تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

ما يولّده العشق من الأخلاق الحميدة

شكا معلم سعيد بن مسلمة ولده إليه، فقال: إنه مشتغل بالعشق فقال: دعه فإنه يلطف وينظف ويظرف. وكان ذو الرياستين يبعث أحداث أهله إلى شيخ يعلّمهم الحكمة، فقال لهم يوما: هل فيكم عاشق؟ قالوا: لا. قال: اعشقوا وإياكم والحرام فالعشق يفصح الفتى ويذكي ويسخي البخيل ويبعث على التنظيف وتحسين الملبس، فلما انصرفوا قال لهم ذو الرياستين: ما استفدتم اليوم؟ قالوا: كذا وكذا. قال: نعم. وإنّما أخذه ممّا روي أن بهرام جور كان له ابن أهّله للملك بعده، وكان ساقط الهمة رديء النفس سيء الخلق فغمّه ذلك، ووكل به من يعلّمه، فلم يكن يتعلّم. فقال معلمه: كنا نرجوه على حال فحدث منه ما أيأسنا وهو أنه عشق بنت المرزبان فقال: الآن رجوت فلاحه.

ثم دعا أبا الجارية فقال: إنّي مستسر إليك سرا، فلا يعدونّك. اعلم أنّ ابني عشق ابنتك وأريد أن أزوّجها منه فمرها بأن تطمعه من غير أن يراها فإذا استحكم طمعه فيها أعلمته أنها راغبة عنه لقلّة أدبه.

ثم قال للمعلم: خوّفه بي وشجّعه على مراسلة المرأة ففعلت المرأة ما أمرت به.

فقال الغلام في نفسه: أنا أجتهد في تحصيل ما أصل إليها به فأخذ في التأدّب وتعلم الشجاعة ثم قال أبوه للمؤدب شجّعه على أن يرفع أمرها، ويسألني أن أزوجها منه، ففعل فزوّجها من ابنه. وقال لا تزدرينّ بها في مراسلتها إليك فإني أمرتها بذلك وإنّ من صار سببا لعقلك فهو أعظم الناس بركة عليك.

قال العرجيّ:

تجشّم المرء هولا في الهوى كرم

وقال آخر:

لا عار في الحبّ إن الحبّ مكرمةلكنّه ربما أزرى بذي الخطر
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «عيناي شامت دمي والشؤم في النظر»

وقيل: لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع الجبان ويصفّي الأذهان ويبعث حزم العاجز لكفاه شرفا. قال شاعر:

الحبّ شجّع قلب كلّ فروقةوالحبّ حمّل عاجزا فأطاقا

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ الثالث عشر في الغزل وما يتعلّق به

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.