من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن قيس الرقيات
)
عبيد الله بن قيس الرقيات العامري الْحِجَازِي أحد الشُّعَرَاء المجيدين قيل لِأَبِيهِ قيس الرقيات لِأَن لَهُ عدَّة جدات كُلهنَّ يسمين رقية
توفّي عبيد الله فِي حُدُود الثَّمَانِينَ لِلْهِجْرَةِ وَيُقَال إِن أَبَاهُ شَبَّبَ بِثَلَاث نسْوَة يسميهن جَمِيعًا رقية
كَانَ قد خرج مَعَ مُصعب بن الزبير حَيْثُ بلغه شخوص عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى مُصعب معالم الْغدر مِمَّن مَعَه دَعَا ابْن الرقيات ودعا بِمَال ومناطق فَمَلَأ المناطق من ذَلِك وَألبسهُ مِنْهَا وَقَالَ لَهُ انْطلق حَيْثُ شِئْت فَقَالَ وَالله لَا أريم حَتَّى آتِي سبيليك فَأَقَامَ مَعَه حَتَّى قتل ثمَّ إِنَّه أَتَى الْكُوفَة واختفى بهَا سنة ثمَّ إِنَّه عَاد إِلَى الْمَدِينَة وأتى عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَقَالَ جِئْت عائذاً بك فَكتب لَهُ إِلَى أم الْبَنِينَ زوج عبد الْملك بن مَرْوَان وَكتب إِلَى أَبِيهَا عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان يسألهما الشَّفَاعَة لِعبيد الله بن قيس الرقيات فشفعت لَهُ وآمنه وَأدْخلهُ عَلَيْهِ بعد تَكَامل النَّاس فِي مجَالِسهمْ فَقَالَ يَا أهل الشَّام أتعرفون هَذَا فَقَالُوا لَا قَالَ هُوَ عبيد الله بن قيس الرقيات الَّذِي يَقُول
كَيفَ نومي على الْفراش وَلماتَشْمَل الشَّام غَارة شعواء
تذهل الشَّيْخ عَن بنيه وتبديعَن خدام العقيلة الْعَذْرَاء
فَقَالُوا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إسقنا دم هَذَا الْمُنَافِق قَالَ الْآن وَقد آمنته وَصَارَ فِي منزلي وعَلى بساطي فاستأذنه فِي الْإِنْشَاء فَأذن لَهُ فأنشده
عَاد لَهُ من كَثِيرَة الطَّربفعينه بالدموع تنسكب
كوفية نازح محلتهالَا أُمَم دارها وَلَا صقب
وَالله مَا إِن صبَّتْ إِلَيّ وَلَايعرف بيني وَبَينهَا سبّ
إِلَّا الَّذِي أورثت كَثِيرَة فِي القلب وللحب سُورَة عجب
حَتَّى قَالَ فِيهَا
إِن الْأَغَر الَّذِي أَبوهُ أَبُو العاصي عَلَيْهِ الْوَقار والحجب
يعتدل التَّاج فَوق مفرقهعلى جبين كَأَنَّهُ الذَّهَب
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يَا ابْن قيس تمدحني بالتاج كَأَنِّي من الْعَجم وَتقول فِي مُصعب
إِنَّمَا مُصعب شهَاب من اللهتجلت عَن وَجهه الظلماء
)
ملكه ملك عزة لَيْسَ فِيهِجبروت مِنْهُ وَلَا كبرياء
أما الْأمان فقد سبق لَك وَلَكِن وَالله لَا تَأْخُذ مَعَ الْمُسلمين عَطاء أبدا فَعَاد ابْن قيس إِلَى عبد الله بن جَعْفَر وَقَالَ لَهُ وَمَا يَنْفَعنِي أماني تركت حَيا كميت لَا آخذ عَطاء فَقَالَ لَهُ عبد الله كم سنك قَالَ سِتُّونَ سنة قَالَ فعمر نَفسك فَقَالَ عشْرين سنة أُخْرَى قَالَ كم عطاؤك قَالَ أَلفَانِ فَأمر لَهُ عبد الله بِأَرْبَعِينَ ألفا وَقَالَ ذَلِك عَليّ حَتَّى تَمُوت على تعميرك نَفسك فَقَالَ يمدحه
تقدت بِي الشَّهْبَاء نَحْو ابْن جَعْفَرسَوَاء عَلَيْهَا لَيْلهَا ونهارها
تزور امْرَءًا قد يعلم الله أَنهتجود لَهُ كف قَلِيل غرارها
أَتَيْنَاك نثني بِالَّذِي أَنْت أَهلهعَلَيْك كَمَا أثنى على الرَّوْض جارها
وَوَاللَّه لَوْلَا أَن تزور ابْن جَعْفَرلَكَانَ قَلِيلا فِي دمشق قَرَارهَا
إِذا مت لم يُوصل صديق وَلميقم طَرِيق من الْمَعْرُوف أَنْت منارها
ذكرتك أَن فاض الْفُرَات بأرضناوفاض بِأَعْلَى الرقمتين بحارها
وَعِنْدِي مِمَّا خول الله هجمةعطاؤك مِنْهَا شولها وعشارها
مباركة كَانَت عَطاء مباركتمانح كبراها وتنمي صغارها
قلت وَقَوله تذهل الشَّيْخ عَن بنيه وتبدي الْبَيْت وَهُوَ من عويص النَّحْو وَمِمَّا يمْتَحن بإعرابه وَذَلِكَ أَنه لم يجر العقيلة بِإِضَافَة خدام إِلَيْهَا وَلَا جر الْعَذْرَاء على أَنَّهَا صفة للعقيلة وَإِنَّمَا رفعهما وَوجه إعرابه إِن الشَّاعِر حذف التَّنْوِين من خدام وَهُوَ منون مجرور والعقيلة الْعَذْرَاء فَاعل تبدي وَتَقْدِيره وتبدي العقيلة الْعَذْرَاء عَن خدام وَهُوَ الخلخال وَإِنَّمَا حذف التَّنْوِين لالتقاء الساكنين بَينه وَبَين لَام العقيلة وَمثله مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ
فَأَلْفَيْته غير مستعتبوَلَا ذَاكر الله إِلَّا قَلِيلا
فجر الرَّاء وَنصب الْجَلالَة لِأَنَّهُ مفعول ذَاكر الَّذِي هُوَ اسْم فَاعل من الذّكر فَحذف التَّنْوِين لالقتاء الساكنين وَمثله قَول الآخر
عَمْرو الَّذِي هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِوَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف
أَرَادَ عَمْرو الَّذِي بتنوين الرَّاء من عَمْرو فَحَذفهُ لالتقاء الساكنين وَمثله قَول الشَّاعِر
فلست بآتيه وَلَا أستطيعهولاك اسْقِنِي إِن كَانَ ماؤك ذَا فضل
)
يُرِيد وَلَكِن اسْقِنِي فَحذف النُّون لالقتاء الساكنين
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع