من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن النطاح
بكر بن النطاح الْحَنَفِيّ أَبُو وَائِل قيل هُوَ عجلي كَانَ شَاعِرًا حسن
الشّعْر كثير التَّصَرُّف فِيهِ وَكَانَ صعلوكاً يُصِيب الطَّرِيق ثمَّ أقصر عَن ذَلِك وَكَانَ كثيرا مَا يصف نَفسه بالشجاعة والإقدام وَهُوَ الْقَائِل
هَنِيئًا لإخواني بِبَغْدَاد عيدهموعيدي بحلوان قراع الْكَتَائِب
وأنشدها أَبَا دلف فَقَالَ لَهُ إِنَّك لتكثر من وصف نَفسك بالشجاعة وَمَا رَأَيْت عنْدك لذَلِك أثرا قطّ وَلَا فِيك فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير وَأي عناء يكون عِنْد الرجل الحاسر الأعزل فَقَالَ أَعْطوهُ سَيْفا وفرساً وَدِرْعًا ورمحاً فَأَعْطوهُ ذَلِك أجمع فَأَخذه وَركب الْفرس وَخرج على وَجهه فَلَقِيَهُ مَال لأبي دلف يحمل من بعض ضيَاعه فَأَخذه وَخرج جمَاعَة من غلمانه ومانعوه فجرحهم جَمِيعًا وقطعهم فَانْهَزَمُوا وَسَار بِالْمَالِ فَلم ينزل إِلَّا على عشْرين فرسخاً فَلَمَّا اتَّصل خَبره بِأبي دلف قَالَ نَحن جَنِينا على أَنْفُسنَا وَكُنَّا أَغْنِيَاء عَن إهاجته ثمَّ كتب إِلَيْهِ بالإمارة وسوغه المَال وَكتب إِلَيْهِ صر إِلَيْنَا فَلَا ذَنْب لَك عندنَا نَحن هجناك وحركناك فَرجع وَلم يزل مَعَه يمدحه حَتَّى مَاتَ وَكَانَ قد لحق أَبُو دلف إنْسَانا قد أرْدف آخر خَلفه فطعنهما يشكهما بِالرُّمْحِ فَتحدث النَّاس فِي ذَلِك فَلَمَّا عَاد دخل إِلَيْهِ بكر بن النطاح وأنشده
قَالُوا أينظم فارسين بطعنةيَوْم اللِّقَاء وَلَا يرَاهُ جَلِيلًا
لَا تعجبوا لَو كَانَ مد قناتهميلًا إِذا نظم الفوارس ميلًا
فَأمر لَهُ أَبُو دلف بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَله فِيهِ أَيْضا)
لَهُ رَاحَة لَو أَن معشار جودهاعلى الْبر كَانَ الْبر أندى من الْبَحْر
وَلَو أَن خلق الله فِي جسم فَارسوبارزه كَانَ الخلي من الْعُمر
أَبَا دلف بوركت فِي كل بَلْدَةكَمَا بوركت فِي شهرها لَيْلَة الْقدر
وَله فِيهِ أَيْضا
إِذا كَانَ الشتَاء فَأَنت شمسوَإِن حضر المصيف فَأَنت ظلّ
وَمَا تَدْرِي إِذا أَعْطَيْت مَالاأتكثر فِي سماحك أم تقل
فَأعْطَاهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم وَقصد مَالك بن طوق فمدحه فأثابه قلم يرض ثَوَابه فَخرج من عِنْده وَكتب رقْعَة وَبعث بهَا إِلَيْهِ وفيهَا
فليت جدا مَالك كُلهوَمَا يرتجى مِنْهُ من مطلب
أُصِيب بأضعاف أضعافهوَلم أنتجعه وَلم أَرغب
أَسَأْت اخْتِيَاري فَقل الثَّوَابلي الذَّنب جهلا وَلم يُذنب
فَلَمَّا قَرَأَهَا وَجه جمَاعَة فِي طلبه وَقَالَ الويل لكم إِن فاتكم فلحقوه وردوه إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ وتلقاه وَقَالَ يَا أخي عجلت علينا وَمَا كُنَّا نقتصر على ذَلِك وَإِنَّمَا بعثنَا إِلَيْك نَفَقَة وعولنا بك على مَا يتلوها فَاعْتَذر إِلَيْهِ ثمَّ أعطَاهُ حَتَّى أرضاه فَقَالَ بكر بن النطاح يمدحه من ذَلِك
فَتى جاد بالأموال من كل جَانبوأنهبها فِي عوده وبداته
فَلَو خذلت أَمْوَاله جود كَفهلقاسم من يرجوه شطر حَيَاته
فَإِن لم تَجِد فِي الْعُمر قسْمَة باذلوَجَاز لَهُ الْإِعْطَاء من حَسَنَاته
لجاد بهَا من غير كفر بربهوشاركهم فِي صَوْمه وَصلَاته
قلت فِي قَوْله من غير كفر بربه زِيَادَة مليحة وَهُوَ من بَاب حَشْو اللوزينج وَقَالَ
كريم إِذا مَا جِئْت طَالب فَضلهحباك بِمَا تحوي عَلَيْهِ أنامله
وَلَو لم يكن فِي كَفه غير نَفسهلجاد بهَا فليتق الله سائله
وَقد وجدت هَذِه الأبيات الأول والثواني فِي قصيدتي أبي تَمام المشهورتين والقطعة الأولى أوردهَا صَاحب الأغاني لِابْنِ النطاح والبيتان الثانيان أوردهما المرزباني فِي مُعْجَمه لِابْنِ النطاح وهما أخبر النَّاس بذلك وَهَذِه مصالتة لَا سَرقَة وَأما أَبُو الطّيب فَإِنَّهُ أَخذه وَقصر عَنهُ حَيْثُ قَالَ)
وَلَو يممتهم فِي يَوْم حشرلأعطوك الَّذِي صلوا وصاموا
وَمن شعر بكر بن النطاح
فرعاء تسحب من قيام شعرهَاوتغيب فِيهِ وَهُوَ جثل أسحم
فَكَأَنَّهَا فِيهِ نَهَار مشرقوَكَأَنَّهُ ليل عَلَيْهَا مظلم
وَمِنْه أَيْضا
مَلَأت يَدي من الدُّنْيَا مرَارًافَمَا طمع العواذل فِي اقتصاري
وَمَا وَجَبت عَليّ زَكَاة مَالوَهل تجب الزَّكَاة على جواد
وَتُوفِّي بكر بن النطاح فِي حُدُود الْمِائَتَيْنِ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع