من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
القَاضِي الْفَاضِل (٢)
الصفحة ٢ من ٢
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن القاضي الفاضل؟
)
وَأعظم حسرة أَنِّي بدائيأَمُوت وَفِي فُؤَادِي مِنْهُ حسره
لقد جمع الْإِلَه لناظريهبنضرة خَدّه مَاء وخضره
وحمرته بِمَاء الْعين تذكىوَمَا جَفتْ بهَا للشعر زهره
فإبريق المدام بريق فِيهِوَلم أشْرب فَكيف وجدت سكره
وَعِنْدِي أَنه لبن وخمروَقَالَ حسوده مَاء وجمره
يروع قرطه من بعد مهوىفَإِن يرعد فقد أبديت عذره
وَلَوْلَا جوره مَا كَانَ ظلمايغلظ ردفه ويرق خصره
وَلَوْلَا بخله مَا كَانَ نظميلَهُ شفتان تستلمان ثغره
وأعجب من ذبولهما ظماءوَقد منعا الورى من ورد خمره
سقا روض العقيق بِفِيهِ خمروَقد زَان الْبيَاض سَواد طره
سقا روض العقيق بِفِيهِ خمروَكَانَ النبت بعد السَّقْي دره
فيا شمساً تبدت لي عشَاءوَيَا قمراً وَلَيْسَ يغيب بكره
إِذا استخدمت فِي الأفكار سريوَمَا أطلقت لي بالوصل أجره
وَقد ضمن اغترامي عَنْك صبريوَكم من ضَامِن يبْلى بكسره
وَلم أره على الْأَيَّام إِلَّاعقدت محبَّة وحللت صره
وَلَا عاتبته إِلَّا ثناهعلى الغيظ وَهُوَ عَليّ شفره
وَلَا استمطرت سحب الْعين إِلَّابقيت بأدمعي فِي الشَّمْس عصره
بَكَيْت عَلَيْك يَا مولَايَ حَتَّىصرعت وَلَيْسَ فِي عَيْني قطره
وَكم زمن نواصله وَكُنَّانقُول لذاك كَيفَ قطعت شعره
صببت عَلَيْهِ لما زَاد دمعيفَأنكرهُ فَقلت المَاء نثره
وخوفني من الأوزار فِيهِوَمن لمحبه لَو نَالَ وزره
وحلمني هَوَاهُ فصرت فِيهِأسامح كل من لحقته ضجره
بدا بَدْرًا جلاه ليل شعروَقد أهْدى لَهُ الشَّفق المزره
وَجُمْلَة مَا أُرِيد بِأَن يرانيمَكَان الْخَيط مِنْهُ وَهُوَ إبره
فَقلت لَهُ وَقد أحرقت جسميوَأَنت بِهِ فَكيف سكنت سره
)
فَلَو قبلتني وَقبلت منيفَقَالَ أَخَاف بعد الْحَج عمره
تميدن خَدّه من وَقع لثميوصولح صُدْغه وَالْخَال أكره
إِذا عاينته وبدا رقيبيفيا لَك حمرَة نسجت بصفره
أَرَانِي كنت فِي وَطن التصابيوأشعار المشيب دَلِيل سَفَره
وَمَا أخصبت يَا نور الأقاحيوَإِن أجدبتني إِلَّا لمطره
وينهرني نَهَار الشيب زجراوليل شبيبتي قد كَانَ ستره
وَإِن رابتك أقوالي فَإِنِّيحملت وقاره وحملت وقره
وَلَيْسَ يجوز الْأَيَّام إِلَّا التخيل والتخيل للمسرة
وخل لَا يخل بِشَرْط وديوَلَا يُبْدِي لعينك وَجه عذره
وَبَعض الْحلم فِي الْأَوْقَات جهلويعجبني الْحَلِيم وَلَو بمره
وَكم قد مر فِي سَمْعِي ملامأخذت لبابه وَتركت قشره
وَمَا فِي الأَرْض أشعر من أديبيَقُول الشّعْر فِي البخلاء سَخَّرَهُ
يروقني الْكَرِيم وَلَو بفلسوَلَا أَهْوى الْبَخِيل وَلَو ببدره
وكل مذاقة تحلو وتحلىسوى طعم السُّؤَال فَمَا أمره
مَرَرْت على حطام من حطامويملكني الصّديق بِحسن عشره
وَأما سوء حظي من صديقيفَذَاك من الرسوم المستقره
حفظت عهوده وأضاع عهديوَلم يَك لي بطرق الْغدر خَبره
وَكم آمنته خدعي ومكريوَلم آمن خديعته ومكره
بذلت لَهُ على العلات خيريوَلَكِن مَا كفاني الله شَره
وَمَا أدخلت نَار الهجر قلباًبَقِي من حبه مِثْقَال ذره
سترجعه لي الْأَيَّام طَوْعًاوتعطفه التجارب وَهُوَ مكره
لي الثِّقَة الَّتِي مَلَأت يَمِينيمن الثِّقَة الَّذِي أمليت شكره
أَذمّ الدَّهْر من ذمِّي بمدحيوذم خَلِيله من ذمّ دهره
رَبِّي رئاسة وَأبي نفسوَرَأس سيادة وَأمين حَضَره
من الْقَوْم الَّذين لَهُم حَدِيثإِذا نشر استطاب الْمسك نشره
)
وُجُوه رئاسة لَهُم وُجُوهوَستر الْجُود فِي تِلْكَ الأسره
تفانوا فِي سَبِيل الْمجد لَكِنلَهُم ذكر أَطَالَ الله عمره
لقد أحببته سلفا رميماًفَعَاد لأثره فِي الْمجد أَثَره
وَمَا أخْشَى عَلَيْك عثار سبقأيخشى نير الْآفَاق عثره
وعثر السَّمْح لمح فارتقبهاحظوظاً أَبْطَأت لتجي بكثره
وَقد تتضاعف الأنواء جداإِذا الأقمار كَانَت مستسره
وللأيام فِي الحكم اخْتِلَافوهم عَشِيَّة يمحى ببكره
فيا من سره مني قصوريإِذا الْمَسْبُوق يُوضح مِنْك عذره
حسبت كِتَابه خداً صقيلاًذكرت عذاره فلثمت سطره
وَشعر مَا حسبت أخف روحاًوأثقب زهرَة وأغض زهره
جلاه عَليّ فِي أَثوَاب ليلِيفابصر مِنْهُ ليل الْهم فجره
وفجرت البلاغة مِنْهُ بحراًأردْت عبوره فَخَشِيت عبره
إِذا غرق امْرُؤ فِي سيف بَحرفَلَا تذكر على شفتيك قَعْره
ألذ من الرِّضَا من بعد سخطوأعذب من وصال بعد هجره
وَكم من شَاعِر إِن قَالَ بَيْتاحكى مَيتا وَكَانَ الطرس قَبره
قَلِيل اللَّفْظ لَكِن فِي الْمعَانِيإِذا حصلتها بِالنَّقْدِ كثره
وَيُؤْنس ثمَّ يؤيس مثل بَحرترَاهُ فيستهين الْغمر غمره
وَفِي شعر الورى غر ودهموَهَذَا كل بَيت مِنْهُ غره
قواف شاردات طالعاتلإمرة قَادر لم تعص أمره
وَجئْت بهَا على قدر فَجَاءَتترينا مِنْك فِي التَّقْدِير قدره
وَلَيْسَ كمن يُغير على الْمعَانِيفَإِن ظهر ادّعى بِالنَّقْدِ غره
رَقِيق الطَّبْع مرهفه فَأَماخواطره فَمثل السَّيْف خطره
وَقد عرف الْأُمُور وعرفتهفَصَارَ لَهُ بعقبى الْأَمر خَبره
وَمَا يخفي غناهُ عَن صديقولكن مَا أرَاهُ أرَاهُ فقره
جَزَاك الله خيرا عَن صديقبتَخْفِيف الأسى أثقلت ظَهره
)
عرائس يجتليها وَجه نقديفتنقد من صفاء الود مهره
لَئِن سهلت لقد صعبت وأضحتكروض دونه الطرقات وعره
فَلَا تَعْتَد كل النّظم شعرًافتحسب كل سُودًا مِنْهُ تمره
تعلة حَاضر ونشيد سفرومرشف ناهل وأنيس فقره
تخْفض فَتْرَة الأفكار عنيوَكم دبت لَهَا بالسكر فتره
فَخذهَا بنت لَيْلَتهَا ارتجالاًوَلَكِن أَصبَحت شَمْطَاء سحره
لَئِن طَالَتْ لقد طابت وراقتعلى نظر الخواطر حسن نظره
وسارت أَو غَدَتْ للنجم نجماًفطيرها وأوقع ثمَّ نسره
تعرفنِي إِلَيْهِ وَلَا أرَاهُوتعقد لي من الْفُضَلَاء أسره
عقائل سنّ شرع الشّعْر أَنِّيأَب من شَاءَ كنت بِهن صهره
ملكت قيادها بِيَمِين فكريوَلَقَد عتقت لوجه الْمجد حره
أَطَالَ الله عمرك فِي سعودتجر ذيولها فَوق المجره
سَأَلَ شرف الدّين شيخ الشُّيُوخ عبد الْعَزِيز الْأنْصَارِيّ الْحَمَوِيّ بعض أَصْحَابه مُعَارضَة هَذِه القصيدة فَقَالَ ارتجالاً الوافر
لعَيْنِي كل يَوْم فِيك عبرهتصيرني لأهل الْعِشْق عبره
فعسجد جفنها لَا نقص فِيهِوَكم جهزت مِنْهُ جَيش عسره
إِذا غفل الوشاة أسلت دمعيفيغدو مُرْسلا فِي وَقت فتره
زِيَادَة صبوتي نقصت ملاميوكفت زيده عني وعمره
عَلامَة شقوتي فِي الْحبّ أَنِّيثقلت عَلَيْك لَا من طول عشره
ووتر الْوَصْل لم يشفع بثانوهجرك زمرة من بعد زمره
وجفنك أكحل من غير كحلوخدك أَحْمَر من غير حمره
وصبري عَنْك لَيْسَ لَهُ وجودووجدي فِيك لَا أحصيه كثره
وَبَيت الْحزن بَيْتِي حِين تنأىوَحين تزوره دَار المسره
وَقَالُوا كم ترى غَضْبَان رَاضفَقلت رضيت زنبوراً وتمره
سألزم بَاب خمار الثناياليطلق لي وَلَو فِي الْعُمر سكره
)
وقدماً كنت مَسْتُورا إِلَى أَنلبست من الخلاعة ثوب شهره
أَطَعْت غوايتي وعصيت رشد الناصحمرّة من بعد مره
وَمَا تنقى من الأدناس نَفسِيوَلَو غسلت بصابون المعره
وأعجب حادثات الدَّهْر أَنِّيأحاول طَاعَة فتعود حسره
وأطمع فِي خلاص يَوْم بعثيوَمَا أخلصت فِي مِثَال ذره
وَقد نظمت أَنا قصيدة على هَذَا الْوَزْن وَهَذَا الروي وَهِي مثبتة فِي الْجُزْء الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ من التَّذْكِرَة الَّتِي لي وَقد رَأَيْت للْقَاضِي الْفَاضِل رَحمَه الله تَعَالَى موشحة عارضها جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين وَقد تقدم ذَلِك فِي تَرْجَمَة أَحْمد الْموصِلِي وَهِي المجتث
من لي بِهِ بدر كلهقد حَاز قلبِي كُلهفَهَل ترى نتعززوالعز فِي الْحبّ ذله
رضيت فِيهِ مصابيفَمَا على النَّاس مني
وراحتي فِي عَذَابيفَلَو مضى ذَاك عني
لاشتاق قلبِي لما بِيفَهَل علمْتُم بِأَنِّي
أمسيت أحمل مقلة من الْمَنَام مقلة لَو زارها الطيف اعورنوم يكون مَحَله
مزجت مِنْهُ كؤوساًتجلو الدجى بشعاع
إِذا تجلت شموساًوَقَامَ للهو دَاع
فالروض يجلي عروساًقد سورت لشجاع
أشجارها مثل كلهفالروض مطرح بذلهله من النَّهر فروزفانظر إِلَى صفة الله
قد جدد الله سَعْداللْملك من آل سعد
بأنفس الْخلق تفدىوَإِن أَبَوا كنت وحدي
سيوفه لَيْسَ تصدىوَلَا تقر بغمد
مَا زَالَ دون المظلة يجلو الخطوب المظلةفنونها قد تطرزبالنصر مذ سل نصله
تثني عَلَيْهِ الأسنةبِمَا يَقُول وَيفْعل
وَجه يجلي الدجنةفِي كَفه النَّار تشعل
فِي نظرة مِنْهُ حملهعلى الجيوش المطلةبِجَيْش رأى مجهزيربى على ألف بغله
وغادة بنت عَنْهَافأضمرت لي وحشه
)
من غادة ذَاك مِنْهَاشدت للدمع رشه
بلوعة لم تبنهالَوْلَا تعرض دهشه
كم بَات عُصْفُور نخلهمع العصافير جملهوَبَات قلبِي مفرزوحدي وَمَا بَث مثله
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع