من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن أبي الإصبغ العدواني
عبد الْعَظِيم بن عبد الْوَاحِد بن ظافر بن عبد الله بن مُحَمَّد الأديب أَبُو مُحَمَّد ابْن أبي الإصبع العدواني الْمصْرِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور الإِمَام فِي الْأَدَب وشعره رائق عَاشَ نيفاً وَسِتِّينَ سنة
وَتُوفِّي بِمصْر فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وستماية وَمن شعره
تصدق بوصل إِن دمعي سَائلوزود فُؤَادِي نظرة فَهُوَ راحل
جعلتك بالتمييز نصبا لناظريفَلم لَا رفعت الهجر والهجر فَاعل
وَمِنْه
تخيل أَن الْقرن وافاه سَائِلًافعالجه طلق الأسرة بالبشر
ونادى فرند السَّيْف دُونك نَحرهفَأحْسن مَا تهدى اللآلي إِلَى النَّحْر
وَمِنْه
وَلما اعتنقنا رد دمعي لنحرهاوديعتها فَهِيَ اللآلي الَّتِي ترى
بَكت ورنت نحوي فَجرد لحظهامن الجفن سَيْفا بالدموع مجوهرا
وَمن قصيدة يمدح فِيهَا الْأَشْرَف
فضحت الحيا وَالْبَحْر جوداً فقد بَكَى الحَيا من حَيَاء مِنْك والتطم الْبَحْر
عُيُون مَعَانِيهَا صِحَاح وأعين الملاح مراض فِي لواحظها كسر
هِيَ السحر فأعجب لامرئ جَاءَ يَبْتَغِيعواطف من مُوسَى وصنعته السحر
قَالَ زكي الدّين ابْن أبي الْأَصْبَغ وَقع فِي هَذَا الْبَيْت سِتَّة عشر ضربا من البديع اتّفقت فِيهِ الِاسْتِعَارَة فِي عشر فِي افتضاح الحيا وبكائه وحيائه وَالْمُبَالغَة إِذْ جعلت الممدوح يفضح الحيا وَالْبَحْر بجوده وَالتَّفْسِير فِي قولي جوداً وَقَوْلِي من حَيَاء مِنْك والإغراق لما فِي جملَة القافية من زِيَادَة الْمُبَالغَة والترشيح بِذكر الاستعادة الأولى للاستعارة الثَّانِيَة والتجنيس بَين الحيا والحيا والتورية فِي قولي والتطم الْبَحْر والترشيح للتورية بِذكر الْبكاء فَإِن ذكره هُوَ الَّذِي رشح التورية وَصِحَّة التَّقْسِيم فِي حصر الْقسمَيْنِ اللَّذين يضْرب بهما الْمثل فِي الْجَوْدَة وَلَا ثَالِث لَهما والتصدير فِي كَون الْبَحْر مَذْكُورا فِي صدر الْبَيْت وَهُوَ قافيته وَالتَّعْلِيل فِي كَون الْعلَّة فِي بكاء الحيا والتطام الْبَحْر فضيحتهما بجوده والتسهيم فِي كَون صدر الْبَيْت يَقْتَضِي)
الْعَجز وَيدل عَلَيْهِ وَحسن النسق فِي كَون جمل الْبَيْت عطف بَعْضهَا على بعض أصح تَرْتِيب والإرداف لِأَنِّي عبرت عَن نِهَايَة جوده بفضوح الحيا وَالْبَحْر والتمثيل فِي كوني عبرت عَن عظم الْجُود ببكاء الحيا من الحيا والتطام الْبَحْر فَهَذَا مَا فِي تفاصيل الْبَيْت وَأما مَا فِي جمله فالمساواة لكَون لَفظه قالباً لمعناه وائتلاف لَفظه مَعَ مَعْنَاهُ فِي كَون أَلْفَاظ الْبَيْت متلائمة مختارة لَا يصلح مَوضِع كل لَفْظَة غَيرهَا وَلم يحصل فِيهِ من تعقيد السبك والتقديم وَالتَّأْخِير وَسُوء الْجوَار مَا يُوجب لَهُ الاستثقال والإيداع لكَون كل لَفْظَة من مفرداته تَتَضَمَّن نوعا أَو نَوْعَيْنِ من البديع وَمن شعر ابْن أبي الإصبع
من يذم الدُّنْيَا بظُلْم فَإِنِّيبطرِيق الْإِنْصَاف أثني عَلَيْهَا
وعظتنا بِكُل شَيْء لَو أَناحِين جدت بالوعظ من مصطفيها
وأرتنا الْوَجْهَيْنِ مِنْهَا فهمناللهوى بالفتان من وجهيها
نصحتنا فَلم نر النصح نصحاًحِين أبدت لأَهْلهَا مَا ليدها
أعلمتنا أم المَال يَقِيناللبلى حِين جددت عصريها
كم أرتنا مصَارِع الْأَهْل والأحباب لَو نستفيق بَين يَديهَا
وَلكم مهجة بزهرتها اغترت فأدمت ندامة كفيها
أتراها أبقت على سبأ منقبلنَا حِين بدلت جنتيها
يَوْم بؤس لَهَا وَيَوْم رخاءفتزود مَا شِئْت من يوميها
وتيقن زَوَال ذَاك وَهَذَاتسل عَمَّا ترَاهُ من حادثيها
دَار زَاد لمن تزَود مِنْهَاوغرور لمن يمِيل إِلَيْهَا
مهبط الْوَحْي والمصلى الَّتِي كمعفرت صُورَة بهَا خديها
متجر الْأَوْلِيَاء قد ربحواالْجنَّة فِيهَا وأوردوا عينيها
رغبت ثمَّ رهبت ليرىكل لَبِيب عقباه من حالتيها
فَإِذا أنصفت تعين أَن يثني عَلَيْهَا الْبر من ولديها
وَهَذِه الأبيات منظومة من كَلَام الإِمَام عليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي خطْبَة قَالَهَا وَهِي أَيهَا الذام للدنيا المغتر بغرورها بِمَ تذمها أَنْت المجرم عَلَيْهَا أم هِيَ المجرمة عَلَيْك مَتى استهوتك أم مَتى غرتك أبمصارع آبَائِك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تَحت الثرى كم عللت)
بكفيك وَكم مَرضت بيديك تبغي لَهُم الشِّفَاء وتستوصف لَهُم الْأَطِبَّاء لم ينفع أحدهم إشفاقك وَلم تسعف فِيهِ بطلبتك وَلم تدفع عَنهُ بقوتك قد مثلت لَك بِهِ الدُّنْيَا نَفسك وبمصرعه مصرعك إِن الدُّنْيَا دَار صدق لمن صدقهَا وَدَار عَافِيَة لمن فهم عَنْهَا وَدَار غنى لمن تزَود مِنْهَا وَدَار موعظة لمن اتعظ بهَا مَسْجِد أحباء الله ومصلى مَلَائِكَة الله ومهبط وَحي الله ومتجر أَوْلِيَاء الله اكتسبوا فِيهَا الرَّحْمَة وربحوا فِيهَا الْجنَّة فَمن ذَا يذمها وَقد آذَنت ببينها وَنَادَتْ بفراقها ونعت نَفسهَا وَأَهْلهَا فمثلت لَهُم ببلائها الْبلَاء وشوقتهم بسرورها إِلَى السرُور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً فذمها رجال غَدَاة الندامة وحمدها آخَرُونَ ذكرتهم الدُّنْيَا فَذكرُوا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا
وَمن شعره
إنتخب للقريض لفظا رَقِيقاكنسيم الرياض فِي الْأَشْجَار
فَإِذا اللَّفْظ رق شف عَن المعنى فأبداه مثل ضوء النَّهَار
مِثْلَمَا شفت الزجاجة جسماًفاختفى لَوْنهَا بلون الْعقار
وَمِنْه
وقيم كلمت جسمي أناملهبِغَيْر أَلْسِنَة تكليم خرسان
إِن أمسك الْيَد مني كَاد يكسرهاأَو سرح الشّعْر من قودي أدماني
فَلَيْسَ يمسك إمساكاً بِمَعْرِِفَةوَلَا يسرح تسريحاً بِإِحْسَان
وَمِنْه
وَكلما فاق علىفاض ندى للمرمل
وَلَيْسَ فِي ذَا عجبفالسيل يَأْتِي من عل
وَمِنْه
أَرَانِي لَا يَنْفَكّ نجمي هابطاًترَاهُ براه رَبنَا حسب للرجم
حنتني اللَّيَالِي فاغتديت كأننيأفتش دهري فِي التُّرَاب على نجمي
فصرت إِذا قوساً وعقلي رامياًورأيي الَّذِي أصمي الرمايا بِهِ سهمي
وَمن شعره
وسَاق إِذا مَا ضَاحِك الكأس قابلتفواقعها من ثغره اللُّؤْلُؤ الرطبا
)
خشيت وَقد أَمْسَى رقيبي على الدجىفأسدلت دون الصُّبْح من ثغره حجبا
وَقسمت شمس الطاس بالكاس أنجماًوَيَا طول ليل شمسه قسمت شهبا
وَمِنْه يضمن شعر أبي الطّيب
إِذا مَا سقاني رِيقه وَهُوَ باسمتذكرت مَا بَين العذيب وبارق
ويذكرني من قده ومدامعيمجر عوالينا ومجرى السوابق
وَمِنْهَا يضمن أَبْيَات الحماسة
لَهُ من ودادي ملْء كفيه صافياًولي مِنْهُ مَا ضمت عَلَيْهِ الأنامل
وَمن قده الزاهي وَنبت عذارهصُدُور رماح أشرعت أَو سلاسل
وَمِنْه
أيا عبلة الأرداف لحظك عنتروَمَالِي على غاراته فِي الحشا صَبر
نعم أَنْت حسناء خنساء عصرناوَشَاهد قولي أَن قَلْبك لي صَخْر
وَمِنْه
تحلمنا الْأَيَّام وَهِي سَفِيهَةفتهدي إِلَيْنَا برهَا من عقوقها
كَمَا تحدث لطيش الطلا من سكونهافتغرب شمس الْفضل عِنْد شروقها
وتهدي الدراري وَهِي من حيرة ترىوَقد رجعت عَن مُسْتَقِيم طريقها
وَمِنْه فِي فرس أدهم أغر محجل
وأدهم جارى الشَّمْس فِي مثل لَونهمن الْمغرب الْأَقْصَى إِلَى جَانب الشرق
فَوَافى إِلَيْهِ قبلهَا متمهلاًفَأعْطَاهُ من أنواره قصب السَّبق
وَمِنْه
تَبَسم لما أَن بَكَيْت من الهجرفَقلت أرى دمعي فَقَالَ أرى ثغري
فديتك لما أَن بَكَيْت تنظمتبفيك لآلي الدمع عقدا من الدّرّ
فَلَا تَدعِي يَا شَاعِر الثغر صَنْعَةوَكَاتب دمعي قَالَ ذَا النّظم من نثري
وَمِنْه
رَأَيْت بِفِيهِ إِذْ تَبَسم أدمعاًفَقلت رثى لي إِذْ بَكَى فَمه حزنا
أَجَاد لَهُ فِي النّظم شَاعِر ثغرهوَلكنه من مقلتي سرق الْمَعْنى
)
لما صنف ابْن أبي الإصبع كِتَابه تَحْرِير التحبير نسخه الضياء مُوسَى ابْن ملهم الْكَاتِب وَكتب فِي آخِره
هَذَا كتاب بديع مَا رأى أحدمثلا لَهُ فِي مبانيه وَمَعْنَاهُ
حوى تصانيف هَذَا الْعلم أجمعهاوزادنا جملا عَمَّا سمعناه
لَا تعجبوا من لطيف الحجم قام بِهَذَا الْفَنّ أجمع أقصاه وَأَدْنَاهُ
فقد رَأَيْتُمْ عَصا مُوسَى كم التقفتوَلم يزدْ قدرهَا عَمَّا عهدناه
وَحضر السراج الْوراق مَعَ عفيف الدّين ابْن عَدْلَانِ وَأبي الْحُسَيْن الجزار قبر الزكي الْمَذْكُور فَقَالَ السراج وَقد كَانَا كتماه أَن ذَلِك الْيَوْم مأتمه وكتماه قصيدتين فِي رثائه وَمن خطه نقلت
مَاذَا أَقُول وَقد أَتَاك مرثياًملك النُّحَاة وَسيد الشُّعَرَاء
رثياك بالدر النظيم فَهَذِهِللدال قافية وَتلك الرَّاء
وتوخيا نثر العقيق مدامعاًإِذْ كنت لم تنصف بنظم رثاء
يَا من طوى بفضائل وفواضلذكرين للطائي بعد الطَّاء
غادرتني وَأَنا الحبيب مَوَدَّةصبا قد استعذبت مَاء بُكَائِي
فسقاك فضل الله فيض عطائهفَلَقَد أَقمت قِيَامَة الشُّعَرَاء
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع