تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

الرخصة في البكاء وإظهار الجزع ما لم يكن إفراطا

دخل عبد الرحمن بن عوف ﵁ على النبي ﷺ يوم موت إبنه إبراهيم، فوجد عينيه تذرفان، فقال: يا رسول الله ألست تنهانا عنه؟ قال: أنا ذو رحمة ولا يرحم من لا يرحم. وإنما نهى عن النياحة، وأن يندب المرء بما ليس فيه.

وسمع عمر ﵁ باكية في جنازة فزجرها فقال النبي ﷺ: دعها فإن العهد قريب والنفس مصابة. وقام الحسن البصري على قبر أخيه فبكى شديدا فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت الله عاتب يعقوب على طول بكائه على يوسف ﵉.

بل قال: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ

. وقيل لأعرابي: أصبر فالصبر أجر، فقال: أعلى الله أتجلد؟ والله للجزع أحب إليّ، لأن الجزع استكانة والصبر قساوة.

وقيل لفيلسوف: أخرج الحزن من قلبك فقال: لم يدخله بإذني فأخرجه بإذني. وأفرطت امرأة في الجزع على إبنها فعوتبت في ذلك فقالت: إذا وقع حكم الضروريات لم يقع عليها حكم المكتسبات، فأما جزعى فليس في الطاعة صرفه ولا في القدرة منعه ولي عذر للضرورة، فإن الله تعالى يقول: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ

وقال خالد بن صفوان: صبرك في مصيبتك أحمد من جزعك، وجزعك في مصيبة أخيك أحمد من صبرك.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ الحادي والعشرون في الموت وأحواله

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.