من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
من أحبّ الموت وذكر نفعه ومضرّته
قال عبد الله بن مسعود: ما من نفس حيّة إلا والموت خير لها إن كان برا فإن الله تعالى يقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
، وإن كان فاجرا فإن الله تعالى يقول: وَلا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
ولما حضر بشرا الموت فرح، فقيل له: تستبشر بالموت، فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي على مخلوق أخافه.
وقال بعضهم: لا يكره الموت إلا مريب.
وسئل فيلسوف عن الموت: فقال هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء، وقال المتنبّي:
نعير حلاوات النفوس قلوبنافنختار بعض العيش وهو حمام
وله:
وما الدهر أهل أن تؤمّل عندهحياة وأن تشتاق فيه إلى النّسل
وقال آخر:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوافي الموت ألف فضيلة لا تعرف
وقال بعضهم: لا يكون الحكيم حكيما حتى يعلم أن الحياة تسترقّه والموت يعتقه.
وقال الأخطل:
والناس همّهم الحياة ولا أرىطول الحياة يزيد غير خبال
وقال الجنيد: من كان حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه فتصعب عليه، ومن كان حياته بربّه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع