من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
السَّيِّد الْحِمْيَرِي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن السيد الحميري؟
إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن يزِيد بن ربيعَة وجده هَذَا هُوَ يزِيد بن
مفرغ الْحِمْيَرِي أَبُو هَاشم الْمَعْرُوف بالسيد الْحِمْيَرِي كَانَ شَاعِرًا محسناً كثير القَوْل إِلَّا أَنه رَافِضِي جلد زائغ عَن)
الْقَصْد لَهُ مدائح جمة فِي أهل الْبَيْت ﵈ وَكَانَ مُقيما بِالْبَصْرَةِ قَالَ لَهُ بشار بن برد لَوْلَا أَن الله تَعَالَى شغلك بمديح أهل الْبَيْت لافتقرنا وَكَانَ أَبَوَاهُ يبغضان عليا سمعهما يسبانه بعد صَلَاة الْفجْر فَقَالَ من الْخَفِيف
لعن اللهُ والدّيَّ جَمِيعًاثمّ أصلاهما عذابَ الجحيمِ
حَكما غُدوةً كَمَا صليّا الْفَجر بلعن الْوَصِيّ بابِ العلومِ
وَكَانَ يرى رَأْي الكيسانية وَهُوَ مَذْكُور فِي تَرْجَمَة كيسَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى لِأَنَّهُ يرى رَجْعَة مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة إِلَى الدُّنْيَا وَكَانَ كثير الشَّاعِر يرى هَذَا الرَّأْي وَكَانَ السَّيِّد يعْتَقد أَنه لم يمت وَأَنه فِي جبل رضوى بَين أَسد ونمر يحفظانه وَعِنْده عينان نضاختان يجريان بِمَاء وَعسل وَيعود بعد الْغَيْبَة فَيمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا مُلئت جوراً وَيُقَال إِن السَّيِّد اجْتمع بِجَعْفَر الصَّادِق فَعرفهُ خطأه وَأَنه على ضَلَالَة فَرجع وأناب وَقَالَ المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء يكنى أَبَا السَّيِّد وَقَالَ غير الْأَصْمَعِي إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن وداع الْحِمْيَرِي وَأمه من الحدان تزوج بهَا أَبوهُ لِأَنَّهُ كَانَ نازلاً فيهم وَقيل إِن أم هَذِه الْمَرْأَة أَو جدَّتهَا بنت ليزِيد بن ربيعَة بن مفرغ الْحِمْيَرِي وَلَيْسَ لِابْنِ نفرغ عقب من ولد ذكر وَلذَلِك يَقُول السَّيِّد من الْبَسِيط
إنّي امرؤٌ حميريٌّ حِين تنسبنيجَدّي وُعَيْنٌ وأخوالي ذَو ويَزنِ
ثمّ الولاءُ الَّذِي أَرْجُو النجاةَ بِهِيومَ الْقِيَامَة للهادي أبي حسنِ
وَكَانَ السَّيِّد أسمر تَامّ الْقَامَة أَبيض الجمة حسن الْأَلْفَاظ جميل الْخطاب وَكَانَ مقدما عِنْد الْمَنْصُور وَالْمهْدِي وَقيل إِنَّه مَاتَ أول أَيَّام الرشيد سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وَقيل سنة ثَمَان وَقيل غير ذَلِك وَولد فِي أَيَّام بني أُميَّة سنة خمس وَمِائَة وَكَانَ أحد الشُّعَرَاء الثَّلَاثَة الَّذين لم يضْبط الروَاة مَا لَهُم من الشّعْر هُوَ وبشار وَأَبُو الْعَتَاهِيَة وَإِنَّمَا مَاتَ ذكره وهجر النَّاس شعره لإفراطه فِي سبّ الصَّحَابَة وبغض أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وإفحاشه فِي شتمهم وقذفهم والطعن عَلَيْهِم
فتحامى الروَاة شعره قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني سَمِعت أَبَا عُبَيْدَة يَقُول مَا هجا بني أُميَّة أحد كَمَا هجاهم الدعيان يزِيد بن مفرغ أول دولتهم وَمَا عمهم وَالسَّيِّد ابْن مُحَمَّد فِي آخرهَا وعمهم
وَقَالَ السَّيِّد جَاءَ بِي أبي وَأَنا صبي إِلَى مُحَمَّد بن سِيرِين قبل أَن يَمُوت بِمدَّة فَقَالَ يَا بني اقصص رُؤْيَاك فَقلت رَأَيْت كأنّي فِي أرضٍ سبخَة وَإِلَى جَانبهَا أَرض حَسَنَة وفيهَا النَّبِي)
ﷺ وَاقِفًا وَلَيْسَ فِيهَا نبت وَفِي الأَرْض السبخة نخل وَشَوْك فَقَالَ لي يَا إِسْمَاعِيل أَتَدْرِي لمن هَذَا النّخل قلت لَا قَالَ هَذَا للمعروف بامرئ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ فانقله إِلَى هَذِه الأَرْض الطّيبَة الَّتِي أَنا فِيهَا فَجعلت أنقله إِلَى أَن نقلت جَمِيع النّخل وحولت شَيْئا من الشوك فَقَالَ ابْن سِيرِين لأبي أما ابْنك هَذَا فسيقول الشّعْر فِي مدح طهرةٍ أبرار فَمَا مَضَت إِلَّا مديدة حَتَّى قلت الشّعْر وَقَالَ ابْن سَلام وَكَانُوا يرَوْنَ أَن النّخل مدحه أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ابْن أبي طَالب وَفَاطِمَة وَأَوْلَادهَا وَأَن الشوك حوله وَمَا أَمر بتحويله هُوَ مَا خلط بِهِ شعره من ثلب السّلف وَقَالَ الصولي حَدثنَا مُحَمَّد بن الْفضل بن الْأسود حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان قَالَ كَانَ السَّيِّد كيسانياً ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ قصيدته الَّتِي أَولهَا من الطَّوِيل
تجعفرتُ باسم الله واللهُ أكبرُوأيقنتُ أنّ الله يقْضِي ويقدرُ
وَقَالَ الصولي كَانَ السَّيِّد يزْعم أَن عليا ﵇ سمى مُحَمَّدًا ابْنه الْمهْدي وَأَنه الَّذِي بشر بِهِ النَّبِي ﷺ أَنه يخرج فِي آخر الزَّمَان وَأَنه حَيّ بجبال رضوى على مَا تقدم
وَقَالَ الصولي حَدثنَا أَبُو العيناء قَالَ السَّيِّد مذبذب يَقُول بالرجعة وَقد قَالَ لَهُ رجل من ثَقِيف بَلغنِي يَا أَبَا هَاشم أَنَّك تَقول بالرجعة قَالَ هُوَ مَا بلغك قَالَ فَأعْطِنِي دِينَارا بِمِائَة دِينَار إِلَى الرّجْعَة فَقَالَ لَهُ السَّيِّد على أَن توثق لي بِمن يضمن السَّيِّد إِذا سُئِلَ عَن مذْهبه أنْشد من قصيدته من الوافر
سَمِيُّ نبينِّا لم يبْقَ مِنْهُمسواهُ فَعنده حَصَلَ الرجاءُ
فغُيِّبَ غيبَة من غير موتٍوَلَا قتلٍ وَصَارَ بِهِ القضاءُ
إِلَى رَضْوى فحلّ بهَا بشعبٍتُجاوره الخوامعُ والظباءٌ
وَحين الْوَحْش ترعى فِي رياضٍمن الْآفَات مَرْتُعها خلاء
فحلَّ فَمَا بهَا بَشَرٌ سواهُبعُقْوَته لَهُ عسلٌ وَمَاء
إِلَى وقتٍ ومدّة كلِّ نَذْلٍيُطيف بِهِ وَأَنت لَهُ فدَاء
كأنّا بِابْن خَوْلةَ عَن قليلٍوربُّ الْعَرْش يفعل مَا يَشَاء
يهزّ دُوين عينِ الشَّمْس سَيْفاكَلمعِ الْبَرْق أخلْصه الْجلاء
يشبّه وجهُه قمراً منيراًتضيء لَهُ إِذا طلع السَّمَاء
فَلَا يخفى على أحدٍ بصيرٌوَهل بالشمس ضاحيةً خَفَاء
)
هُنَالك تعلم الأحزابُ أنّاليوثٌ لَا يُنَهْنهِنا الكِفاء
فنُدرك بالذحول بني أمَيٍّوَفِي ذَاك الذحول لَهُم فنَاء
قَالَ الصولي حَدثنَا العلالي حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي حَدثنِي أبي قَالَ سَمِعت أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن عَطاء يَقُول لما مَاتَ عمي مُحَمَّد بن الْخفية كنت حَاضرا فتوليته وغسلته وَصليت عَلَيْهِ وواريته فِي حفرته قَالَ عبد الله بن عَطاء فَسَأَلَنِي السَّيِّد الْحِمْيَرِي عَن هَذَا الحَدِيث فَحَدَّثته بِهِ فَقَالَ لي قد رجعت عَن قولي ثمَّ بَلغنِي أَنه قَالَ بعد ذَلِك من السَّرِيع
يَا عجبا لِابْنِ عطاءٍ روىوربّما صرّح بالمُنْكَرٍ
عَن سيدّ النَّاس أبي جَعْفَرفَلم يقل صدقا وَلم يبرُرِ
دفنتُ عمِّي ثمَّ غادرتُهحليفَ لِبْنٍ وترابٍ ثَري
مَا قَالَ ذَا قطّ وَلَو قَالَهقُلْنَا انْتِفَاء من أبي جَعْفَر
وَقيل إِن اثْنَيْنِ تلاحيا فِي أَي الْخلق أفضل بعد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَحدهمَا أَبُو بكر وَقَالَ الآخر عَليّ فتراضيا بالحكم إِلَى أول من يطلع عَلَيْهِمَا فطلع عَلَيْهِمَا السَّيِّد الْحِمْيَرِي فَقَالَ الْقَائِل بِفضل عَليّ قد تنافرت أَنا وَهَذَا إِلَيْك فِي أفضل الْخلق بعد رَسُول الله ﷺ فَقلت أَنا عَليّ فَقَالَ السَّيِّد وَمَا قَالَ هَذَا ابْن الزَّانِيَة فَقَالَ ذَاك لم أقل شَيْئا وَقَالَ الصولي حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله التَّمِيمِي حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه قَالَ قلت للفضل بن الرّبيع أَرَأَيْت السَّيِّد الْحِمْيَرِي قَالَ نعم ولعهدي بِهِ بَين يَدي الرشيد وَقد ولي الْخلَافَة وَقد رفع إِلَيْهِ أَنه رَافِضِي وَهُوَ يَقُول إِن كَانَ الرَّفْض حبكم يَا بني هَاشم وتقديمكم على سَائِر الْخلق فَمَا أعْتَذر وَلَا أزول عَنهُ وَإِن كَانَ غير ذَلِك فَمَا أَقُول بِهِ ثمَّ أنْشدهُ من الهزج
شجاك الحيُّ إِذْ بانوافدمْعُ العينِ تهتانُ
كأنّي يومَ ردُّوا العِيس للرحلة نشوانُ
وَفَوق العيس إذْ ولّوامَهىً حورٌ وغَزلانُ
إِذا مَا قُمنَ فالأعْجاز فِي التَّشْبِيه كُثْبانُ
وَمَا جَازَ إِلَى الْأَعْلَىفأقمارٌ وأغصانُ
وَمِنْهَا)
عليٌّ وَأَبُو ذَرٍّومقدادٌ وسَلْمانُ
وعبّاسٌ وعمّارٌوَعبد الله إخوانُ
دعوا فاستودعوا علمافأدَّوْهُ وَمَا خانوا
أدينُ اللهَ بالدّين الذِي كَانُوا بِهِ دانوا
مِنْهَا
فحُبّي لَك إيمانٌومَيلي عَنْك كُفرانُ
فعدَّ القومُ ذَا رفضاًفَلَا عَدُّوا وَلَا كَانُوا
قَالَ فلعهدي بالرشيد وَقد ألطف لَهُ وَوَصله وبره جمَاعَة من الهاشميين وأتانا بعد هَذَا بقليلٍ مَوته لما استقام الْأَمر لأبي الْعَبَّاس السفاح خطب يَوْمًا فَأحْسن الْخطْبَة فَلَمَّا نزل عَن الْمِنْبَر قَامَ إِلَيْهِ السَّيِّد فأنشده من السَّرِيع
دونكموها يَا بني هاشمٍفجدِّدوا من آيها الطامِسا
دونكموها فالبَسوا تاجهالَا تَعْدموا منكمْ لَهَا لابِسا
دونكموها لَا علا كَعْبُ منأَمْسَى عَلَيْكُم مُلكها نافسا
خلَافَة الله وسلطانهوعنصر كَانَ لكم دارسا
قد ساسها قبلكُمُ ساسةٌلم يتْركُوا رَطْباً وَلَا يَابسا
لَو خُيّر المنبرُ فرسانَهمَا اخْتَار إلاّ منكُمُ فَارِسًا
فلستُ من أَن تمْلِكوها إِلَىهبوط عِيسَى منكمُ آيسا
فَقَالَ السفاح سل حَاجَتك فَقَالَ ترْضى عَن سُلَيْمَان بن حبيب بن الْمُهلب وتوليه الأهواز
فَأمر بذلك وَأَن يكْتب عَهده وَيدْفَع إِلَى السَّيِّد فَأَخذه وَقدم بِهِ عَلَيْهِ فَلَمَّا وَقعت عينه عَلَيْهِ أنْشدهُ من المتقارب
أَتَيْنَاك يَا قَرْمَ أهل الْعرَاقبِخَير كتابٍ من القائمِ
أَتَيْنَاك من عِنْد خير الأنام ذَاك ابْن عمّ أبي القاسمِ
يولِّيك فِيهِ جسامَ الْأُمُورفَأَنت صَنِيع بني هاشمِ
أَتَيْنَا بعهدك من عِنْدهعلى من يليك من العالَمِ
فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان شرِيف وشافع وشاعر ووافد ونسيب سل حَاجَتك فَقَالَ جَارِيَة فارهة جميلَة)
وَمن يخدمها وبدرة دَرَاهِم وحاملها وَفرس رائع وسائسه وتخت من صنوف الثِّيَاب وحامله
قَالَ قد أمرت لَك بِجَمِيعِ مَا سَأَلت وَهُوَ لَك عِنْدِي فِي كل سنة قَالَ أَبُو رَيْحَانَة وَكَانَ السَّيِّد قَالَ لما حَضرته الْوَفَاة جَاءَنَا وليه فَقَالَ هَذَا وَإِن كَانَ مخلطاً فَهُوَ من أهل التَّوْحِيد وَهُوَ جاركم فادخلوا إِلَيْهِ فلقنوه الشَّهَادَة قَالَ فَدَخَلْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ قَالَ فَقُلْنَا لَهُ قل لَا إِلَه
إِلَّا الله قَالَ فاسود وَجهه وَفتح عَيْني قَالَ ثمَّ قَالَ لنا وَحيِلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتهون قَالَ وَخَرجْنَا فَمَاتَ من سَاعَته
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع