من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن وهبون المرسي
عبد الْجَلِيل بن وهبون أَبُو مُحَمَّد الملقب بالدمعة المرسي قَالَ ابْن بسام فِي تَرْجَمته شمس الزَّمَان وبدره وسر الْإِحْسَان وجهره ومستودع الْبَيَان ومستقره أحد من أفرغ فِي وقتنا فنون الْمقَال فِي قوالب السحر الْحَلَال وَقيد شوارد الْأَلْبَاب بأرق من ملح العتاب وأروق من غفلات الشَّبَاب وكورة تدمير أفقه الَّذِي مِنْهُ طلع وعارضه الَّذِي مِنْهُ لمع
اجتاز بالمرية فِي بعض رَحْله الشرقية وملكها يَوْمئِذٍ أَبُو يحيى ابْن صمادح فاهتز لعبد الْجَلِيل واستدعاه وَعرض لَهُ بجملة وافرة من عرض دُنْيَاهُ فَلم يعرج على ذَلِك وارتحل عَن بَلَده وَقَالَ فِي ارتجال الطَّوِيل
دنا الْعِيد لَو تَدْنُو بِهِ كعبة المنىوركن الْمَعَالِي من ذؤابة يعرب
فيا أسفا للشعر ترمى جمارهوَيَا بعد مَا بَين المنى والمحصب
وَمن عَجِيب مَا اتّفق أَن عبد الْجَلِيل وَأَبا إِسْحَاق بن خفاجة تصاحبا فِي طَرِيق مخوف فمرا بعلمين وَعَلَيْهِمَا رأسان كَأَنَّهُمَا بسر متناجيان فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الطَّوِيل
أَلا رب رَأس لَا تزاور بَينهوَبَين أَخِيه والمزار قريب
أناف بِهِ صلد الصَّفَا فَهُوَ مِنْبَروَقَامَ على أَعْلَاهُ فَهُوَ خطيب
فَقَالَ عبد الْجَلِيل الطَّوِيل
يَقُول حذاراً لَا اغترار فطالماأَنَاخَ قَتِيل بِي وَمر سليب
فَمَا أتم قَوْله حَتَّى لَاحَ لَهما قتام سَاطِع كَأَن السيوف فِيهِ برق لامع فَمَا تجلى إِلَّا وَعبد الْجَلِيل قَتِيل وَابْن خفاجة سليب فَكَأَنَّمَا كشف لَهُ فِيمَا قَالَ ستر الْغَيْب وَمن شعره يمدح الْمُعْتَمد الْبَسِيط)
بيني وَبَين اللَّيَالِي همة جلللَو نالها الْبَدْر لاستخزى لَهُ زحل
سراب كل يباب عِنْدهَا شنبوهول كل ظلام عِنْدهَا كحل
من أَيْن أبخس لَا فِي ساعدي قصرعَن المساعي وَلَا فِي مقولي خطل
ذَنبي إِلَى الدَّهْر إِن أبدي تعنتهذَنْب الحسام إِذا مَا أحجم البطل
يَا طَالب الوفر إِنِّي قُمْت أطلبهاعلياء تعيا بهَا الأسماع والمقل
لَا كَانَ للعيش فضل لَا أَجود بِهِيَكْفِي المهند من أسلابه الْخلَل
لَكِن بخلت بِأَنْفَاسِ مهذبةتروي الْعُقُول وَهن الْجَمْر والشعل
وَإِن وصفت فكاليوم الَّذِي عرفتمِنْك الفرنجة فِيهِ كنه مَا جهلوا
وَقد دلفت إِلَيْهِم تَحت خافقةقلب الضَّلَالَة مِنْهَا خَائِف وَجل
فراعهم مِنْك وضاح الجبين وَعَنبشر الحسام يكون الْخَوْف والوهل
وَحين أسمعت مَا أسمعت من كلمتمثلت لَهُم الْأَعْرَاب وَالْحلَل
وَكلما نفحت ريح الْهدى خمدتدِمَاؤُهُمْ وسيوف الْهِنْد تشتعل
أشباه مَا اعتقلوه من ذوائبهمفالحرب جاهلة من مِنْهُم الأسل
لَوْلَا اعتراضك سرا بَين أَعينهملَكَانَ يفرق مِنْهَا السهل والجبل
أنسيتها النّظر الشزر الَّذِي عهِدتفَكل عين بهَا من دهشة قبل
تنزلوا آل عباد فربتمالم يدْرك الْوَصْف مَا تأتون والمثل
إِذا أسرتم فَمَا فِي أسركم قنطوَإِن عفوتم فَمَا فِي عفوكم خلل
يقبل الغل مرتاحاً أسيركمفَهُوَ البشير لَهُ أَن تسحب الْحلَل
جَيش فوارسه بيض كأنصلةوخيله كالقنا عسالة ذبل
وَمن شعر عبد الْجَلِيل الْكَامِل
ناهضتهم والبارقات كَأَنَّهَاشعل على أَيْديهم تتلهب
ووقفت مشكور الْمَكَان كريمهوَالْبيض تطفو فِي الْغُبَار وترسب
مَا إِن ترى إِلَّا توقد كَوْكَبمن قونس قد غَابَ فِيهِ كَوْكَب
فمجدل ومزمل وموسدومضرج ومضمخ ومخضب
سلبوا وأشرقت الدِّمَاء عَلَيْهِممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
)
وَلَو أَنهم ركبُوا الْكَوَاكِب لم يكنلمجدهم من حد بأسك مهرب
وَمِنْه الطَّوِيل
قتلت بني الْأَيَّام خَبرا فباطنيمشيب وَمَا يَبْدُو عَليّ شباب
وَلما رَأَيْت الزُّور فِي النَّاس فاشياًتحيل لي أَن الشَّبَاب خضاب
وَمِنْه الْكَامِل
للدهر عِنْدِي فِي جنابك لَيْلَةوضاحة الأقطار والجنبات
لَو أَنَّهَا يَوْم الْحساب صحيفَةفِي راحتي لضقت بِالْحَسَنَاتِ
وَمِنْه المتقارب
بِنَفس وَإِن كنت لَا نفس ليفقد سلبتها لحاظ الْمقل
عذار وخد كَمَا يحتويسَواد الْقُلُوب بَيَاض الأمل
وَمِنْه قَوْله أَيْضا فِي مغنية لابسة حليا الْبَسِيط
إِنِّي لأسْمع شدوا لَا أحققهوَرُبمَا كذبت فِي سَمعهَا الْأذن
مَتى رأى أحد قبلي مطوقةإِذا تغنت بلحن جاوب الفنن
وَمِنْه الطَّوِيل
يعز على العلياء أَنِّي خاملوَأَن أَبْصرت مني خمود شهَاب
وَحَيْثُ ترى زند النجابة وارباًفثم ترى زند السَّعَادَة كابي
وَمِنْه الْكَامِل
زَعَمُوا الغزال حَكَاهُ قلت لَهُم نعمفِي صده عَن عاشقيه وهجره
قَالُوا الْهلَال شبيهه فأجبتهمإِن كَانَ قيس إِلَى قلامة ظفره
وَكَذَا يَقُولُونَ المدام كريقهيَا رب لَا علمُوا مذاقة ثغره
وَمِنْه السَّرِيع
وبركة تزهى بنيلوفرنسيمه يشبه ريح الحبيب
حَتَّى إِذا اللَّيْل دنا وقتهومالت الشَّمْس لحين الْغُرُوب
أطبق جفنيه على إلفهوغاص فِي المَاء حذار الرَّقِيب
وَأنْشد الْمُعْتَمد يَوْمًا قَول أبي الطّيب الطَّوِيل)
إِذا ظَفرت مِنْك الْعُيُون بنظرةأثاب بهَا معيي الْمطِي ورازمه
فَجعل يردده اسْتِحْسَانًا لَهُ فَقَالَ عبد الْجَلِيل بديهاً الطَّوِيل
لَئِن جاد شعر ابْن الْحُسَيْن فَإِنَّمَاتجيد العطايا واللهى تفتح اللها
تنبأ عجبا بالقريض وَلَو درىبأنك تروي شعره لتألها
فَأمر لَهُ بِمِائَتي دِينَار
وَأرْسلت البزاة يَوْمًا بَين يَدَيْهِ واستحث الشُّعَرَاء فِي وصفهَا فَقَالَ عبد الْجَلِيل الْكَامِل
للصَّيْد قبلك سنة مأثورةلَكِنَّهَا بك أعجب الْأَشْيَاء
تمْضِي البزاة وَكلما أمضيتهاعارضتها بخواطر الشُّعَرَاء
وَجلسَ الْمُعْتَمد يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ جَارِيَة تسقيه فخطف الْبَرْق فارتاعت فَقَالَ السَّرِيع
روعها الْبَرْق وَفِي كفهابرق من القهوة لماع
عجبت مِنْهَا وَهِي شمس الضُّحَىكَيفَ من الْأَنْوَار ترتاع
ثمَّ أنْشد الأول لعبد الْجَلِيل واستجازه فَقَالَ السَّرِيع
وَلنْ ترى أعجب من آنسمن مثل مَا يمسك يرتاع
وَمن شعر عبد الْجَلِيل الوافر
غزال يستطاب الْمَوْت فِيهِويعذب فِي محاسنه الْعَذَاب
يقبله اللثام هوى وشوقاًويجني ورد خديه النقاب
وَمِنْه الطَّوِيل
سقى فسقى الله الزَّمَان من أَجلهبكأسين من لميائه وعقاره
وَحيا فَحَيَّا الله دهراً أَتَى بِهِبأطيب من ريحانه وعراره
وَلما ركب الْمُعْتَمد الْبَحْر قَالَ ابْن وهبون الْبَسِيط
أحَاط جودك بالدنيا فَلَيْسَ لَهُإِلَّا الْمُحِيط مِثَال حِين يعْتَبر
وَمَا حسبت بِأَن الْكل يحملهُبعض وَلَا كَامِلا يحويه مُخْتَصر
كَأَنَّمَا الْبَحْر عين أَنْت ناظرهاوكل شط بأشخاص الورى شفر
وَكَانَ للمعتمد أستاذ يُسمى خَليفَة فَأمره أَن يَأْتِي بنبيذ فَأخذ وعَاء يُسمى القمصال فجَاء إِلَيْهِم فعثر وَوَقع القمصال فانكسر وَمَات الْأُسْتَاذ فَأخْبر الْمُعْتَمد بذلك فَقَالَ الوافر)
أنأمن والحياة لنا مخيفةونفرح والمنون بِنَا مطيفه
فَقَالَ ابْن عمار
وَفِي يَوْم وَمَا أَدْرَاك يومٌمضى قمصالنا وَمضى خليفه
فَقَالَ ابْن وهبون
هما فخارتا رَاح وريحتكسرتا فاشقاف وجيفه
واجتاز ابْن وهبون يَوْمًا على فرن وَيَده فِي يَد فَتى يُسمى ربيعاً فَقَالَ لَهُ صف هَذَا الفرن فَقَالَ الْخَفِيف
رب فرن رَأَيْته يتلظىوربيع مخالطي وعقيدي
قَالَ شهه قلت صدر حسودخالطته مَكَارِم الْمَحْسُود
وَهُوَ الْقَائِل فِي رثاء ابْن عمار لما قَتله الْمُعْتَمد الْكَامِل
عجبا لَهُ أبكيه ملْء مدامعيوَأَقُول لَا شلت يَمِين الْقَاتِل
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع