من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو عَطاء السندي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن أبو عطاء السندي؟
أَفْلح بن يسَار هُوَ أَبُو عَطاء السندي وَمولى بني أَسد منشؤه الْكُوفَة وَهُوَ من مخضرمي الدولتين وَكَانَ أَبوهُ سندياً أعجمياً لَا يفصح وَكَانَ فِي لِسَان أبي عَطاء عجمة ولثغةٌ وَكَانَ إِذا تكلم لَا يفهم كَلَامه وَلذَلِك قَالَ لِسُلَيْمَان بن سليم الْكَلْبِيّ من الْخَفِيف)
أعْوَزتْني الرُّواة يَا ابْن سُليموأبى أنْ يُقيم شعري لساني
وغلا بِالَّذِي أُحَمْجِمُ صَدْرِيوجفاني لعُجْمتي سلطاني
وازْدَرَتني العيونُ إِذْ كَانَ لونيحالكاً مجتوىً من الألوانِ
فضربتُ الأمورَ ظهرا لبطنٍكَيفَ أحتال حِيلَة لبياني
وتمنّيتُ أنّني كنت بالشعر فصيحاً وبانَ بعضُ بناني
ثمّ أصبحتُ قد أبحتً رِدَائيعِنْد رحْب الفِناء والأعطانِ
فاعطِني مَا يَضيقُ عَنهُ رُواتيبفصيحٍ من صَالح الغلمانِ
يُفهِم الناسَ مَا أَقُول من الشعر فإنّ الْبَيَان قد أعيْاني
واعتمدْني بالشكر يَا ابنَ سَليمفِي بلادي وَسَائِر البلدانِ
ستوافيهم قصائد غُرٌّفِيك سبّاقةٌ لكل لسانِ
فَأمر لَهُ بوصيف بربري فَسَماهُ عَطاء وتبنى بِهِ وَرَوَاهُ شعره فَكَانَ إِذا أَرَادَ إنشاد مديح لمن يجتديه أَو مذاكرة شعر أمره فَأَنْشد قبل إِنَّه قَالَ لَهُ يَوْمًا ولأ مُنْذُ دأوتأ وألت لي لبيأ مَا أنتَ تصنأ يَعْنِي وَلَك مُنْذُ دعوتك وَقلت لي لبيْك مَا كنت تصنع وَشهد أَبُو عَطاء حَرْب بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس وأبلى مَعَ بني أُميَّة وَقتل غُلَامه عَطاء مَعَ ابْن هُبَيْرَة وَانْهَزَمَ هُوَ وَحكى الْمَدَائِنِي أَن أَبَا عَطاء كَانَ يُقَاتل المسودة وقدامه رجل من بني مرّة يكنى أَبَا يزِيد قد عقر فرسه فَقَالَ لأبي عَطاء أَعْطِنِي فرسك أقَاتل عَنْك وعني وَقد كَانَا أيقنا بِالْهَلَاكِ فَأعْطَاهُ أَبُو عَطاء فرسه فَرَكبهُ المري وَمضى على وَجهه ناجياً فَقَالَ من الوافر
لَعَمْرُك إنّني وَأَبا يزِيدلكالساعي إِلَى لمع السَّرابِ
رأيتُ مَخيلةً فطمعتُ فِيهَاوَفِي الطَّمَع المذلَّةُ للرقابِ
فَمَا أَغْنَاك من طلبٍ ورزقٍكَمَا أعياك من سرق الدوابِ
وأشهَدُ أنّ مرّةَ حيُّ صدقٍوَلَكِن لست مِنْهُم فِي النصابِ
وَعَن الْمَدَائِنِي أَن يحيى بن زِيَاد الْحَارِثِيّ وحماداً الراوية كَانَ بَينهمَا وَبَين معلم بن هُبَيْرَة مَا يكون مثله بَين الشُّعَرَاء والرواة من النفاسة وَكَانَ معلم بن هُبَيْرَة يحب أَن يطْرَح حماداً فِي لِسَان من يهجوه قَالَ حَمَّاد الراوية فَقَالَ لي يَوْمًا بِحَضْرَة يحيى بن زِيَاد أَتَقول لأبي عَطاء السندي أَن يَقُول زجٌّ وجرادة وَمَسْجِد بني شَيْطَان قلت نعم فَمَا تجْعَل لي على ذَلِك قَالَ)
بغلتي بسرجها ولجامها فَأخذت عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ موثقًا وَجَاء أَبُو عَطاء السندي فَجَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ مُرْهِبًا بكم هياكم الله فرحبت بِهِ وَعرضت عَلَيْهِ الْعشَاء فَأبى وَقَالَ هَل عنْدكُمْ نَبِيذ فأتيناه بنبيذ كَانَ عندنَا فَشرب حَتَّى احْمَرَّتْ عَيناهُ فَقلت يَا أَبَا عَطاء إِن إنْسَانا طرح علينا أبياتاً فِيهَا لغز فلست أقدر على إجَابَته الْبَتَّةَ فَفرج عني فَقَالَ هَات قلت من الوافر
أبِنْ ليّ إنْ سُئلتَ أَبَا عَطاءيَقِينا كَيفَ عِلْمك بالمعاني
فَقَالَ
خبيرٌ عالمٌ فاسألْ تجدْنيبهَا طَبّاً وآياتِ المثاني
فَقلت
فَمَا اسمُ حَدِيدَة فِي رَأس رُمحٍدُوَيْن الكعب لَيست بِالسِّنَانِ
فَقَالَ
هُوَ الزُزُّ الَّذِي لم بَات ضيفاًلِصدرك لم تزل لَك لوعتانِ
فَقلت
فَمَا صَفراء تُدعى أمَّ عوفٍكأنّ رُجَيْلتَيها مِنجلانِ
فَقَالَ
أردتَ زَرادةً وَأَقُول حّقاًبأنّك مَا عدوتَ سوى لساني
فَقلت
أتعرف مَسْجِدا لبني تَمِيمفُوَيق الْميل دون بني أبانِ
فَقَالَ
بَنو سيطان دون بني أبانكقُرب أَبِيك من عبد المدانِ
قَالَ حَمَّاد فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ قد ازدادت حمرَة وَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه وتخوفته فَقلت يَا أَبَا عَطاء هَذَا مقَام المستجير بك وَلَك نصف مَا أَخَذته قَالَ فاصدقني فَأَخْبَرته فَقَالَ أولى لَك قد سلمت وَسلم لَك جعلك خُذْهُ بورك لَك فِيهِ فَلَا حَاجَة لي إِلَيْهِ وانقلب يهجو معلم بن هُبَيْرَة
ووفد أَبُو عَطاء على نصر بن سيار فأنشده من الْبَسِيط
قَالَت بُرَيْكةُ بِنْتي وَهِي عاتبةٌإنّ المُقام على الإفلاس تعذيبُ
مَا بالُ همٍّ دخيلٍ بَات محتضرارأسَ الْفُؤَاد فنوم الْعين ترحيبُ
)
إنّي دَعَاني إِلَيْك الْخَيْر من بلديوَالْخَيْر عِنْد ذَوي الأحساب مطلوبُ
فَأمر لَهُ بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع