من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
كثرة فضول الحجّامين
استحضر عبد الله بن سليمان حجاما شيخا يقال له أبو دلحمة، وقال: أنا متبرم بحجامي لكثرة فضوله. فأخذ آلة التحذيف وطفق يشحذ الموسى فنظر الوزير إلى بعض أصحابه، فقال اعط القوس باريها، فقال أبو دلحمة: ما أول هذا البيت أيها الوزير. فقال الوزير: الله أكبر هربت من فضول فوقعت فيما فوقه، وقال ما هو يا أبا دلحمة، فقال:
أنشدني الرياشي بمكة:
يا باري القوس بريا ليس يحسنهأفسدت قوسك أعط القوس باريها
وكان أبو دلحمة من الشعراء والفضلاء.
وقال الفضل بن الربيع: قال لي الرشيد أطلب لي حجّاما أصمت من الحجر، فقلت: نعم، لي غلام سكيت، فقال: إبعثه إليّ. فدعوت به وأخذت عليه الوصيّة أن لا ينبس ولا ينبض عرقه إذا خدم أمير المؤمنين وأوصيته بأن يتأهب ثم دخلت إلى الرشيد فرأيته يضحك، وقال لي: إن لذلك الحجام شأنا ولا نراه بعد، ثم سألت فراشا مختصا بالرشيد عن خبره، فقال: إنه لما بدأ بالمحجمة قال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء فقال له ما هو؟ قال: لم قدّمت الأمين على المأمون والمأمون أسن منه؟ قال:
أخبرك بالجواب إذا فرغت، فلم يلبث غير قليل حتّى قال: وأسألك عن شيء آخر، قال الرشيد: هات، قال: لم قبلت جعفر بن يحيى، قال: وهذا أيضا أخبرك به إذا فرغت،
قال واسألك: لم اخترت الرقة على بغداد وبغداد أطيب منها، قال: نعم أخبرك إذا فرغت. فلما فرغ دعا مسرورا الخادم فقال له: لا تشرب عليه الماء البارد إنه سألني عن ثلاث لو سألني المنصور عنها ما أجبته.
ومر المأمون متنكرا بحجّام فسمعه يقول لآخر: سقط هذا المأمون من عيني منذ قتل أخاه، فبعث إليه ببدرة، وقال: إن رأيت أن ترضى عنّي فعلت. وكان كسرى يستصفي الحجّامين في كل سبع سنين، ويقول: إنهم يبطرون إذا أثروا.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع