسماتهمفي حين يجري في أكفّهم الدّم
من يستحي من النّاس دون نفسه وربّه: قال كعب: استحيوا من الله في سرائركم كما تستحيون من الناس في علانيتكم. وقيل من يستحي من الناس ولا يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده.
قال رجل للنعمان: أوصني فقال إستح من الله كما تستحي من رجل من عشيرتك وفي ضد ذلك:
إذا كان ربّي عالما بسريرتيفما النّاس في عيني بأعظم من ربّي
ذمّ الوقاحة: قال النبي ﷺ: إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوّة. إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
قال شاعر في معناه:
إذا لم تخش عاقبة اللياليولم تستحي فاصنع ما تشاء
وفي معناه أيضا:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقاوتستح مخلوقا فما شئت فاصنع
وقيل إذا لم تستح فقل، وإذا لم تخش فقل: الفاقة خير من الصفاقة.
هجاء وقح: قيل: فلان يعد الحياء جنّة والوقاحة جنّة، هو أوقح من الدهر، وجه صلب ولسان خلب. قال شاعر:
يا ليت لي من جلد وجهك رقعةأقدّ منها حافرا للأشهب
قال منصور بن ماذان: الصخر هش عند وجهك في الوقاحة ومن الأبيات الرائقة الرائعة التي لا أرتاب لها:
أن يعجزوا أو ينجلواأو يغدروا لم يحفلوا
وغدوا عليك مرجّلينكأنّهم لم يفعلوا
قال الناجم:
لك عرش مثلّم من قوارير ووجه ململم من حديد
مدح الوقاحة: قال علي ﵁: قرنت الخيبة بالهيبة والحياء بالحرمان والفرصة تمرمر السحاب. قال شاعر:
إذا رزق الفتى وجها وقاحاتقلّب في الأمور كما يشاء
ولم يك للأمور ولا لشيءيعالجه له فيه عناء
وقال معاوية لعبد الله بن جعفر ﵃: ما اللذة؟ فقال: ترك الحيا واتباع الهوى.
الشّاكي حياءه: قال العتابي: فيّ خصلتان اعتقلتاني عن كثير من المنافع حصر مقيد بالحياء وعزة نفس شبيهة بالجفاء.
قال أبو الأسود:
وأعطيت حظّا من حياء وأشتكيمن العجز ما لم يبد للنّاس عائبه
وقال آخر:
لساني وقلبي شاعران كلاهماولكنّ وجهي مفحم غير شاعر
قال العبّاس بن الأحنف:
من راقب النّاس مات غمّاوفاز باللذّة الجسور
الأمانة والخيانة
الحثّ على الأمانة والنهي عن الخيانة: قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
وقال: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
وقال: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
وقال النبي ﷺ: لا إيمان لمن لا أمانة له. ومن دعائه ﵇: أعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة. وقال الجاحظ:
سقى الله قبر الأحنف حيث يقول: الزم الصيحة يلزمك العمل. وقال: إذا لم تكن خائنا فبت آمنا. وقيل: أفحش الزمانة عدم الأمانة إذا ذهب الوفاء نزل البلاء وإذا مات الاعتصام عاش الانتقام. خيانة الناس أقبح الإفلاس وقال معاوية: إلزم الرفيعين: الأمانة والعدل.
الحثّ على الوفاء ومدحه: قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
وقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
وقيل إذا ذهب الوفاء نزل البلاء وإذا ظهرت الخيانات استمحقت البركات. وقيل: الوفاء من شيم الكرام والغدر من همم اللئام. وقيل في قوله تعالى:
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
، لا تلبس ثيابك على الغدر.
مدح ذوي الوفاء: قال الله تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
، قال شاعر:
ولم توقد لها بالغدر نار
قال المسيّب بن عيسى:
أنت الوفيّ فما تذمّ وبعضهميوفى بذمّته عقاب الملاع
وقال أعرابي: فلان لا يشكره الخنى ولا يشكوه الوفا. قال التنوخي:
عظائم لو أنّ السموءل خافهالخان امرأ القيس الوكيد من العهد
الوفيّات من النساء: قال أبو عبيدة: لم تف امرأة لزوجها إلّا قضاعيتان نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان ﵁، وذلك أنه خطبها معاوية لما قتل عثمان فدعت بفهر، فقلعت ثنيتها وقالت: أني رأيت الحزن يبلى فلم آمن أن يبلى حزنى فتدعوني نفسي إلى التزوّج وامرأة هدبة فإنها حين قتل زوجها قطعت أنفها وكانت حسنة الأنف لئلا يرغب فيها.
الموصوف بالغدر: قال أعرابي: إنّ الناس يأكلون أماناتهم لقما وفلان يحسوها حسوا ويقال فلان أغدر من الذئب. قال شاعر:
هو الذئب أو للذّئب أوفى أمانة
وقيل الذئب يأدو الغزال أي يختله. واستبطأ عبيد الله بن يحيى أبا العيناء فقال: أنا والله ببابك أكثر من الغدر في آل خاقان.
قال حسّان:
إن تغدروا فالغدر فيكم شيمةوالغدر ينبت في أصول السّخبر
وقال الخبزارزي:
ولم تتعاطى ما تعودت ضدّهإذا كنت خوّانا فلم تدّعي الوفا
وقال الباذاني في أبي دلف وكان نقش خاتمه الوفاء:
الغدر أكثر فعلهوكتاب خاتمه الوفا
وقيل كان بنو سعد يسمون الغدر كيسان ويستعملونه وفيهم يقول اليمين:
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهمإلى الغدر أدنى من شبابهم المرد
مدح سوء الظنّ بالنّاس: قيل: ما الحزم؟ قال: سوء الظن بالناس.
وقال ببغاء البغدادي:
وأكثر من تلقى يسرّك قولهولكن قليل من يسّرك فعله
وقد كان حسن الظنّ بعض مذاهبيفأدبّني هذا الزمان وأهله
وقد تقدم هذا الباب.
ذمّ من ساء ظنّه: قيل لبعضهم: ما ظنّك بالناس؟ قال: ظنّي بنفسي. قال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونهوصدّق ما يعتاده من توّهم
وقيل: أخفض الناس من لا يثق بأحد ولا يثق به أحد.
النهي عن الوقوف موضع التّهمة: قال النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقومّن مقام التهمة. وقيل: من وقف موقف التهمة لم يكن له أجر الغيبة. من جعل نفسه عرضا للتهم فلا يلومنّ من أساء به الظن.
حقيقة النّفاق: قيل: حقيقة النفاق أخلاف السرّ والعلانية واختلاف القول والعمل، وقال ﷺ:
علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان.
ذمّ ذي الوجهين: قال الأحنف: إنّ ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها. قال صالح بن عبد القدوس:
قل للّذي لست أدري من تلوّنهأناصح أم على غشّ يداجيني
إنّي لأكثر ممّا سمتني عجبايد تشجّ وأخرى منك تأسوني
تذمّني عند أقوام وتمدحنيفي آخرين وكلّ منك يأتيني
النهي عن الاستعانة بخائن: قيل: من استرعى الذئب ظلم. قال شاعر:
إن العفيف إذا استعان بخائنكان العفيف شريكه في المأثم
قال آخر:
إذا أنت حمّلت الخؤون أمانةفإنّك قد أسندتها شرّ مسند
وقال آخر:
إن العفيف إذا تكنّفه الظنين هو الظنين
وقال علي ﵁: من تتّهمه فلا تأتمنه ومن تأتمنه فلا تتّهمه.
عذر من استعان بخائن سهوا: قال أبو تمّام:
هذا النبّي وكان صفوة ربّهمن بين باد في الأنام وقار
قد خصّ من أهل النّفاق عصابةوهم أشدّ أذى من الكفّار
واختار من سعد لعين بني أبيسرح لوحي الله غير خيار
الحثّ على نقض عهد الغادر: قال بعض العلماء: حقّ على من جعل لغادر عهدا أن ينقضه، لأن الله تعالى يقول:
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
وقال الأعمش: نقض العهد مع من لا عهد له وفاء بالعهد.
الحثّ على الغدر والتبجّح به: قال شاعر:
خرق على الناس وخرق لهمفإنّما الدّنيا مخاريق»
وقال مسعود الأسدي:
قالوا غدرت فقلت جير فربّمانال العلى وشفى الغليل الغادر
وقال العباس بن الأحنف:
ملّني واثقا بحسن وفائيما أضرّ الوفاء بالإنسان
ومما جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل
من يبكّت مساميه ومباريه: وقال بشّار:
أيها الجاهل المباهي بريداليس بدر السماء منك بدان
وقال أبو تمّام:
ويا أيّها السّاعي ليدرك شأوهتزحزح قصيّا أسوأ الظّنّ كاذبه
بحسبك من نيل المكارم أن ترىعليما بأن ليست تنال مناقبه
وقال آخر:
نحيت بيربوع لتدرك دارماضلالا لمن منّاك تلك إلا مانيا
سعيت شباب الدهر لم تستطعهمأفالان لمّا أصبح الدهر فانيا
قال الموسوي:
يريد المعالي عاطل من أداتهاوهيهات من محصوصة طيرانها
حثّ من يحسد فاضلا أن يفعل فعله: رأى الحسن قوما يتهافتون على جنازة بعض الصالحين، فقال: مالكم تتهافتون على ما لا يجدي عليكم؟ ها هي الاسطوانة التي كان يلزم إلزموها تكونوا مثله. قال أسجع:
يريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وقال ابن المعتز:
يا طالبا للملك كن مثلهتستوجب الملك وإلّا فلا
وأنشد أبو العيناء:
إذا أعجبتك خلال امرىءفكنه يكن منك ما يعجبك
الموصوف بأنه نال السّماء رفعة: قال تميم بن مقبل:
نالوا السماء فأمسكوا بعنانهاحتى إذا كانوا هناك استمسكوا
قال صاحب البصرة:
ملكنا السماء بأحسابناولولا السماء ملكنا السما
أخذه من قول النابغة الجعدي:
بلغنا السماء نجدة وتكرّماوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وأنشد ذلك النبي ﷺ فقال: إلى أين؟ فقال: إلى الجنة فقال ﷺ: لافضّ فوك، وقال الفرزدق:
فلو أن السّماء دنت لمجدومكرمة، دنت لهم السماء
النازل ذروة الشرف: قال شاعر:
سما فوق صعب لا تنال مراتبه
وقال حسّان:
سموت إلى العليا بغير مشقّةفنلت ذراها لا دنيئا ولا وغلا
قال ابن الرومي:
تدلّوا على هام المعالي إذا ارتقىإليها أناس غيرهم بالسّلالم
وقال غيره:
على قمّة المجد المؤثّل جالس
المبادر إلى تناول المكرمات: يستحسن في هذا المعنى قول الشمّاخ:
إذا ما راية رفعت لمجدوقصّر مبتغوها عن مداها
وضاقت أذرع المثرين عنهاسما أوس إليها فاحتواها
وقال ابن الرومي:
سجايا إذا همّت بخير تسرّعتإليه وإن همّت بشّر تناءت
وصف أعرابي رجلا فقال: هو وسّاع إلى الخير قطوف عن الشر وعكس ذلك شاعر: فقال:
هو في الخير قطوفوهو في الشرّ وساع
المختصر طريق المكرمات: قال البحتري:
له طريق إلى العليا مختصر
قال ابن طباطبا:
كأنّه من سموّ همّتهيأتي طريق العلا فيختصر
قال الرفّاء:
قلت إذ برز سبقا في العلاإلى المجد طريق مختصر
المتدرع للعلا: قال شاعر:
ألبسه الله ثياب العلافلم تطل عنه ولم تقصر
قال أشجع:
مكارم ألبست أثوابهاكلّ جديد عندها بال
قال الأخطل:
وأقسم المجد حقّا لا يحالفهمحتّى يحالف بطن الراحة الشعر
وقيل: المجدّد ثأره والكرم شعاره.
من انتهى إلى العلا ابتداء منه: قال أحمد بن أبي طاهر:
خلائقه للمكرمات مناسبتناهى إليه كلّ مجد مؤثّل
قال أبو تمّام:
ما أنشئت للمكرمات سحابةإلا ومن أيديهم تتدّفق
الموصوف بأنه يحمي المكرمات: قال أعرابي لقوم: أنتم والله حضان الشرف وقال رجل لآخر لو وجد الكرم في يد غيرك لعلم أنه ضالة لك.
قال أبو شراعة:
مولى المكارم يرعاها ويعمرهاإن المكارم قد قلّت مواليها
قال أبو تمّام:
قوم تراهم غيارى دون مجدهمحتّى كأنّ المعالي عندهم حرم
قال أبو تمّام:
مضوا وكأنّ المكرمات لديهملكثرة ما أوصوا بهنّ شرائع
قال آخر:
يحمي شريعة مجد غير مورود
من ارتفع بيت شرفه: قال شاعر:
فأما بيتكم إن عدّ بيتفطال السمك وارتفع الفناء
وأما أسّه فعلى قديممن العاديّ إن ذكر البناء
قال أبو تمّام:
له نبعة فرعها في السماءوفي هامة الحوت أعراقها
قال أبو فراس:
لنا بيت على عنق الثريّابعيد مذاهب الأطناب سام
تظلّله الفوارس بالعواليوتفرشه الولائد بالطّعام
وقال آخر:
له قبّة في المجد رأس عمادها
المتدرّع للمعالي: قال الراعي:
فمن يفخر بمكرمة فإنّاسننّاها لأيدي الفاعلينا
قال ابن الرومي، وقد أحسن:
هم المبدعون بديع العلىإذا كان غيرهم المتّبع
وما الدين إلا مع التّابعينولكنّما المجد للمبتدع
قال أبو تمام، وقد أحسن:
فمهما تكن من وقعة بعد لا تكنسوى حسن ممّا فعلت مردّد
محاسن أصناف المغنّين جمّةوما قصبات السّبق إلا لمعبد
قال المتنبّي:
يمشي الكرام على آثار غيرهموأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
وقال أرسطوطاليس للإسكندر: أمّا مناقبك فقد نسخها تواترها فصارت كالشيء القديم يتأسى به كالبديع بتعجب منه.
المتثبّت بالمعالي والخادم لها: قال أبو الشيص:
عشق المكارم فهو معتمد لهاوالمكرمات قليلة العشّاق
قال المتنبّي:
تلد له المروءة وهي تؤذيومن يعشق يلذّ له الغرام
ومن هنا أخذ الصاحب قوله:
اشبب لكن بالمعالي اشببوانسب لكن بالمكارم أنسب
قال أبو تمّام:
خدم العلى فخدمنه وهي التيلا تخدم الأقوام ما لم تخدم
العديم النظير والشبيه: وصف أعرابي رجلا فقال ما نطف فحل بمثله، قال:
ما ولدت مثلك أرحام النساء
وقال آخر:
إنّ الزمان بمثله لعقيم
قال المتنبّي:
ليس له عيب سوى أنهلا تقع العين على شبهه
وليس ذلك بعيب وإنما هو كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهمبهنّ فلول من قراع الكتائب
قال علي بن عبد العزيز:
جملة القول أنّ مثلك لا يمكن في مثل دهرنا تكوينه قال أبو نواس:
خلقت بديعا لا يقال كأنّهتعالى ولم يسمع بمثلك سامع
قال آخر:
ولم تقع عين على مثله
قال ابن سكّرة في الصّابي:
خرجت أطلب شيئا لا وجود لهومن غدا يطلب المفقود لم يجد
شبه الكريم أبي إسحاق في كرمما ليس في الظنّ هل يسطاع في بلد
من اشتغاله كسب المعالي: قال البحتري:
إلى فارغ من كلّ شغل يشينهفإن يشتغل بالمجد طاب اشتغاله
قال المتنبّي:
ويشغلهم كسب الثّناء عن الشغل
من يتزايد في المجد على مرور الدهر: قال شاعر:
وجدتك أمس خير بني معّدوأنت اليوم خير منك أمس
قال أبو الهول:
ما كنت في غاية إلا سبقت ولاطال المدى بك إلّا زدت إحسانا
من لا يحصى مجده: وقال أبو شراعة:
وحزت بهم لا بل بنفس ابن حرّةمآثر يحصى دون إحصائها الرّمل
قال دعبل:
معاليه يحصى قبل إحصائها القطر
الموصوف بان تجمّع فيه عالم لفضله: عقيل يصول إذا استجير به نفير، قال أبو نواس:
متى تخطى إليه الرجل سالمةتستجمع الخلق في تمثال إنسان
وله:
ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
قال المتنبّي:
نسقوا لنا نسق الحساب مقدماوأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
من يستحقر في جنبه أجلّاء الناس: قال بكر بن النطاح:
ما النّاس إلا ملك واحدغير خشارات
قال رشتة بن الأبيض:
الناس عند علي حين تذكرهمكالشّوك يذكر بين الورد والآس
قال ابن العوّام:
فنحن السنام والمناسم غيرناومن ذا يسوّي بالسنام المناسما
وذلك مأخوذ من قول الآخر:
ومن يسوّي بأنّف الناقة الذنبا
قال أبو السعداء:
النّاس أيام الشهور وأنت فيهم يوم عيد
من تتزيّن به الدنيا: وصف أعرابي رجلا فقال لئن عابه كونه في الزمان لقد تزين الزمان بكونه فيه.
قال الجريمي:
تحلّت به الدنيا فغطّت عيوبهاوأمست به الدنيا تجّل وتحمد
قال المتنبّي:
أنت الذي بجح الزمان بذكرهوتزيّنت بحديثه الأسمار
وقال أبو الفضل بن العميد: أمدح بيت قول المتنبي:
الدهر لفظ وأنت معناه
قال الشيخ ﵀ وأنا استحسن قول الشاعر:
فما أحسن الدنيا وفي الدار خالدوأقبحها لمّا تجهّز غازيا
قال ابن الرومي:
يا زينة الدين والدنيا إذا احتفلاوأظهرا ما أعداه من الزين
من تنافست فيه الأيّام: قال نصيب:
وقد تغايرت الأيام فيك فماتنفكّ تسني لها الحذيا وتحتشد
قال أبو تمّام:
يشتاقه من كماله غدهويكثر الوجد نحوه الأمس
قال ابن الرومي:
تنافس الناس في أيّام دولتهفما يبيعون ساعات بأعوام
ومن الأقوال المشهورة:
فلان لا يحجب في العلمأي لا يخفى مكانه
وقال شاعر:
وهل يخفى على الناس النهار
قال ابن الرومي:
شمس الضحى أبرع من أن تطمسا
وقال آخر:
إنّي إذا خفي الرجال وجدتنيكالشّمس لا تخفى بكلّ مكان
قال ابن هرمة:
إذا خفي القوم اللئام رأيتنيمقارن شمس في المجرّة أو بدر
وكان علي بن الحسين ﵄ يطوف بالبيت فرآه يزيد. فقال: من هذا؟
فقال له الحارث بن الليث:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
اعتذار من لم يعرف: قال رجل لسقراط ذكرتك عند فلان فلم يعرفك فقال: يضرّه أنه لا يعرفني، لأنه لا يجهل مكان ذي العلم إلّا خسيس. وقال محمد بن الزيات لبعض أولاد البرامكة: من أنت ومن أبوك؟ فقال: أما أنا فالذي تعرفني وأما أبي فالذي لم يعرفك ولا أباك. قال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذرأن لا تراني مقلة عمياء
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع