من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
ظلمة الليل
قال بعض الأعراب: خرجت في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالآذان. وقال آخر: سريت ليلة حين انحدرت أيدي النجوم وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى تصدع لي الفجر.
وسأل هشام بن عبد الملك خالد بن صفوان فقال: كيف سيرك؟ فقال: قتل أرضا عالمها وقتلت أرض جاهلها بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديدة اشتدت ظلماؤها وأطبق سناؤها وطبّق سحابها، ونطق ذبابها، فبقيت محرنجما كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر، لا أسمع لواطئ همسا ولا لنائح جرسا، تدلت عليّ غيومها وتوارت عنّي نجومها، فلا أهتدي بنجم طالع ولا بعلم لامع، أقطع محجة وأهبط لجّة في ديمومة قفر بعيدة القعر، فالريح تخطفني والشول تخبّطني، في ريح عاصف وبرق خاطف، قد أوحشني أكامها وقطعني سلامها. فبينا أنا كذلك وقد ضاقت عليّ معارجي وسدّت مخارجي، إذا بدا نجم لائح وبياض واضح وعرضت لي أكام محرملة، فإذا أنا بمصانعكم هذه فقرّت العين وانكشف الرين وذهب الاين.
فقال هشام: لله درك فما أحسن وصفك. قال شاعر:
هو ليل كشبابلم يطر فيه مشيب
وقال آخر:
وجفن الليل مكتحل بقار
ويقال: ليل في ثوب غراب.
وقال أبو الشيص:
وليل يغرق الركبان في أمواجه الحضر
وقال التنوخي:
كان اسوداد الأفق باللّيل ثاكلتسربل للإحداد ثوبا مسوّدا
كأنّ لنا منها بيوتا حصينةمسوجا أعاليها وساجا كسورها
وقال ابن المعتز:
يا رب ليل ضاع مني كوكبهمشتبه مشرقه ومغربه
قد اكتسى برد الشباب غيهبهوقبض اللحظ فما يسيبه
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع