من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
السنّور
يشبه الإنسان في أمور شتّى في العطاس والتثاؤب والتمطي وغسل الوجه والعين.
وقيل: إن الأصل في خلقه أن أصحاب نوح ﵇ تأذوا في السفينة بالفأر فسألوا نوحا ﵇ أن يسأل ربّه، فخرج السنّور من عطسة الأسد فصاده. وتأذوا بالعذرة فخرج من سلحة الفيل الخنزير فأكله.
ومتى رأى السنور الفأر زلق وإن كان بمعقل خوفا منه وهو يأكل الحشرات كالخنفساء وبنات وردان والحيّة وكل ذات سمّ وقد تأكل أولادها. وقيل إن ذلك لبرّها بهم.
والضبّ تأكل ولدها لعوقها. فقيل أبرّ من هرّة واعقّ من ضبّ.
وهي كثيرة الأسماء غير الصفات: يقال لها القطّ والضيون والهرّ والسنّور. وأسماء الأسد أكثر صفات. وروي أن أعرابيا صاد سنّورا فلم يعرفه فتلقاه رجل فقال: ما هذا السنور؟ وتلقاه آخر فقال: ما هذا الهر؟ وآخر فقال: ما هذا الضيون؟ وآخر فقال: ما هذا القط؟ فقال الأعرابي: إني أحمله وأبيعه فيسجعل الله لي منه يسرا فلما حمله إلى السوق، قيل: بكم؟ قال: بمائة. قيل: إنه يساوي نصف درهم، فرمى به وقال: لعنه الله فما أكثر أسماءه وأقلّ نفعه.
وكان النبي ﷺ امتنع من دخول دار قوم فيها كلب فقيل له: إنك تدخل دار فلان وفيها هرّ، فقال: الهرّ ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوّافات.
وقال ﵊: عذّبت امرأة في هرة سجنتها فلم تطعمها ولم تسقها.
وقيل: إنّما يستر خرءه لئلا يشم الفأر ريحته فيهرب. ولابن العلّاف البغدادي فيه مرثية مختارة أولها:
يا هرّ فارقتنا ولم تعدوكنت منّا بمنزل الولد
وقال ابن طباطبا في هرّة لم تكن تصيد الفأر
وسنّورة سالمت فأرهافبينهما أبدا هدنه
تدور وفي فمها جوزةوشيء أصابته من جننه
لتنصب للفأر فخابهكذا القرن مختتل قرنه
وتبصرها مثل حواءةلها رقية ولها دخنه
بها تخرج الفأر من جحرهاوما ذاك عيب ولا هجنه
فمن لم يوافقه شرب الدواء للحصر يستعمل الدخنه
وقيل كان لركن الدولة سنوّر يألف مجلسه فكان بعض أصحابه أراد حاجة تعذر الوصول إليها فكتب قصته ووجد السنور خارج الحجرة فشدّ القصة في عنقه وأرسله فرآه ركن الدولة فأخذها وقرأها ووقّع فيها.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع