تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

اختلاف أقوال غير أهل الكتاب في العالم

قال أهل الدهر جميعا: العالم كله قديم الطينة والصنعة وأهل هذه المقالة مختلفون، فمنهم من قال إنه أربعة أشياء حر وبرد ويبس وبلة ومعها روح سائح في جميعها يديرها ويصورها ولا أول له ولا آخر، وقال آخر: الأشياء صنعت نفسها وصنعت بعضها بعضا.

وقالت السمنية: لم تزل الأشياء منتقلة كانتقال البيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة.

وقال بلعام بن باعوراء: العالم قديم وله مدبر خلافه في جميع معانيه. وقال بعض الملحدة العالم جوهرة قديمة وهي في ذاتها واحدة لا اختلاف فيها ولكنها تختلف على قد الالتقاء والمماسة وعلى الحركات فتصير رطوبة وحر أو برد أو يبسا. وقال أرسطو: الهيولى أصل طينة العالم قديمة ومعناها أصل الشيء كالفضة أصل الدراهم. وقال الصابئون: النور قديم لم يزل وهو خالق الظلمة.

وقالوا: الشيطان كلمة الله لا خلقه وزعموا أن الظلمة تقب على النور امتزاجا فما كان من خبر فمن الله وعمله ومن شر فمن الشيطان. وقول المجوس مثله لكنهم تفردوا أنهم زعموا إن النور يخلق كل حسن والظلمة تخلف كل قبيح. وقالت الجرمية: أصل العالم النور فمسخ بعضه بعضا فاستحالت ظلمة. وقالت الثنوية بالنور والظلمة. وأن للنور خمسة أجناس، الضياء والنسيم والماء والنار والروح. والظلمة خمسة أشياء الدخان والحريق والظلمة والسموم والضباب، فخالط الدخان النسيم وخالط الحريق النار وخالط النور الظلمة وخالط الريح السموم وخالط الضباب الماء، فما كان محمودا منها فمن النور أو مذموما فمن الظلمة. وزعموا أن هذه

الأجناس من الظلمة لما خالطت أجناس النور عمد النور فبنى فيها عشر سموات وثمان أرضين وعمد إلى أكابر الشياطين فشدهم في السموات وكبس العفاريت تحت الأرض ووكل ملكا بإدارة السموات ليشد ما فيها فيمنعها من الصعود إلى النور، ووكل ملكا بحمل السماوات وآخر بحمل الأرضين ووكل الجو بأسفل الأرض إلى أعلى السموات.

وقالت المجوس: الأشياء شيئان قديمان سميعان بصيران، وزعموا أن الله كان وحده ولا شيء معه فلما طالت وحدته فكر فتولد من فكرته أهرمن وهو إبليس، فلما مثل بين يديه أراد قتله فامتنع عليه وسالمه إلى غايته، وزعموا أن العالم جوهر والظلمة والنور فيه غريب مجتاز، وزعموا أن للثلاثين يوما كل يوم ملائكة إلا أهرمن فإن الله تعالى قالوا وكل ما يقرب من أهرمن من الأيام فهو أقرب منه في المنزلة.

وعظموا النار لكونها من جنس النور وزعمواأن العذاب في الجحيم البرد لأنه لما جاء زردشت إلى بلخ وادعى بها النبوة كان البرد فيها يعظم. وزعموا أن كل مؤذ من خلق أهرمن وكل نافع من خلق الله. وقالوا الفأرة من خلق الله والهرة من خلق الشيطان.

وزعموا أن سنورا لو بال في البحر يقتل عشر آلاف سمكة والسمك أحق أن يكون من خلق الشيطان لأنه يأكل بعضه بعضا ويأكل من غرق من الناس، وشرّع لهم نيك الأمهات والتوضؤ ببول البقر لما رآهم في غاية الغباوة.

وقالت السوفسطائية الأشياء على الحسبان نظنها ظنا ولا نعرف لها حقيقة استدلالا بأنا نرى الأشياء في المنام كما نراها في اليقظة، فلا ندري العالم قديم أم محدث. وأما البراهمة فاختلفوا فمنهم من قال بقدم العالم، فقال: المدبرات هي النجوم، ومن قال محدثة. غير أنهم نفوا النبوات.

وأما عبدة الأصنام من العرب فقد أثبتوا الصانع قديما والأشياء محدثة وزعموا أن ذلك يقربهم إلى الله، وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. والفلاسفة يثبتون أشياء كثيرة ثم يسمون واحدا منها ملك الأملاك ويجعلونه رأسا على ما يعبدون.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ العشرون في الديانات والعبادات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.