من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْأَمِير ابْن أبي حَصِينَة
الْحسن بن عبد الله بن أَحْمد بن عبد الْجَبَّار بن أبي حَصِينَة الْأَمِير أَبُو الْفَتْح السّلمِيّ المعري
توفّي ﵀ سنة سِتّ أَو سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة بحلب ومولده قبل التسعين
مدح الْأَمِير أَسد الدولة أَبَا صَالح عَطِيَّة بن صَالح بن مرداس بقصيدة أَولهَا من الطَّوِيل
سرى طيف هندٍ والمطي بِنَا تسريفأخفى دجى ليلِي وَأبْدى سنا فجري
مِنْهَا من الطَّوِيل
خليلي فَكَأَنِّي من الْهم واركبافجاج الموامي الغبر فِي النوب الغبر
إِلَى ملك من عامرٍ لَو تمثلتمناقبه أغنت عَن الأنجم الزهر
إِذا نَحن أثنينا عَلَيْهِ تلفتتإِلَيْهِ المطايا مصغياتٍ إِلَى قتر
وَفَوق سَرِير الْملك من آل صَالحفَتى وَلدته أمه لَيْلَة الْقدر
فَتى وَجهه أبهى من الْبَدْر منْظرًاوأخلاقه أشهى من المَاء وَالْخمر
مِنْهَا من الطَّوِيل
أَبَا صَالح أَشْكُو إِلَيْك نوائباًعرتني كَمَا يشكو النَّبَات إِلَى الْقطر
لتنظر نحوي نظرةً لَو نظرتهاإِلَى الصخر فجرت الْعُيُون من الصخر
مِنْهَا من الطَّوِيل
وَفِي الدَّار خَلْفي صبيةٌ قد تَركتهميطلون إطلال الْفِرَاخ من الوكر
جنيت على روحي بروحي جِنَايَةفأثقلت ظَهْري بِالَّذِي خف من ظَهْري
فَهَب هبة يبْقى عَلَيْك ثناءهابَقَاء النُّجُوم الطالعات الَّتِي تسري
قَالَ أُسَامَة بن مُرشد بن عَليّ بن مُقلَّد بن نصر بن مُنقذ فَلَمَّا فرغ من إنشادها أحضر الْأَمِير أَسد الدولة القَاضِي وَالشُّهُود وَأشْهد على نَفسه بِتَمْلِيك ابْن أبي حَصِينَة ضيعتين من ملكه لَهما ارتفاعٌ كبيرٌ وَأَجَازَهُ وَأحسن إِلَيْهِ فأثرى وتمول
وَمن شعر ابْن أبي حَصِينَة من الطَّوِيل
وَلما وقفنا للوداع وقلبهاوقلبي يبثان الصبابة والوجدا
)
بَكت لؤلؤا رطبا وفاضت مدامعيعقيقاً فَصَارَ الْكل فِي نحرها عقدا
وَمِنْه من الْكَامِل
مَا بَال شمس الْحَيّ ذَات شماسٍلما رَأَتْ وضح المشيب براسي
يَا هَذِه لَو كنت جد شفيقةٍلرثيت لي مِمَّا أَبيت أقاسي
لَكِن فُؤَادك مثل فودك فاحمٌوكذاك قَلْبك مثل قَلْبك قَاس
وَمِنْه من الطَّوِيل
أما وَالَّذِي حج الملبون بَيتهفَمن ساجدٍ لله فِيهِ وَرَاكِع
لقد جرعتني كأس بينٍ مريرةًمن الْبعد سلمى بَين تِلْكَ الأجارع
وحلت بِأَكْنَافِ الغضا فَكَأَنَّمَاحشت ناره بَين الحشا والأضالع
وَلما امتدح أَبُو الْفَتْح بن أبي حَصِينَة نصر بن صالحٍ بحلب قَالَ لَهُ تمن فَقَالَ
أَتَمَنَّى أَن أكون أَمِيرا فَجعله أَمِيرا يجلس مَعَ الْأُمَرَاء ويخاطب بالأمير وقربه وَصَارَ يحضر مَجْلِسه فِي زمرة الْأُمَرَاء ثمَّ وهبه أَيْضا مَكَانا بحلب قبلي حمام الواساني فعمرها دَارا وزخرفها وعرضها وتمم بنيانها وكمل حَالهَا وَنقش على دائر الدرابزين من السَّرِيع
دارٌ بنيناها وعشنا بهَافِي دعةٍ من آل مرداس
قومٌ محوا بؤسي وَلم يتْركُواعَليّ فِي الْأَيَّام من باس
قل لبني الدُّنْيَا أَلا هَكَذَافَلْيفْعَل النَّاس مَعَ النَّاس
وَلما تَكَامل عمل الدَّار عمل دَعْوَة وأحضر إِلَيْهَا نصر بن صَالح فَلَمَّا أكل الطَّعَام وَرَأى حسن بِنَاء الدَّار ونقوشها وَقَرَأَ الأبيات قَالَ يَا أَمِير كم خسرت على بِنَاء الدَّار فَقَالَ يَا مَوْلَانَا مَا لي علم بل هَذَا الرجل تولى عمارتها فَسَأَلَ ذَلِك المعمار فَقَالَ غرم عَلَيْهَا ألفي دينارٍ مصرية فأحضر لَهُ من سَاعَته ألفي دِينَار مصرية وثوب أطلسٍ وعمامةً مذهبَة وحصاناً بطوق ذهب وسحب ذهب وسرفسار ذهب وَقَالَ لَهُ من السَّرِيع
قل لبني الدُّنْيَا أَلا هَكَذَافَلْيفْعَل النَّاس مَعَ النَّاس
وَبعد أَيَّام حضر رجلٌ من أهل المعرة ينبز بالزقوم كَانَ من أراذلها وَفِيه رجلة فَطلب خبز جندي فَأعْطِي ذَلِك وَجعل من أجناد المعرة فَلَمَّا وصل نظم أَحْمد بن مُحَمَّد الدويدة المعري من الْكَامِل)
أهل المعرة تَحت أقبح خطةوبهم أَنَاخَ الْخطب وَهُوَ جسيم
لم يَكفهمْ تأمير ابْن حصينةٍحَتَّى تجند بعده الزقوم
يَا قوم قد سئمت لذاك نفوسنايَا قوم أَيْن التّرْك أَيْن الرّوم
فاشتهرت الأبيات بالمعرة وحلب فَسَمعَهَا الْأَمِير أَبُو الْفَتْح فَعبر على بَاب ابْن الدويدة وَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ وَيلك يَا ابْن الدويدة هجوتني وَالله مَا بِي من هجوي مثل مَا بِي كونك قرنتني إِلَى الزقوم فَضَحِك ابْن الدويدة وَقَالَ الْآن وَالله كَانَ عِنْدِي الزقوم وَقَالَ وَالله مَا بِي من الهجو مَا بِي من كونك قرنتني بِابْن أبي حَصِينَة فَقَالَ لَهُ قبحك الله وَهَذَا هجو ثانٍ
وَهَذَا الْأَمِير أَبُو الْفَتْح شَاعِر وَولده الْأَمِير أَبُو الذواد المفرج بن الْحسن شاعرٌ أَيْضا وَسَيَأْتِي ذكره فِي حرف الْمِيم فِي مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع