من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
من أظهر رغبته فيها وقلّة صبره عنها
روي أن الحسن بن زيد ﵁ لما ولي المدينة، قال لابن هرمة: لست كمن باع دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك، فقد رزقني الله بولادة نبيه ﷺ الممادح وجنّبني المقابح، وإن من حقّه عليّ أن لا أغضي على تقصير في حق ربه، وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدا للخمرة وحدا للسكر، ولأزيدن لموضع حرمتك بي، فليكن تركك ذلك لله، تعن عليها ولا تدعها للناس فتوكل إليهم، فقال ابن هرمة:
نهاني ابن الرسول عن المداموأدّبني بآداب الكرام
وقال لي إصطبر عنها ودعهالخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبّري عنها وحبّيلها حبّ تمكّن في عظامي
أرى طيب الحلال عليّ خبثاوطيب النفس في خبث الحرام
كان أبو الهندي مولعا بالخمر، فقال له أبوه: إنها تورث السقم وتقل الطعم وتنحف الجسم، فقال: كلا إنها جوهرة قد امتزج فيها عرضان حمرة البهرمان وصفرة العقيان قد وصفها الله تعالى باللذة لشاربيها في القرآن، فرسّخ بذلك محبتها في الأبدان تجمع ما شت من شمل الإخوان.
وكان حارثة بن بدر مشتهرا بالشراب. وكان غلب على زياد فقيل لزياد: إنك تتهم لمصاحبته، فقال: كيف لي بأطراح من يسايرني مذ دخلت العراق، يصطك ركابه في ركابي ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي له، ولا أخذ الشمس عليّ في الشتاء، ولا الظل في الصيف؛ ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لا يحسن غيره، فلما مات زياد جفاه إبنه عبيد الله، فقال له: أيها الأمير ما هذا الجفاء وقد عرفت مكاني من أبي المغيرة؟ فقال: إن أبا المغيرة لم يكن ليلحقه عيب وأنا حدث، ولا آمن أن تشم منك رائحة الخمرة إن جالستني، فأتهم فأتركها، وكن أول داخل وآخر خارج، فقال: أنا لا أتركها لمن يملك ضرّي ونفعي، أفأتركها لك. قال: فاختر إذا ما شئت من عملي فاختار رامهرمز، وقال: إن شرابها موصوف فلما توجه إليها استقبله جماعة، فيهم إياس بن إياس فأنشده:
أحار بن بدر قد وليت ولاية
الأبيات وتقدمت.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع