من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْعَتَاهِيَة
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن أبو العتاهية؟
إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم بن سُوَيْد بن كيسَان مولى عنزة الْمَعْرُوف بِأبي الْعَتَاهِيَة مولده بِعَين التَّمْر وَنَشَأ بِالْكُوفَةِ وَسكن بَغْدَاد وَكَانَ يَبِيع الجرار واشتهر بمحبة عتبَة جَارِيَة الْمهْدي وَأكْثر تشبيبه وتشبيهه فِيهَا فَمن ذَلِك قَوْله من الْكَامِل
أعلَمتُ عُتْبةَ أنّنيمِنْهَا على شَرَفٍ مُطِلُّ
وشكوتُ مَا ألْقى إِلَيّهَا والمدامعُ تستهلُّ
حَتَّى إِذا برِمَتْ بِمَاأَشْكُو كَمَا يشكو الأقَلُّ
قَالَت فأيُّ النَّاس يعلم مَا تَقول فَقلت كلُّ
وَاسْتَأْذَنَ أَن يهدي إِلَى الْمهْدي فِي النيروز والمهرجان فَأذن لَهُ فأهدى فِي أَحدهمَا برنية ضخمة فِيهَا ثوب ناعم مُطيب وَكتب فِي حَوَاشِيه من السَّرِيع
نَفسِي بشيءٍ من الدُّنْيَا معلَّقةاللهُ والقائمُ المهديُّ يكفيها
إنّي لأيْأَسُ مِنْهَا ثمّ يُطمِعنيفِيهَا احتقارُك بالدنيا وَمَا فِيهَا
فهم بِدفع عتبَة إِلَيْهِ فَجَزِعت وَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حرمتي وخدمتي أفتدفعني إِلَى رجلٍ قَبِيح المنظر بَائِع جرار متكسب بالشعر فأعفاها وَقَالَ املأوا لَهُ البرنية مَالا فَقَالَ للْكتاب أَمر لي بِدَنَانِير فَقَالُوا مَا ندفع ذَلِك إِلَيْك وَلَكِن إِن شِئْت أعطيناك دَرَاهِم إِلَّا أَن يفصح بِمَا
أَرَادَ فَاخْتلف فِي ذَلِك حولا فَقَالَت عتبَة لَو كَانَ عَاشِقًا كَمَا يزْعم لم يكن يخْتَلف مُنْذُ حول فِي التَّمْيِيز بَين الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَقد أعرض عَن ذكري صفحاً وَقَالَ فِي عمر بن الْعَلَاء من الْكَامِل
إنّي أمنِتُ من الزَّمَان وَصَرفهلمّا علقتُ من الأميرِ حِبالا
لَو يَسْتَطِيع النَّاس من إجلالهتَخِذوا لَهُ حرَّ الخدود نِعالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنّهاقطعتْ إِلَيْك سباسباً ورِمالا
فَإِذا وَرَدْت بِنَا وَرَدْنَ خفائفاًوَإِذا صَدَرْنَ بِنَا صَدَرْنَ ثقالا
فَأَبْطَأَ بره عَنهُ قَلِيلا فَكتب إِلَيْهِ من الطَّوِيل
أَصَابَت علينا جودَك العينُ يَا عمرْفَنحْن لَهَا نبغي التمائمَ والنُّشَرْ
سنرقيك بالأشعار حَتَّى تملّهاوَإِن لم تُفِقْ مِنْهَا رقيناك بالسُّوَرْ
)
فَأعْطَاهُ سبعين ألف دِرْهَم وخلع عَلَيْهِ حَتَّى عجز عَن الْقيام فغار الشُّعَرَاء لذَلِك فَجَمعهُمْ ثمَّ قَالَ يَا معشر الشُّعَرَاء عجبا لكم مَا أَشد حسدكم بَعْضًا لبَعض إِن أحدكُم يأتينا يمدحنا بقصيدة يشبب فِيهَا بصديقته خمسين بَيْتا فَمَا يبلغنَا حَتَّى تذْهب لذاذة مدحه ورونق شعره وَقد أَتَانَا أَبُو الْعَتَاهِيَة فشبب بِأَبْيَات يسيرَة ثمَّ قَالَ وَأنْشد الأبيات وَقَالَ أَشْجَع السّلمِيّ أذن الْخَلِيفَة الْمهْدي للنَّاس فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَدَخَلْنَا وأمرنا بِالْجُلُوسِ فاتفق أَن جلس إِلَى جَانِبي بشار بن برد وَسكت الْمهْدي وَسمع بشار حسا فَقَالَ لي من هَذَا فَقلت أَبُو الْعَتَاهِيَة فَقَالَ أتراه ينشد فِي هَذَا المحفل فَقلت أَحْسبهُ سيفعل قَالَ فَأمره الْمهْدي أَن ينشد فَأَنْشد من المتقارب
أَلا مَا لسيّدتي مَا لَهَاتُدِلّ وأَحمِلُ إدلالها
وإلاّ فَفِيمَ تجنَّتْ وَلَاجنيتُ سقى الله أطلالها
أَلا إنّ جَارِيَة للإمام قد أسكن الحسنُ سربالَها
مشت بَين حورٍ قصار الخطاتُجاذبِ فِي الْمَشْي أكفالها
وَقد أتْعب الله نَفسِي بهَاوأتعبَ باللوم عُدّالها
فَقَالَ بشار وَيحك يَا أَخا سليم مَا أَدْرِي من أَي أمريه أعجب أَمن ضعف شعره أم تشبيبه بِجَارِيَة الْخَلِيفَة ويسمعه ذَلِك بِإِذْنِهِ حَتَّى أَتَى على قَوْله من المتقارب
أَتَتْهُ الْخلَافَة منقادةإِلَيْهِ تُجرِّر أذيالها
فَلم تَكُ تصلح إلاّ لَهُوَلم يَك يصلح إلاّ لَهَا
وَلَو رامها أحدٌ غيرهُلزُلزِلت الأَرْض زلزالَها
وَلَو لم تُطِعْه بناتُ الْقُلُوبلما قَبِل الله أَعمالهَا
وَإِن الخليفةَ من بُغضِ لَاإِلَيْهِ لَيُبْغِضُ مَن قَالَهَا
فَقَالَ بشار وَيحك يَا أَشْجَع هَل طَار الْخَلِيفَة عَن فرشه قَالَ أَشْجَع فو الله مَا انْصَرف أحد عَن ذَلِك الْمجْلس بجائزة غير أبي الْعَتَاهِيَة ونسك آخر عمره وَقَالَ فِي الزّهْد أشعاراً كَثِيرَة
وَقد عجز الروَاة أَن يضبطوا شعر بشار بن برد وَالسَّيِّد الْحِمْيَرِي وَأبي الْعَتَاهِيَة لِكَثْرَة أشعارهم ولقب أَبَا الْعَتَاهِيَة لاضطراب كَانَ فِيهِ وَقيل بل كَانَ يحب الخلاعة والمجون فلقب بذلك لعتوه وَكَانَ أَبُو نواس يعظمه ويخضع لَهُ وَيَقُول وَالله مَا رَأَيْته إِلَّا أَنِّي أرضي وَأَنه سماوي وَحكي أَن أَبَاهُ كَانَ حجاماً وَلذَلِك قَالَ من الطَّوِيل)
أَلا إنّما التَّقْوَى هِيَ الْعَزْم والكرَمْوحبّك للدنيا هُوَ الْفقر والعدّمْ
وَلَيْسَت على عبدٍ تقيّ نقيصةٌإِذا صحّح التَّقْوَى وَإِن حاك أَو حجمْ
وَمن شعره من الطَّوِيل
إِذا الْمَرْء لم يعْتق من المَال نَفسهتملّكه المالُ الَّذِي هُوَ مالكُهُ
أَلا إنّما مَالِي الَّذِي أَنا منفقٌوَلَيْسَ ليَ المَال الَّذِي أَنا تاركُهُ
إِذا كنتَ ذَا مالٍ فبادِرْ بِهِ الَّذِييحقُّ وإلاّ استهلكَتْه مَهالكُهُ
فَقيل لَهُ لما أنْشد هَذِه الأبيات كَيفَ تَقول هَذَا وتحبس عنْدك سبعا وَعشْرين بدرة فِي دَارك لَا تَأْكُل مِنْهَا وَلَا تشرب وَلَا تزكي فَقَالَ لَهو الْحق وَلَكِنِّي أَخَاف الْفقر وَالْحَاجة وَلَقَد أَشْتَرِي من عيد إِلَى عيد وَلَقَد اشْتريت فِي يَوْم عَاشُورَاء لَحْمًا وتوابله بِخَمْسَة دَرَاهِم وَكَانَ لَهُ جَار ضَعِيف الْحَال جدا متجمل يلتقط النَّوَى وَكَانَ يمر بِأبي الْعَتَاهِيَة فَيَقُول اللَّهُمَّ أعنه على مَا هُوَ بسبيله وَيَدْعُو لَهُ إِلَى أَن مَاتَ الشَّيْخ نَحوا من عشْرين سنة وَلم يزده على الدُّعَاء شَيْئا فَقيل لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاق نرَاك تكْثر الدُّعَاء لذَلِك الشَّيْخ وتزعم أَنه فَقير معيل فَلم لَا تَتَصَدَّق عَلَيْهِ بِشَيْء فَقَالَ أخْشَى أَن يعْتَاد الصَّدَقَة وَالصَّدَََقَة آخر مكاسب العَبْد وَإِن فِي الدُّعَاء لخيراً كثيرا
وَقَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى الحرقي وَكَانَ جاراً لأبي الْعَتَاهِيَة قَالَ كَانَ سَائل من العيارين الظرفاء وقف على أبي الْعَتَاهِيَة وَجَمَاعَة جِيرَانه حوله فَسَأَلَهُ فَقَالَ صنع الله لَك فَأَعَادَ السُّؤَال ورد مثل ذَلِك فَأَعَادَ الثَّالِثَة فَرد مثل ذَلِك فَغَضب وَقَالَ أَلَسْت الَّذِي يَقُول من المديد
كلّ حيٍ عِنْد ميتَتهحظُّه من مَاله الكفنُ
قَالَ نعم قَالَ فبالله أَتُرِيدُ أَن تعد مَالك كُله لثمن كفنك قَالَ لَا قَالَ بِاللَّه كم قدرت لكفنك قَالَ خَمْسَة دَنَانِير قَالَ هِيَ حظك إِذا من مَالك قَالَ نعم قَالَ فَتصدق عَليّ من غير حظك بدرهم وَاحِد قَالَ لَو تَصَدَّقت عَلَيْك لَكَانَ حظي قَالَ فاعمل على أَن دِينَارا من الْخَمْسَة وضيعته قِيرَاط وادفع إِلَيّ قيراطاً وَاحِدًا وَإِلَّا فَوَاحِدَة أُخْرَى قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ الْقُبُور تحفر بِثَلَاثَة دَرَاهِم فَأعْطِنِي درهما وأقيم لَك كَفِيلا بِأَنِّي أحفر لَك قبرك مَتى مت وتربح دِرْهَمَيْنِ لم يَكُونَا فِي حِسَابك فَإِن لم أحفر لَك رَددته على وَرثتك أَو رده كفيلي عَلَيْهِم فَخَجِلَ أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقَالَ
اغرب قبحك الله وَغَضب عَلَيْك وَضحك جَمِيع من حضر وَمر السَّائِل يضْحك فَالْتَفت إِلَيْنَا أَبُو الْعَتَاهِيَة وَقد اغتاظ فَقَالَ من أجل هَذَا وَأَمْثَاله حرمت الصَّدَقَة فَقُلْنَا لَهُ من حرمهَا)
وَمَتى حرمت فَمَا رَأينَا أحدا ادّعى أَن الصَّدَقَة حرمت قبله وَلَا بعده
وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ أشتهي أَن يَجِيء مُخَارق ويغني عِنْد رَأْسِي من الطَّوِيل
إِذا مَا انقضتْ عنّي من الدَّهْر مدّتيفإنّ عزاء الباكيات قليلُ
سيُعرَض عَن ذكري وتُنْسى مودّتيوَيحدث بعدِي للخليل خليلُ
والبيتان لَهُ من جملَة أَبْيَات وَأوصى أَن يكْتب على قَبره من الْخَفِيف
إنّ عَيْشًا يكون آخرهُ الموت لَعيشٌ معجَّلُ التنغيص
وَكَانَت وِلَادَته سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة ووفاته سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وأخباره مستقصاة فِي كتاب الأغاني
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع