من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
تسوية الموت بين الأفاضل والأراذل
قال مالك بن دينار: قدم علينا بشر بن مروان أخو الخليفة فطعن في قدمه فمات، فأخرجناه إلى القبر فلما صرنا إلى الجبان، إذا نحن بسودان يحملون صاحبا لهم إلى القبر فدفناه ودفنوا صاحبهم، فعدت قبل الأسبوع فلم أعرف قبر الأسود من قبره، وعلى هذا قول الشاعر:
ولقد مررت على القبور فماميزّت بين العبد والمولى
وقال المتنبّي:
وصلت إليك يد سواء عندها البازي الأشيهب والغراب الأبقع
ويروى أن الإسكندر مرّ بمدينة قد ملكها غيره من الملوك فقال: انظروا هل بقي بها أحد من نسل ملوكها؟ فقالوا: رجل يسكن المقابر، فأحضره وسأله عن إقامته، فقال:
أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء. فقال: هل تتبعني فأحيي شرفك إن كان لك همة، فقال: همّتي عظيمة إن أنلتنيها، فقال: ما هي؟ قال: حياة لا موت معها، وشباب لا هرم معه، وغنى لا فقر معه، وسرور لا مكروه فيه. فقال ليس عندي هذا، فقال: دعني ألتمسه ممّن هو عنده، فقال: ما رأيت مثله حكيما.
وأمر بشر بن الوليد أن يكتب على قبره:
من مات فات وفي المقابر يستويتحت التراب شريفه ووضيعه
وقال صالح بن عبد القدوس:
فيا منزلا سوّى البلى بين أهلهفلم يستبن فيه الملوك من السّوقي
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع