من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن حمديس الصّقليّ
عبد الْجَبَّار بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن حمديس أَبُو مُحَمَّد الصّقليّ الشَّاعِر امتدح مُلُوك الأندلس بعد السّبْعين وَأَرْبع مائَة واختص بالمعتمد وامتدح بعده ملك إفريقية يحيى بن تَمِيم وَتُوفِّي سنة سِتّ عشرَة وَخمْس مائَة وَمن شعره الرمل
والثريا رجح الغرب بهَاكَابْن مَاء ضم للوكر جنَاح
وَكَأن الغرب مِنْهَا ناشقباقة من ياسمين أَو أقاح
وَكَأن الصُّبْح بالأنوار منظلم اللَّيْل على الظلماء صَاح
وَمِنْه الْبَسِيط
ومغرب طعنته غير نابيةٍأسنة هن إِن حققتها شهب
ومشرق كيمياء الشَّمْس فِي يَدهففضة المَاء من إلقائها ذهب
وَمِنْه الْبَسِيط
وَرب ليل سريناه وَقد طلعتبَقِيَّة الْبَدْر فِي أولى بشائره
كَأَنَّمَا أدهم الإظلام حِين نجامن أَشهب الصُّبْح ألْقى نعل حَافره
وَمِنْه الطَّوِيل
ووردية فِي اللَّوْن والفوح شعشعتفأبدت نجوماً فِي شُعَاع من الشَّمْس
نفيت هموم النَّفس مِنْهَا بشربةٍدَبِيب حمياها يدق عَن الْحس
كَأَن يَدي من فضَّة فَإِذا حوتزجاجتها عَادَتْ مذْهبه الْخمس
وَمِنْه الْكَامِل
حَمْرَاء يشرب الأنوف سلافهالطفاً مَعَ الأسماع والأحداق
بزجاجة صور الفوراس نقشهافترى لَهَا حَربًا بكف الساقي
)
وكأنما سفكت صورامها دَمًالبست بِهِ غرقاً إِلَى الْأَعْنَاق
وَكَأن للكاسات حمر غلائلأزرارها دُرَر على الأطواق
وَمِنْه فِي وصف فرس الْكَامِل
يجْرِي ولمع الْبَرْق فِي آثارهمن كَثْرَة الكبوات غير مُفِيق
ويكاد يخرج سرعَة من ظلهلَو كَانَ يرغب فِي فِرَاق رَفِيق
وَمِنْه الْبَسِيط
يرْعَى الرعايا بِعَين من حفيظتهويبسط الْعدْل مِنْهُ لين قَاس
كَأَن سُورَة كسْرَى عِنْد سورتهسُكُون صُورَة كسْرَى وَهِي فِي الكاس
وَمِنْه فِي الذُّبَاب الَّذِي يَقع على الْإِبِل الْبَسِيط
ومودع فِي المطايا لسعة حمةفيزعج الرّوح مسراها من الْجَسَد
يحك من دَمهَا القاني يدا بيدكَمَا تحك بحناء يدا بيد
يغشى السوام مناقيراً فتحسبهامباضعاً مدميات كل مفتصد
وَمِنْه فِي وصف الْإِبِل فِي الْمسير الْبَسِيط
وداخلات على بهماء سبسبهابِكُل خرق عريق فِي العلى ندس
كَأَنَّهَا وَهِي ترمي المقفرات بهممن الوجيف نبال والهزال قسي
مثل الحواجب لاذت وَهِي ظامئةبأعين بالفلا مطموسة درس
من ذَا يَقُول ولج الْآل يحملهاإن السَّفِينَة لَا تجْرِي على يبس وَمِنْه الْبَسِيط
حرر لمعناك لفظا كي تزان بِهِوَقل من الشّعْر سحرًا أَو فَلَا تقل
فالكحل لَا يفتن الْأَبْصَار منظرهحَتَّى يصير حَشْو الْأَعْين النجل
وَمِنْه فِي الشيب مخلع الْبَسِيط
ولي شَبَابِي وراع شيبيمني سرب المها وفضه
كَأَنَّمَا الْمشْط فِي يَمِينييجر مِنْهُ خيوط فضه
وَمِنْه الوافر
وَقد سكرت صعاد الْخط حَتَّىتأود كل لدن مُسْتَقِيم
)
وَمَا شربت سوى خمر التراقيوَلَا نشقت سوى ورد الكلوم
وَمِنْه الْكَامِل
والروع تثقل بالردى ساعاتهوتخف بالأبطال فِي الضمر
نكص النَّهَار بِهِ على أعقابهحَتَّى حسبت الشَّمْس فِيهِ تكور
وَالنَّقْع مِنْهُ دجنة لَا تنجليوَالصُّبْح مِنْهُ ملاءة لَا تنشر
وَمِنْه السَّرِيع
قُم هَاتِهَا من كف ذَات الوشاحفقد نعى اللَّيْل بشير الصَّباح
واحلل عرى نومك من مقلةتمقل أحداقاً مراضاً صِحَاح
خل الْكرَى عَنْك وَخذ قهوةتهدي إِلَى الرّوح نسيم ارتياح
باكر إِلَى اللَّذَّة واركب لَهَاسوابق اللَّهْو ذَوَات المراح
من قبل أَن ترشف شمس الضُّحَىريق الغوادي من ثغور الأقاح
وَمِنْه الطَّوِيل
كَأَنَّك لم تجْعَل قناك مراوداتشق من اللَّيْل البهيم مآقيا
وَلم تزد الإظلام بالنقع ظلمَةإِذا بيض الإصباح مِنْهُ حواشيا
وَمِنْه القصيدة الْمَشْهُورَة المتقارب
قَضَت فِي الصِّبَا النَّفس أوطارهاوأبلغها الشيب إنذارها
نعم وَأحلت قداح الْهوىعَلَيْهَا فقسمن أعشارها
وَمَا غرس الدَّهْر فِي تربةغراساً وَلم يجن أثمارها
فأفنيت فِي الْحَرْب آلاتهاوأفنيت فِي السّلم أَوزَارهَا
كميتاً لَهَا مرح بالفتىإِذا حث باللهو أدوارها
ينازلها الكوب من دنهافتحسبه كَانَ مضمارها
وساقية زررت كفهاعلى عنق الظبي أزرارها
تدير بياقوتة درةفتغمس فِي مَائِهَا نارها
وفتيان صدق كزهر النُّجُومكرام النحائز أحرارها
يديرون رَاحا تفيض الكؤوسعلى ظلم اللَّيْل أنوارها
)
كَأَن لَهَا من نَسِيج الْحبابشباكاً تعقل أطيارها
وراهبة أغلقت ديرهافَكُنَّا مَعَ اللَّيْل زوارها
هدَانَا إِلَيْهَا شذا قهوةتذيع لأنفك أسرارها
فَمَا فَازَ بالمسك إِلَّا امْرُؤتيَمّم دارين أَو دارها
كَأَن نوافجه عِنْدهَادنان مضمنة قارها
طرحت بميزانها درهميفسيل فِي الكاس دينارها
خَطَبنَا بَنَات لَهَا أَرْبعاليفترع اللَّهْو أبكارها
تريك عرائسها أيدياً طوَالًاتصافح أخصارها
من اللأى أَعمار زهر النُّجُومتكَاد تطاول أعمارها
تفرس فِي طيبها شمهامجيد الفراسة فاختارها
فَتى دارس الكاس حَتَّى درىعصير الْخُمُور وأعصارها
يعد لما شِئْت من قهوةسنيها وَيعرف خمارها
وعدنا إِلَى هَالة أطلعتعلى قضيب البان أقمارها
نفى ملك اللَّهْو عَنَّا الهموموَلَو ثرن قتل ثوارها
وَقد سكنت حركات الأسىقيان تحرّك أوتارها
فهذي تعانق لي عودهَاوَتلك تقبل مزمارها
وراقصة لقطت رجلهَاحِسَاب يَد نقرت طارها
وقضب من الشمع مصفرةتريك من النَّار نوارها
كَأَن لَهَا عمدا صففتوَقد وزن الْعدْل أقطارها
تقل الدياجي على هامهاوتهتك بِالنورِ أستارها
كأنا نسلط آجالهاعَلَيْهَا فتمحق أعمارها
ذكرت صقلية والأسىيهيج للنَّفس تذكارها
ومنزلة للصبا قد خلتوَكَانَ بَنو الظّرْف عمارها
فَإِن كنت أخرجت من جنَّةفَإِنِّي أحدث أَخْبَارهَا
وَلَوْلَا ملوحة مَاء الْبكاءحسبت دموعي أنهارها
)
ضحِكت ابْن عشْرين من صبوةبَكَيْت ابْن سِتِّينَ أَوزَارهَا
فَلَا تعظمن عَلَيْك الذُّنُوبإِذا كَانَ رَبك غفارها
قلت كَذَا فَلْيَكُن الشّعْر عذوبة وانسجاماً وَتمكن قواف وَحسن تَشْبِيه ولطف اسْتِعَارَة وغوصاً على الْمعَانِي
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع