من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
نَاصح الدّين الأرجاني
أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ الشِّيرَازِيّ الحاجي أَبُو بكر بن أبي عبد الله هُوَ القَاضِي نَاصح الدّين الأرجاني بتَشْديد الرَّاء وَالْجِيم الْمَفْتُوحَة كَانَ أحد أفاضل الزَّمَان لطيف الْعبارَة غواصاً على الْمعَانِي إِذا ظفر على الْمَعْنى لَا يدع فِيهِ لمن بعده فضلا كَامِل الْأَوْصَاف قَالَ أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْفضل الشَّاعِر كَانَ الْغَزِّي صَاحب معنى لَا لفظ وَكَانَ الأبيوردي)
صَاحب لفظ لَا معنى وَكَانَ القَاضِي أَبُو بكر الأرجاني قد جَمعهمَا أَعنِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى قَالَ ابْن الخشاب الْأَمر كَمَا قَالَ أشعارهم تصدق هَذَا الحكم إِذا تؤملت كَانَ فِي عنفوان شبابه بِالْمَدْرَسَةِ النظامية بأصبهان وَلم يزل نَائِب القَاضِي بعسكر مكرم وَهُوَ مبجل مكرم وَهُوَ من سمع وروى وَمن شعره
وَمن النوائب أننيفِي مثل هَذَا الشّغل نَائِب
وَمن الْعَجَائِب أَن ليصبرا على هذي الْعَجَائِب
وَكَانَ فَقِيها شَاعِرًا وَلذَلِك قَالَ
أَنا أفقه الشُّعَرَاء غير مدافعفِي الْعَصْر لَا بل أشعر الْفُقَهَاء
وَقدم بغداذ مَرَّات ومدح الإِمَام المستظهر وسديد الدّين ابْن الْأَنْبَارِي والعزيز عَم الْعِمَاد الْكَاتِب وَمن شعره وَهُوَ غَرِيب
رثى لي وَقد ساويته فِي نحولهخيالي لما لم يكن لي رَاحِم
فدلس بِي حَتَّى طرقت مَكَانَهُوأوهمت إلفي أَنه بِي حالم
وبتنا وَلم يشْعر بِنَا النَّاس لَيْلَةأَنا ساهرٌ فِي جفْنه وَهُوَ نَائِم
وَمِنْه وَالثَّانِي مِنْهُ يقْرَأ مقلوباً
أحب الْمَرْء ظَاهره جميلٌلصَاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هولٍوَهل كلٌّ مودته تدوم
وَمن قصائده الطنانة
سِهَام نواظرٍ تصمي الرماياوَهن من الحواجب فِي حنايا
وَمن عجبٍ سهامٌ لم تفارقحناياها وَقد أصمت حشايا
نهيتك أَن تناضلها فَإِنِّيرميت فَلم يصب سهمي سوايا
جعلت طليعتي طرفِي سفاهاًفَدلَّ على مقاتلي الخفايا
وَهل يحمى حريمٌ من عدوٍإِذا مَا الْجَيْش خانته الرمايا
وَيَوْم عرضت جَيش الصَّبْر حَتَّىأشنّ بِهِ على وجدي سَرَايَا
هززن من القدود لنا رماحاًفخلينا الْقُلُوب لَهَا درايا
وأبكى الْعين شَتَّى من عيونٍفَكَانَ سوى مدامعي البكايا
)
ولي نفسٌ إِذا مَا امْتَدَّ شوقاًأطار الْقلب من حرقٍ شظايا
ودمعٌ ينصر الواشين ظلماوَيظْهر من سرائري الخبايا
ومحتكمٍ على العشاق جوراًوَأَيْنَ من الدمى عدل القضايا
يُرِيك بوجنتيه الْورْد غضّاًوَنور الأقحوان من الثنايا
تَأمل مِنْهُ تَحت الصدغ خالاًلتعلم كم خبايا فِي الزوايا
وَلَا تلم المتيم فِي هَوَاهُفلوم العاشقين من الْخَطَايَا
خطبت وصاله الْمَمْنُوع حَتَّىأثرت بِهِ على قلبِي بلايا
فأرق مقلتي وجدا وشوقاًوعذّب مهجتي هجراً ونايا
وأتعب سائري إِذْ رق قلبِيوَفِي ضعف الْمُلُوك أَذَى الرعايا
تغنم صحبتي يَا صَاح إِنِّينزعت عَن الصِّبَا إِلَّا بقايا
وَخَالف من تنسك من رجالٍلقوك بأكبد الْإِبِل الأبايا
وَلَا تسلك سوى طرقي فَإِنِّيأَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا
وقم نَأْخُذ من اللَّذَّات حظاًفَإنَّا سَوف تدركنا المنايا
وساعد زمرةً ركنوا إِلَيْهَافآبوا بالنهاب وبالسبايا
وأهد إِلَى الْوَزير الْمَدْح يَجْعَللَك المرباع مِنْهَا والصفايا
وَقل للسائرين إِلَى ذراهألستم خير من ركب المطايا
قلت لَا يخفى على من لَهُ ذوق حسن هَذَا التَّضْمِين الَّذِي فِي هَذِه الأبيات وَله قصيدة يصف فِيهَا الشمعة أحسن فِيهَا كل الْإِحْسَان كل الْإِحْسَان وَقد استغرق سَائِر الصِّفَات وَلم يكد يخلي لمن بعده فضلا كَمَا فعل ابْن الرُّومِي فِي قصيدته القافية فِي وصف السَّوْدَاء وقصيدة الأرجاني
نمت بأسرار ليلٍ كَانَ يخفيهاوأطلعت قَلبهَا للنَّاس من فِيهَا
قلبٌ لَهَا لم يرعنا وَهُوَ مكتمنٌإِلَّا ترقيه نَارا فِي تراقيها
سفيهةٌ لم يزل طول اللِّسَان لَهَافِي الْحَيّ يجني عَلَيْهَا صرف هاديها
غريقةٌ فِي دموعٍ وَهِي تحرقهاأنفاسها بدوامٍ من تلظيها
تنفست نفس المهجورة ادكرتعهد الخليط فَبَاتَ الوجد يبكيها
)
يخْشَى عَلَيْهَا الردى مهما ألم بهَانسيم ريحٍ إِذا وافى يُحْيِيهَا
بَدَت كنجمٍ هوى فِي إِثْر عفريةٍفِي الأَرْض فاشتعلت مِنْهُ نَوَاصِيهَا
كَأَنَّهَا غرةٌ قد سَالَ شادخهافِي وَجه دهماء يزهاها تجليها
أَو ضرةٌ خلقت للشمس حاسدةٌفَكلما حجبت قَامَت تحاكيها
وحيدةٌ بشباة الرمْح هازمةٌعَسَاكِر اللَّيْل إِن حلت بواديها
مَا طنبت قطّ فِي أَرض مخيمةًإِلَّا وأقمر للأبصار داجيها
لَهَا غرائب تبدو من محاسنهاإِذا تفكرت يَوْمًا فِي مَعَانِيهَا
فالوجنة الْورْد إِلَّا فِي تنَاولهَاوالقامة الْغُصْن إِلَّا فِي تثنيها
قد أثمرت وردةً حَمْرَاء طالعةًتجني على الأكف إِن أهويت تجنيها
وردٌ تشابك بِهِ الْأَيْدِي إِذا قطفتوَمَا على غصنها شوكٌ يوقيها
صفرٌ غلائلها حمرٌ عمائمهاسودٌ ذوائبها بيض لياليها
كصعدةٍ فِي حَشا الظلماء طاعنةٍتَسْقِي أسافلها ريا أعاليها
كلوءة اللَّيْل مهما أَقبلت ظلمٌأمست لَهَا ظلمٌ للصحب تذكيها
وصيفةٌ لست مِنْهَا قَاضِيا وطراًإِن أَنْت لم تكسها تاجاً يحلّيها
صفراء هنديّةٌ فِي اللَّوْن إِن نعتتوالقدّ واللين إِن أتمت تَشْبِيها
فالهند تقتل بالنيران أَنْفسهَاوَعِنْدهَا أنّ ذَاك الْقَتْل يُحْيِيهَا
مَا إِن تزَال تبيت اللَّيْل لاهيةًوَمَا بهَا علةٌ فِي الصَّدْر تظميها
تحيي اللَّيَالِي نورا وَهِي تقتلهابئس الْجَزَاء لعمر الله تجزيها
ورهاء لم يبد للأبصار لَابسهَايَوْمًا وَلم يحتَجب عَنْهُن غاديها
قدٌّ كقدّ قَمِيص قد تبطّنهاوَلم يقدر عَلَيْهَا الثَّوْب كاسيها
غرّاء فرعاء لَا تنفكّ فاليةًتقص لمتها طوراً وتفليها
شيباء شعثاء لَا تُكْسَى غدائرهالون الشبيبة إِلَّا حِين تبليها
قناة ظلماء مَا يَنْفَكّ يأكلهاسنانها طول طعنٍ أَو يشظّيها
مَفْتُوحَة الْعين تفني لَيْلهَا سهراًنعم وإفناؤها إِيَّاه يفنيها
وَرُبمَا نَالَ من أطرافها مرضٌلم يشف مِنْهُ بِغَيْر الْقطع مشفيها
)
ويلمها فِي ظلام اللَّيْل مسْعدَةإِذا الهموم دعت قلبِي دواعيها
لَوْلَا اخْتِلَاف طباعينا بواحدةٍوللطباع اختلافٌ فِي مبانيها
بِأَنَّهَا فِي سَواد اللَّيْل مظهرةٌتِلْكَ الَّتِي فِي سَواد الْقلب أخفيها
وبيننا عبراتٌ إِن هم نظرُواغيّضتها خوف واشٍ وَهِي تجريها
وَمَا بهَا موهناً لَو أَنَّهَا شكرتمَا بِي من الحرق اللَّاتِي أقاسيها
مَا عاندتها فِي اللَّيَالِي فِي مطالبهاوَلَا عدتهَا العوادي فِي مباغيها
وَلَا رمتها ببعدٍ من أحبتهاكَمَا رمتني وقربٍ من أعاديها
وَلَا تكابد حساداً أكابدهاوَلَا تداجي بني دهرٍ أداجيها
وَلَا تشكى المطايا طول رحلتهاوَلَا لأرجلها طردٌ بأيديها
إِلَى مَقَاصِد لم تبلغ أدانيهامَعَ كَثْرَة السَّعْي فضلا عَن أقاصيها
فليهنها أَنَّهَا باتت وَلَا همميوَلَا همومي تعنيها وتعنيها
أبدت إليّ ابتساماً فِي خلال بكاًوعبرتي أَنا مَحْض الْحزن يمريها
فَقلت فِي جنح ليلٍ وَهِي واقفةوَنحن فِي حضرةٍ جلّت أياديها
لَو أَنَّهَا علمت فِي قرب من نصبتمن الوى لثنت أعطافها تيها
وخبرت أَنَّهَا لَا الْحزن خامرهابل فرحة النَّفس أبكاها تناهيها
وَأَنَّهَا قدمت فِي حَيْثُ غرّتهتهدي سناها فزادت فِي تلاليها
وَخرج إِلَى المديح
وَمِنْه قَوْله
تَقول للبدر فِي الظلماء طلعتهبأيّ وجهٍ إِذا أَقبلت تَلقانِي
وَجه السما لي مرآةٌ أطالعهاوالبدر وَهنا خيالاً فِيهِ لاقاني
لم أنسه يَوْم أبكاني وأضحكهوقوفنا حَيْثُ أرعاه ويرعاني
كلٌّ رأى نَفسه فِي عين صَاحبهفالحسن أضحكه والحزن أبكاني
وَمِنْه
تمتعتما يَا ناظريّ بنظرةٍوأوردتما قلبِي أشرّ الْمَوَارِد
أعينيّ كفّا عَن فُؤَادِي فَإِنَّهُمن الْبَغي سعي اثْنَيْنِ فِي قتل وَاحِد
)
وَمِنْه
اقرن بِرَأْيِك رَأْي غَيْرك وَاسْتَشِرْفالحقّ لَا يخفى على اثْنَيْنِ
فالمرء مرآةٌ تريه وَجههوَيرى قَفاهُ بِجمع مرآتين
وَمِنْه
شاور سواك إِذا نابتك نائبةٌيَوْمًا وَإِن كنت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحاً مَا نأى ودناوَلَا ترى نَفسهَا إِلَّا بِمِرْآة
وعَلى الْجُمْلَة فمعانيه كَثْرَة ومحاسنه جمة وجيده جزيل وديوانه كَبِير وَيُقَال إِنَّه كَانَ لَهُ كل يَوْم ثَمَانِيَة أَبْيَات ينظمها على الدَّوَام وَتُوفِّي بتستر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة ومولده سنة سِتِّينَ وَأَرْبع مائَة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع