من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
جعيفران بن عَليّ الموسوس
جعيفران بن عَليّ بن أصفر بن السَّري بن عبد الرَّحْمَن الْأَنْبَارِي من سَاكِني سرَّ من رأى ومنشأه بَغْدَاد وَكَانَ أَبوهُ من أَبنَاء الْجند الخراسانية وَظهر لِأَبِيهِ أَنه يخْتَلف إِلَى بعض سرائره فطرده أَبوهُ عَن دَاره وَحج فَشَكا ذَلِك إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر الكاظم فَقَالَ لَهُ مُوسَى إِن كنت صَادِقا عَلَيْهِ فَلَيْسَ يَمُوت حَتَّى يفقد عقله وَإِن كنت قد تحققت ذَلِك عَلَيْهِ فَلَا تساكنه فِي مَنْزِلك وَلَا تطعمه شَيْئا من مَالك فِي حياتك وَأخرجه عَن ميراثك وَسَأَلَ الْفُقَهَاء عَن
حِيلَة حَتَّى تخرجه من مِيرَاث مَاله فدلّوه على الطَّرِيق إِلَى ذَلِك فاشهد بِهِ وَأوصى إِلَى رجل فَلَمَّا مَاتَ حَاز الرجل مِيرَاثه وَمنع مِنْهُ جعيفران فاستعدى عَلَيْهِ أَبَا يُوسُف القَاضِي فأحضر الوصيَّ وَسَأَلَ جعيفران البيِّنة على نسبه وتركة أَبِيه وَأقَام بَيِّنَة عُدُولًا وأحضر الْوَصِيّ بَيِّنَة عُدُولًا على الْوَصِيَّة يشْهدُونَ على أَبِيه بِمَا كَانَ احتال على مَنعه مِيرَاثه فَلم ير أَبُو يُوسُف ذَلِك شَيْئا وعزم على أَن يورّثه فَقَالَ الْوَصِيّ أَنا أدفَع هَذَا عَن هَذَا الْمِيرَاث بِحجَّة وَاحِدَة فَأبى أَبُو يُوسُف أَن يسمع مِنْهُ وجعيفران يَقُول قد ثَبت عنْدك أَمْرِي فَلَا تدفعني وَقَالَ الوصيّ إسمع مني حجتي مُنْفَردا فَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا اسْمَع مِنْك إِلَّا بِحَضْرَتِهِ فَقَالَ أجِّلني إِلَى غَد فأجّله فجَاء إِلَى منزله وَكتب رقْعَة فِيهَا خَبره وَمَا قَالَه مُوسَى بن جَعْفَر وَدفعهَا لصديق إِلَى أبي يُوسُف فَلَمَّا قَرَأَهَا دَعَا بالوصي فاستحلفه على ذَلِك فَحلف بِالْيَمِينِ الْغمُوس وَقَالَ اغْدُ غَدا عليّ مَعَ صَاحبك فَحَضَرَ إِلَيْهِ فَحكم أَبُو يُوسُف للوصيّ فَلَمَّا أمضى الحكم عَلَيْهِ وسوس جعيران وَاخْتَلَطَ مُنْذُ يومءذ وَكَانَ إِذا ثاب إِلَيْهِ عقله قَالَ الشّعْر الجيّد وَعَن عبد الله بن عُثْمَان الْكَاتِب عَن أَبِيه قَالَ كنت لَيْلَة أشرف من سطحٍ على دَار جعيفران وَهُوَ فِيهَا وَحده وَقد تحرّكت عَلَيْهِ السّوداء وَهُوَ يَدُور فِي الدَّار طول ليلته وَيَقُول من الرجز
طَاف بِهِ طيف من الوسواسنفّر عَنهُ لَذَّة النُّعاس
فَمَا يرى يأنس بالأناسولايلذّ عشرَة الجلَاّس
فَهُوَ غَرِيب بَين هَذَا النَّاس وَلم يزل يُرَدِّدهَا حَتَّى أصبح ثمَّ سقط كَأَنَّهُ بقلة ذابلة
وَعنهُ قَالَ غَابَ عنّا أَيَّامًا وجاءنا عُرْيَان وَالصبيان خَلفه وهم يصيحون بِهِ يَا جعيفران يَا خرَّا فِي الدَّار فَلَمَّا بلغ إليّ وقف عِنْدِي وتقرّقوا عَنهُ فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله وَمن الهزج)
رَأَيْت النَّاس يدعونيبمجنونٍ على حَال
وَلَكِن قَوْلهم هَذَالإفلاسي وإقلالي
وَلَو كنت أَخا وفرٍرخيّ ناعم البال
رأوني حسن الْعقلأحلّ الْمنزل العالي
وَمَا ذَاك على خبرٍوَلَكِن هَيْبَة المَال
قَالَ فأدخلته منزل يفأكل وسقيته أقداحاً ثمَّ قلت لَهُ تقدر على أَن تغير تِلْكَ القافية فَقَالَ نعم ثمَّ قَالَ بديهة من غير فكر وَلَا توقف من الهزج
رَأَيْت النَّاس يرمونيأَحْيَانًا بوسواس
وَمن يضْبط يَا صَاحمقَال النَّاس فِي النَّاس
فدع مَا قَالَه النَّاسوَنَازع صفوة الكاس
فَتى حرا صَحِيح الودّذَا برٍّ وإيناس
وَإِن الْخلق مغرورٌبأمثالي وأجناسي
وَلَو كنت أَخا مالٍأَتَوْنِي بَين جلاّسي
يحيُّوني ويحيونعلى الْعَينَيْنِ والرَّاس
ويدعوني عَزِيزًا غير أنّ الذل إفلاسي ثمَّ قَالَ ليبول فَقَالَ بعض من حضر أَي شَيْء معنى عشرتنا هَذَا الْمَجْنُون الْعُرْيَان وَالله مَا أَنا مِنْهُ وَهُوَ صَاح فَكيف إِذا سكر وفطن جعيفران للمعنى فَخرج إِلَيْنَا وَقَالَ من مجزوء الرمل
وندامى أكلونيإِذْ تغيبت قَلِيلا
زَعَمُوا أَنِّي مَجْنُون أرى العري جميلا كَيفَ لَا أعرى وَمَا أبْصر فِي النَّاس منيلا إِن يكن قد ساءكم قربي فخلّوا لي السبيلا
وأتمّوا يومكم سرَّكمالله طَويلا
قَالَ فلفقنا بِهِ واعتذرنا إِلَيْهِ وَقُلْنَا لَهُ وَالله مَا نلتذ إلاّ بقربك وأتيناه بِثَوْب لبسه وأتممنا يَوْمنَا ذَلِك مَعَه
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع