من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
وصف البرد
كان أعرابي يرتعد في يوم شات. فقيل له: تحوّل إلى الشمس. فقال: الشمس تحتاج اليوم إلى قطيفة. وقيل لرجل: ما أثقل جبتك. فقال: البرد أثقل منها.
قال وهب الهمداني:
يوم من الزمهرير مقرورعليه ثوب الصّبا مزرور
كأنّما حشو جواه آبنوأرضنا فرشها قوارير
وشمسه حرّة مخدّرةليس لها من ضيائها نور
قال الشمسياطي في وصف شتاء:
ألقى كلاكله ببرد قارضحتّى غدا من في جهنم يحسد
أخذه من أعرابي، قال:
فإن كنت ربّي مدخلي في جهنمففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم
وجد أعرابي البرد فقيل له: هذا لكون الشمس في العقرب، فقال: لعن الله العقرب فإنها مؤذية في الأرض كانت أم في السماء.
قال شاعر:
قد منع الماء من المسّوأمكن الجوّ من الحسّ
وقال أبو محمد المطراني:
وشتاء يخنق الكلب فلا يعلو هريرهكلّما رام هريرا زمّ فاه زمهريره
هو من قول الراعي:
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةحتى يلفّ على خرطومه الذنبا
قال الرشيد: ما أبلغ بيت في شدة البرد فأنشد هذا البيت بعضهم، فقال أبلغ منه:
وليلة قرّ يصطلي القوس ربّهاوأسهمه اللاتي بها يتنبّل
فقال: حسبك ما بعد هذا شيء، وقال ابن سمعون: البرد بالريّ رافضي، يقول بالرجعة، أي متى ذهب رجع. وقيل لأعرابي: أما تجد البرد؟ قال: لا لأن العري اتصل على بدني فاعتاده كاعتياد وجوهكم. وقيل لآخر: ما أصبرك على البرد. قال: كيف لا يصبر عليه من طعامه الريح وسراجه الشمس وسقفه السماء.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع