من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
حكم مجانين
وعظ بهلول الرشيد وهو متوجه إلى الحج فقال: ما هكذا حج رسول الله ﷺ ثم قال له: هل لك في جائزة تقضي بها دينك؟ فقال: الدين لا يقضي بالدين أي ما تعطيني ليس هو لك.
ونظر بهلول إلى مجنون يوم العيد وهو يقول: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم فلطمه بهلول على وجهه وقال: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه.
وعدا مجنون من صبيان ثم دخل دارا وكان ثمّ رجل له ذؤابتان فقال له: يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا؟ فأغلق الباب وأتاه بطبق تمر، وقال: كل فأخذ يأكل والصبيان يصيحون فقال: فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.
كان مجنون تؤذيه الصبيان فقال له رجل: تريد أن أطردهم؟ فقال: نعم وتنطرد معهم. وقيل لمجنون: فيم يسعى هذا الخلق؟ قال: فيما لا يجدونه. هم يطلبون الراحة وهي لا تكون في الدنيا.
قال الرشيد لبهلول من أحب الناس إليك؟ قال: من أشبع بطني. قال: فأنا أشبع بطنك فأحببني قال: الحب لا يكون نسيئة.
استقبل جعيفر امرأة صبيحة فبادر إليها واعتنقها فاجتمع الناس فضربوه فقال:
علّقوا اللحم للبزاة على ذروتي عدن
ثم لامو المحبّ فيهـ على خلعه الرسن
لو أرادوا عفافهنقبوا وجهه الحسن
ومثل هذه الحكاية وإن لم تكن مما نحن فيه- ما روي أن ابن زيدان كان عند يحيى بن أكثم يملي عليه فقرص خدّه فغضب فأنشأ يقول:
أيا قمرا خمشته فتغضبّاوأصبح لي من تيهه متجنّبا
إذا كنت للتخميش والعضّ كارهافكن أبدا يا سيدي متنقّبا
ولا تظهر الأصداغ للنّاس فتنةوتجعل منها فوق خدّك عقربا
فتقتل مشتاقا وتفتن ناسكاوتترك قاضي المسلمين معذّبا
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع