من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الصولي
إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن صول مولى يزِيد بن الْمُهلب بن أبي صفرَة هُوَ أَبُو إِسْحَاق الصولي البغداذي الأديب أحد الشُّعَرَاء الْمَشْهُورين وَالْكتاب الْمَذْكُورين لَهُ ديوَان شعر مَشْهُور كَانَ جده صول الْمَذْكُور مجوسياً ملك جرجان أسلم على يَد يزِيد وَقتل مَعَ يزِيد بن الْمُهلب هُوَ وَجَمَاعَة من أَصْحَابه وغلمانه قَالَ مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح فِي كتاب الورقة)
أشعاره قصار ثَلَاثَة أَبْيَات وَنَحْوهَا إِلَى الْعشْرَة وَهُوَ أَنعَت النَّاس للزمان وَأَهله غير مدافع
قلت مَا كَانَ المتنبي قد لحق عصراً قيل فِيهِ مثل هَذَا لِأَنِّي أرى المتنبي أحذق مِنْهُ بِوَصْف الزَّمَان وَأَهله وشعره ملآن من ذَلِك وَلَو لم يكن إِلَّا قَوْله
وَمن عرف الْأَيَّام معرفتي بهَاوبالناس روى رمحه غير رَاحِم
فَلَيْسَ بمرحوم إِذا ظفروا بِهِوَلَا فِي الردى الْجَارِي عَلَيْهِم بآثم
وَكَانَ صول وفيروز أَخَوَيْنِ ملكا جرجان وهما تركيان تمجسا وصارا أشباه الْفرس فَلَمَّا حضر يزِيد بن الْمُهلب جرجان أمنهما فَاسْلَمْ صول على يَده وَلم يزل مَعَه إِلَى أَن قتل يَوْم الْعقر واتصل إِبْرَاهِيم وَأَخُوهُ عبد الله بِذِي الرياستين الْفضل بن سهل ثمَّ إِنَّه تنقل فِي أَعمال السُّلْطَان ودواوينه إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى بسر من رأى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
قَالَ دعبل الْخُزَاعِيّ لَو تكسب إِبْرَاهِيم الصولي بالشعر لتركنا فِي غير شَيْء كتب عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى بعض الخارجين أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنَاة فَإِن لم تغن عقب وعيداً فَإِن لم يغن أغنت عَزَائِمه وَالسَّلَام وَهَذَا غَايَة فِي البلاغة ينظم مِنْهُ بَيت شعر وَهُوَ
أَنَاة فَإِن لم تغن عقب بعْدهَاوعيداً فَإِن لم يغن أغنت عَزَائِمه
وَمن شعره
خل النِّفَاق لأَهلهوَعَلَيْك فالتمس الطريقا
وارغب بِنَفْسِك إِن ترى إِلَّا عدوا أَو صديقا وَكَانَ إِبْرَاهِيم يهوى جَارِيَة لبَعض المغنين بسر من رأى يُقَال لَهَا ساهر شهر بهَا وَكَانَ منزله لَا يَخْلُو مِنْهَا ثمَّ دعيت فِي وَلِيمَة لبَعض أَهلهَا فغابت عَنهُ ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ جَاءَتْهُ وَمَعَهَا جاريتان لمولاها وَقَالَت قد أهديت صَاحِبي إِلَيْك عوضا عَن مغيبي عَنْك فَقَالَ
أقبلن يحففن مثل الشَّمْس طالعةًقد حسن الله أولاها وأخراها
مَا كنت فِيهِنَّ إِلَّا كنت وَاسِطَةوَكن دُونك يمناها ويسراها
وَجلسَ يَوْمًا مَعَ إخوانه وَبعث خلفهَا فأبطأت فتنغص عَلَيْهِم يومهم وَكَانَ عِنْده عدَّة من القيان ثمَّ وافت فَسرِّي عَنهُ وَشرب وطاب وَقَالَ
ألم ترني يَوْمنَا إِذْ نأتوَلم تأت من بَين أترابها
وَقد غمرتنا دواعي السرُوربإشعالها وبإلهابها
)
وَنحن فتورٌ إِلَى أَن بَدَتوَبدر الدجى تَحت أثوابها
وَلما نأت كَيفَ كُنَّا بهَاوَلم دنت كَيفَ صرنا بهَا
فتغضبت فَقَالَت مَا الْقِصَّة كَمَا ذكرت وَقد كُنْتُم فِي قصفكم مَعَ من حضر وَإِنَّمَا تجملتم لما حضرت فَقَالَ
يَا من حنيني إِلَيْهِوَمن فُؤَادِي لَدَيْهِ
وَمن إِذا غَابَ من بَينهم أسفت عَلَيْهِ إِذا حضرت فَمن بَينهم صبوت إِلَيْهِ
من غَابَ غَيْرك مِنْهُمفإذنه فِي يَدَيْهِ
فرضيت فأقاموا يومهم على أحسن حَال ثمَّ طَال الْعَهْد بَينهمَا فملها وَكَانَت شاعرةً تهواه فَكتب إِلَيْهِ تعاتبه
بِاللَّه يَا نَاقض العهود بِمنبعْدك من أهل ودنا أَثِق
سوأتا مَا استحيت لي أبداإِن ذكر العاشقون من عشقوا
لَا غرني كاتبٌ لَهُ أدبٌوَلَا ظريفٌ مهذبٌ لبق
كنت بِذَاكَ اللِّسَان تختلنيدهراً وَلم أدر أَنه ملق
فَاعْتَذر إِلَيْهَا وراجعها فَلم تَرَ مِنْهُ مَا تكره إِلَى أَن فرق الدَّهْر بنيهما بِالْمَوْتِ وَرفع أَحْمد بن الْمُدبر على بعض عُمَّال الصولي فَحَضَرَ الصولي دَار المتَوَكل فَرَأى هِلَال الشَّهْر على وَجهه فَدَعَا لَهُ فَضَحِك المتَوَكل وَقَالَ إِن أَحْمد رفع على عاملك كَذَا وَكَذَا فاصدقني عَنهُ قَالَ إِبْرَاهِيم الصولي فضاقت عَليّ الْحجَّة وَخفت أَن أحقق قَوْله باعترافي فَقلت
رد قولي وَصدق الأقوالاوأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدودٍوعَلى وَجهه رَأَيْت الهلالا
فَقَالَ لَا يكون ذَلِك وَالله لَا يكون أبدا وَله ديوَان رسائل وديوان شعر وَكتاب الدولة كَبِير
وَكتاب الطبيخ وَكتاب الْعطر وَمن شعره أَيْضا
دنت بأناسٍ عَن تناءٍ زيارةٌوشط بليلي عَن دنوٍ مزارها
وَإِن مقيماتٍ بمنعرج اللوىلأَقْرَب من ليلِي وهاتيك دارها
وَمِنْه وَقَالَ الْمَرْزُبَان لَا يعلم لقديم وَلَا مُحدث مثله)
وليليةٍ من اللَّيَالِي الزهرقابلت فِيهَا بدرها ببدر
لم تَكُ غير شفقٍ وفجرحَتَّى تولت وَهِي بكر الْعُمر
وَمِنْه
ولرب نازلةٍ يضيق بهَا الْفَتىذرعاً وَعند الله مِنْهَا مخرج
كملت فَلَمَّا استحكمت حلقاتهافرجت وَكَانَ يَظُنهَا لَا تفرج
يُقَال إِنَّه مَا رد دهما من نزلت بِهِ نازلة غلا فرجت عَنهُ وَمِنْه
ألوى الْبَريَّة طراً أَن تواسيهعِنْد السرُور الَّذِي واساك فِي الْحزن
إِن الْكِرَام إِذا مَا أسهلوا ذكرونامن كَانَ يألفهم فِي الْمنزل الخشن
وَمِنْه وهما فِي الحماسة
ونبئت ليلى أرْسلت بشفاعةٍإِلَيّ فَهَلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى عَليّ فتبتغيبِهِ الجاه أم كنت امْرأ لَا أطيعها
وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات
وَكنت أخي بإخاء الزَّمَانفَلَمَّا نبا صرت حَربًا عوانا
وَكنت أَذمّ إِلَيْك الزَّمَانفَأَصْبَحت فِيك أَذمّ الزمانا
وَكنت أعدك للنائباتفها أَنا أطلب مِنْك الأمانا
والصولي هُوَ ابْن أُخْت الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع