تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

حكايات عن متكفّف فصيح

قال المازني: وقف علينا أعرابي، فقال: رحم الله أمرأ يمجّ أذنه كلامي وقدم معذرة لسوء مقامي، فإن الفقر يدعوني إلى إخباركم والحياء يمنعني من سؤالكم، فقلت له: ممن الفتى؟ فقال: إن سؤالا الإكتساب يمنع من الانتساب.

وقف أعرابي على حلقة الحسن البصري، فقال: رحم الله امرأ أعطى من سعة، وواسى من كفاف وآثر من قوت، فقال الحسن: ما ترك أحدا منكم حتى سأله.

وقال الأصمعي: وقفت علينا أعرابية، فقالت: أتأذنون في الكلام فإنه فرج من وساوس الهموم ودليل على ضمائر القلوب؟ فقال بعضنا: أما بما يحسن به الاستماع في

العاجل وتخفّ به المؤنة في الآجل فنعم، فقالت: اللهم غفرا فإن هذه شريطة لا يتعلق بها الوفاء، قال: فناولتها درهما فرفعته إلى السماء بين أنملها، وقالت: اللهمّ إنه قد كان في كيسه متمهدا وفي معاشه متصرفا فأتجر به إليك، اللهمّ فلا تجزه على قدر البضاعة ولكن على قدر الصبر على مكروه السؤال.

وقالت أعرابية تتكفف: يا قوم طرائد زمان وفرائد حدثان ولحمان، وضم بذتنا الرجال وانتشر منّا الحال، فهل من مكتسب للأجر أو راغب في الذخر.

وقالت أعرابية: سنة جردت وحال أجهدت وأيد جمدت فرحم الله من رحم. وكان آخر يقول: من حملني على نعلين فكأنما حملني على ناقة.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ التاسع في الاستعطاء والعطاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.