تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ابْن سُرَيج (٢)

عبيد بن سُرَيج أَبُو يحيى مولى بني نَوْفَل وَقيل مولى بني الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَقيل مولى لبني لَيْث ومنزلة مَكَّة وَكَانَ آدم أَحْمَر ظَاهر الدَّم سناطاً فِي عينه قبل بلغ خمْسا وَثَمَانِينَ وصلع وَكَانَ يلبس جمة مركبة وَكَانَ أَكثر مَا يرى متقنعاً وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى عبد الله بن جَعْفَر وَلَا يُغني إِلَّا مُسبل القناع على وَجهه ويوقع بقضيب

وَمَات فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك وَقيل مَاتَ فِي خلَافَة الْوَلِيد وَكَانَ أَبوهُ تركياً وَقيل إِنَّه كَانَ يضْرب بِالْعودِ وَمَات بعلة الجذام وَكَانَ ابْن سُرَيج أول من ضرب بِالْعودِ بِمَكَّة لِأَنَّهُ رَآهُ مَعَ الْعَجم الَّذين قدم بهم ابْن الزبير لبِنَاء الْكَعْبَة فأعجب أهل مَكَّة غناؤهم فَقَالَ ابْن سُرَيج أَنا أضْرب بِهِ على غنائي فَضرب بِهِ فَكَانَ أحذق النَّاس وَأخذ الْغناء من ابْن مسجح قَالَ إِسْحَاق أصل الْغناء أَرْبَعَة مكيان وهما ابْن سُرَيج وَابْن مُحرز ومدنيان وهما معبد وَمَالك وَسُئِلَ هِشَام ابْن المرية وَكَانَ معمراً عَالما بِالْغنَاءِ من أحذق النَّاس

فِيهِ فَقَالَ مَا خلق الله بعد دَاوُد النَّبِي أحسن صَوتا من ابْن سُرَيج وَلَا صاغ الله أحدا أحذق بِالْغنَاءِ مِنْهُ)

ويدلك على ذَلِك أَن معبدًا كَانَ إِذا أعجبه غناؤه قَالَ أَنا الْيَوْم سريجي وَكَانَ ابْن سُرَيج يناوئ الْغَرِيض ويضاده وَكَانَ بِبَعْض أَطْرَاف مَكَّة دَار يأتيانها فِي كل جُمُعَة ويجتمع لَهما النَّاس فَيُوضَع لكل مِنْهُمَا كرْسِي يجلس عَلَيْهِ ثمَّ يتناقضان الْغناء ويترادانه فَلَمَّا رأى ابْن سُرَيج موقع الْغَرِيض وغنائه من النَّاس لقُرْبه من النواح وَشبهه بِهِ مَال إِلَى الأرمال والأهزاج فاستخفها النَّاس فَقَالَ لَهُ الْغَرِيض يَا أَبَا يحيى قصرت الْغناء وحذفته وأفسدته قَالَ نعم يَا مخنث حِين جعلت تنوح على أَبِيك وأمك أَلِي تَقول هَذَا وَالله لأغنين غناء مَا غنى أحد أثقل مِنْهُ وَلَا أَجود ثمَّ غنى قَالَ مَالك ابْن أبي السَّمْح سَأَلت ابْن سُرَيج عَن قَول النَّاس فلَان يخطىء وَفُلَان يُصِيب وَفُلَان يحسن وَفُلَان يسيء فَقَالَ الْمُصِيب المحسن من المغنين هُوَ الَّذِي يشْبع الألحان ويملأ الأنفاس ويعدل الأوزان ويفخم الْأَلْفَاظ وَيعرف الصَّوَاب وَيُقِيم الْإِعْرَاب ويستوفي النغم الطوَال وَيحسن مقاطع النغم الْقصار ويصيب أَجنَاس الْإِيقَاع ويختلس مَوَاضِع النبرات ويستوفي مَا يشاكلها فِي الضَّرْب من النقرات فعرضت مَا قَالَ على معبد فَقَالَ لَو جَاءَ فِي الْغناء قُرْآن مَا جَاءَ إِلَّا هَكَذَا

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.