تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

من أظهر النّدم عند موته ما فرّط منه

قال عبد الملك عند موته: وددت أنّي كنت غسالا آكل كل يوم كسب يومي لا يفضل عنّي. فقيل ذلك لأبي حازم فقال: الحمد لله الذي جعلنا بحيث يتمنى الملوك حالنا عند الموت ولا نتمنى حالهم.

ولما نزل الموت بهشام جعل ولده يبكون عليه فقال: جاد هشام عليكم بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب. ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له. ولما أدنف المأمون أمر أن يفرش له فجعل يتمرّغ فيه ويقول:

كلّ عيش وإن تطاول يوماصائر مرّة إلى أن يزولا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
ليتني كنت قبل يومي هذافي قلال الجبال أرعى الوعولا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة

وأغمي عليه ثم أفاق، وهو يقول:

لبيكما لبيكماها أنا ذا لديكما

اللهم لا بريء فأعتذر ولا قويّ فأنتصر، ثم أغمي عليه فلما أفاق، قال:

إن تغفر اللهم تغفر جمّاوأي عبد لك ما ألمّا

وتمثّل عضد الدولة عند موته بقول القاسم بن عبيد الله:

قتلت صناديد الرجال ولم أدععدوا ولم أمهل على ظنة خلقا
وأخليت دور الملك من كل نازلفشرّدتهم غربا وبدّدتهم شرقا
فلمّا بلغت النجم عزّا ورفعةوصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّا
رمى لي الرّدى سهما فأخمد جمرتيفها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى
فأذهب دنياي وديني سفاهةفمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى ؟

وأوصى الشبلي ﵀ أن يكتب على قبره: تركت الجنة وليس لها قيمة وتعلقت بالدنيا وليس لها بقاء، وضيعت العمر وليس له بدل، واتبعت النساء وليس لهن وفاء، وجفوت الربّ وليس منه عوض.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحدّ الحادي والعشرون في الموت وأحواله

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.