من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عضد (٣)
الصفحة ٢ من ٢
قلت فيهمَا لحن خَفِي وامتدحه الشَّيْخ تَاج الدّين الدشناوي بِأَبْيَات مِنْهَا // //
محبك هَذَا الْعَارِف الْعَارِف الَّذينتبدى بِوَجْه بالضياء مكلل
حَلِيف التقى وَلَا شكر وَالذكر دَائِمافَللَّه هَذَا الشاكر الذاكر الْوَلِيّ
عَزَائِمه الْعليا تضاهي مقَامهومقداره والسر أَن اسْمه عَليّ
أَلا إِن لله الْكَمَال جَمِيعهوَمَا لسواه مِنْهُ حَبَّة خَرْدَل
الْآمِدِيّ العابر عَليّ بن أَحْمد بن يُوسُف بن الْخضر الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة زين الدّين أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ الْحَنْبَلِيّ العابر كَانَ شَيخا مليحا مهيبا صَالحا ثِقَة صَدُوقًا كَبِير الْقدر وَالسّن آيَة عَظِيمَة فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا مَعَ مزايا أخر عَجِيبَة أضرّ فِي أَوَائِل عمره وَله حكايات غَرِيبَة مِنْهَا أَن بعض أَصْحَابه أهْدى إِلَيْهِ نصفيه حَسَنَة فسرقت فَرَأى فِي نَومه شَيْخه الإِمَام مجد الدّين عبد الصَّمد بن أَحْمد بن أبي الْجَيْش الْمُقْرِئ شيخ الْقُرَّاء بِبَغْدَاد وَهُوَ يَقُول لَهُ النصفية أَخذهَا فلَان وأودعها عِنْد فلَان اذْهَبْ وخذها مِنْهُ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ فِي نَفسه الشَّيْخ مجد الدّين كَانَ صَدُوقًا فِي حَيَاته وَكَذَلِكَ هُوَ بعد وَفَاته فَذهب إِلَى الرجل الَّذِي ذكره فدق عَلَيْهِ الْبَاب فَخرج إِلَيْهِ فَقَالَ أَعْطِنِي النصفية الَّتِي أودعها فلَان عنْدك فَقَالَ نعم فَدخل وأخرجها لَهُ فَأَخذهَا وَذهب وَلم يقل لَهُ شَيْئا وَجَاء السَّارِق بعد ذَلِك إِلَى الْمُودع يطْلب النصفية فَقَالَ لَهُ جَاءَ الشَّيْخ زين الدّين الْآمِدِيّ وطلبها على لسَانك فأعطيته إِيَّاهَا فبهت السَّارِق وَبَقِي حائرا وَلم يعنفه الشَّيْخ وَلَا وَأَخذه
وَمِنْهَا أَنه قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن شخصا أَطْعمنِي دجَاجَة مطبوخة فَأكلت مِنْهَا ثمَّ استيقظت وبقيتها فِي يَدي وَهَذَا شَيْء عَجِيب وَهَذِه الوقائع مَشْهُورَة عَنهُ وَلما دخل السُّلْطَان غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكوين جنكرخان بَغْدَاد سنة بضع وَتِسْعين وسِتمِائَة علم الشَّيْخ زين الدّين الْمَذْكُور فَقَالَ إِذا جِئْت غَدا الْمدرسَة المستنصرية أجتمع بِهِ فَلَمَّا أَتَى غازان المستنصرية احتفل النَّاس لَهُ وَاجْتمعَ بِالْمَدْرَسَةِ أَعْيَان بَغْدَاد وأكبرها من الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء والعظماء وَفِيهِمْ الشَّيْخ زين الدّين الْآمِدِيّ لتلقي غازان فَأمر غازان أكَابِر أمرائه أَن يدخلُوا الْمدرسَة قبله وَاحِد بعد وَاحِد وَيسلم كل مِنْهُم على زين الدّين ويهمه الَّذِي مَعَه أَنه هُوَ السُّلْطَان امتحانا لَهُ فَجعل النَّاس كلهم كلما قدم أَمِير يزهزهون لَهُ ويعظمونه ويأتون بِهِ إِلَى زين الدّين ليسلم عَلَيْهِ وَالشَّيْخ زين الدّين يرد ﵇ من غير تحرّك وَلَا احتفال حَتَّى جَاءَ السُّلْطَان فِي دون من تقدمه من الْأُمَرَاء فِي الحفل وَسلم على زين الدّين وَصَافحهُ فحين وضع يَده فِي يَده نَهَضَ لَهُ قَائِما وَقبل يَده وَعظم ملتقاه والاحتفال بِهِ وَأعظم الدُّعَاء لَهُ بِاللِّسَانِ المغلى ثمَّ بالتركي ثمَّ الْفَارِسِي ثمَّ بالرومي ثمَّ بالعربي وَرفع بِهِ صَوته وَرفع بِهِ صَوته إعلاما للنَّاس فَعجب السُّلْطَان من فطنته وذكائه وحدة ذهنه مَعَ ضَرَره ثمَّ إِن السُّلْطَان خلع عَلَيْهِ فِي الْحَال ووهبه مَالا ورسم لَهُ بمرتب فِي كل شهر ثَلَاثمِائَة دِرْهَم وحظى عِنْده وَعند أمرائه ووزرائه وحوانيته وَمن تصانيفه جَوَاهِر التبصير فِي علم التَّعْبِير وَله تعاليق كَثِيرَة فِي الْفِقْه وَالْخلاف وَغير ذَلِك وانتفع بِهِ جمَاعَة وَكَانَ يتجر فِي الْكتب وَله كتب كثير جدا وَإِذا طلب مِنْهُ كتاب نَهَضَ إِلَى كتبه وَأخرجه من بَينهَا وان كَانَ الْكتاب عدَّة مجلدات وَطلب من الأول مثلا أَو الثَّانِي أَو الثَّالِث أَو غَيره أخرجه بِعَيْنيهِ وَكَانَ يمس الْكتاب أَولا ثمَّ يَقُول يشْتَمل هَذَا المجلد على كَذَا وَكَذَا أكراس فَيكون الْأَمر كَمَا قَالَ وَإِذا مر بِيَدِهِ على الصفحة قَالَ عدد أسطرها كَذَا كَذَا سطرا فِيهَا بالقلم الغليظ هَذَا وَهَذَا الْمَوَاضِع كتبت بِهِ فِي الوجهة وفيهَا بالأحمر هَذَا وَهَذَا لموا ضع كتبت فِيهَا بالأحمر وان أتفق أَنَّهَا كتبت بخطين أَو ثَلَاثَة قَالَ اخْتلف الْخط من هُنَا إِلَى هُنَا من غير إخلال بِشَيْء مِمَّا يهتجن بِهِ وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ الإشغال والاشتغال فِي غَالب أوقاته وَلِلنَّاسِ عَلَيْهِ إقبال عَظِيم لفضله وَدينه وورعه
وَتُوفِّي ﵀ بعد سنة اثْنَتَيْنِ عشرَة وَسَبْعمائة
القَاضِي عَلَاء الدّين ابْن الْأَثِير عَليّ بن أَحْمد بن سعيد القَاضِي الرئيس عَلَاء الدّين ابْن الْأَثِير كَاتب السِّرّ السلطاني صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء أَيَّام السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن الْمَنْصُور تقدم ذكر وَالِده وَعَمه عماد الدّين إِسْمَاعِيل لما توجه السُّلْطَان إِلَى الكرك فِي الْمرة الْأَخِيرَة توجه عَلَاء الدّين فِي خدمته فَأَقَامَ عِنْده مُدَّة ووعده بالمنصب وَأَعَادَهُ إِلَى الْقَاهِرَة وَلما قدم السُّلْطَان كَانَ عَلَاء الدّين أكديش بَاعه بِمِائَة وَعشْرين درهما وَتوجه إِلَى لِقَاء السُّلْطَان وَاشْترى بِثمن الأكديش حلاوة فَلَمَّا اسْتَقر الْأَمر أَقَامَ مُدَّة يسيرَة ثمَّ إِنَّه جهز القَاضِي شرف الدّين ابْن فضل الله إِلَى الشَّام وَولى عَلَاء الدّين صحابة الدِّيوَان وَعظم جاهه وتقدمه وأمواله وَدرت عَلَيْهِ نعم السُّلْطَان وَزَاد فِي الإقبال عَلَيْهِ وَلم يحصل لأحد مَا حصل لَهُ فِي الْوَظِيفَة كَانَ السُّلْطَان يَأْمُرهُ بأَشْيَاء يَدعه يكْتب فِيهَا عَن نَفسه إِلَى نواب الشَّام ويجيبونه عَن ذَلِك وَكَانَ يركب فِي سِتَّة عشر مَمْلُوكا أَو أَكثر من ذَلِك كلهم أتراك فيهم مَا هُوَ بِعشْرَة آلَاف وَأكْثر وَكَانَ أَخا لَا يتَكَلَّم إِلَّا بالتركي لكنه أَصَابَهُ فالج تعلل بِهِ أَكثر من سنة وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَقد عزل بِالْقَاضِي مُحي الدّين بن فضل الله وَولده القَاضِي شهَاب الدّين وَآخر مَا آل إِلَيْهِ من الفالج أَنه لم يبْق فِيهِ شَيْء يَتَحَرَّك غير جفونه فَكَانَ إِذا أَرَادَ شَيْئا علا بِصَوْتِهِ صَارِخًا فيحضرون إِلَيْهِ ويدقون على الأَرْض دقات مُتَوَالِيَة وَهُوَ يعد لَهَا الْحُرُوف من المعجم فَإِذا وصل إِلَى أول حرف من مَقْصُوده أطرق بخفض طرفه فيحفظ ذَلِك الْحَرْف ثمَّ إِذا فعلوا ثَانِيًا أمهلهم حَتَّى يصلوا إِلَى الْحَرْف الثَّانِي مِمَّا أَرَادَ فيطرق جفْنه فيحفظ ذَلِك وَلَا يزالون يَفْعَلُونَ ذَلِك ثَانِيًا وثالثا وهلم جرا حَتَّى يفرغ مِمَّا أَرَادَهُ وَكَانَ يطول الزَّمَان عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم حَتَّى يفهموا عَنهُ لَفْظَة أَو لفظتين نسْأَل الله الْعَافِيَة من آفَات هَذِه الدَّار وَكَانَ يكْتب خطا قَوِيا مَنْسُوبا وَله قدرَة على إصْلَاح اللَّفْظَة وإبرازها من صِيغَة إِلَى صِيغَة وَلَا يخرج كتاب عَن الدِّيوَان حَتَّى يتأمله وَلَا بُد لَهُ أَن يزِيد فِيهِ شَيْئا بقلمه وَله إنْشَاء وَهُوَ الَّذِي كتب توقيع مجد الدّين الأقصرائي بمشيخة الشُّيُوخ بسريا قَوس ومدحه النَّاس وَمِمَّا كتب إِلَيْهِ شهَاب الدّين مَحْمُود // //
أما ومكانة لَك فِي ضميريوَذكر لَا يزَال معي سميري
لقد سَافَرت بالأشواق أسعىإِلَيْك وَإِن قعدت عَن الميسر
وَلَو أدْركْت من زمني مراديلما نَاب الْكتاب عَن الْحُضُور
وَلم أوثر وَلَا بنى اخْتَاربحظل من نوال ابْن الْأَثِير
وَكَيف وَلَيْسَ إِلَّا بالتثاميبناي يَدَيْهِ بجمل لي سروي
كريم طَاهِر الأعراق تعلوأصالته على الْفلك الْأَثِير
لَهُ خلق يدمثه حَيَاءكروض دمنته يَد الغدير
وجود كلما أخفاه صوناحكى شمس الظهيرة فِي الظُّهُور
إِذا وشى بلَيْل النقشصبح الطروس أَرَاك نورا فَوق نور
وَأبْدى للموالي والمعاديأماني أَو منايا فِي السطور
وامتدحه جمال الدّين بن نباتة بقصيدة أَولهَا // //
أصَاب بجفنه عقل الْأَسيرفيا ويل الصَّحِيح من الْكَبِير
غزال كالغزالة فِي سناهاتحجبه الملاحة بالسفور
مِنْهَا // //
يلذ تغزل الْأَشْعَار فِيهِلذاذة مدحها فِي ابْن الْأَثِير
أغر إِذا احبني وحبا العطايارَأَيْت السَّيْل يدْفع من شير
أَخُو يَوْمَيْنِ يَوْم ندى ضحوكوَيَوْم ردى عبوس قمطرير
كَأَن حَدِيثه فِي كل نَادحَدِيث النَّار عَن نفس العبير
لَهُ قلم سدى للنفع سَاريبيب على الممالك كالخفير
تلثم بالمداد لثام ليلفأسفر عَن سنا صبح مُنِير
عَليّ الإسم والأوصاف يزهىبِهِ الدَّهْر الْعلي على الدهور
من الْقَوْم الَّذين لَهُم صعُودإِلَى العلياء أسْرع من حدور
سما شعري وَدَار على علاهمفلقبناه بالفلك الْأَثِير
أأندى الْعَالمين يدا وأجدىعلى العافين فِي الزَّمن العسير
إِلَيْك سعى رجاي وَطَاف قصديفدم يَا كعبة للمستجير
عَلَاء الدّين الأصفوني عَليّ بن أَحْمد بن الْحُسَيْن عَلَاء الدّين الأصفوني كَانَ ذكيا أديبا حسن الْأَخْلَاق اشْتغل بالفقه على الشَّيْخ عَلَاء الدّين القفيطي وتأدب على ابْن الغضنفر الأصفوني والجلال بن شواق الأسنائ وَغَيرهمَا وَكَانَت لَهُ يَد فِي الْحساب وَدخل فِي الخدم السُّلْطَانِيَّة وَجلسَ شَاهدا بالوراقين بقوص ثمَّ بِالْقَاهِرَةِ وَتُوفِّي فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة أثنى عَلَيْهِ كَمَال الدّين جَعْفَر الأدفوي من تَارِيخ الصَّعِيد ثَنَاء كثيرا وَوَصفه بمكارم أَخْلَاق ومحاسن أدوات قَالَ وَلما طلع دَاوُد الَّذِي ادّعى أَنه ابْن سُلَيْمَان من نسل العاضد إِلَى الصَّعِيد فِي سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة وتحركت الشِّيعَة وَبلغ عَلَاء الدّين هَذَا أَنه قَالَ لبَعض أهل أصفون انه تحمل عَنهُ الصَّلَاة ونظم عَلَاء الدّين // //
إرجع ستلقى بعْدهَا أهوالالَا عِشْت تبلغ عندنَا الآمالا
يَا من تجمع فِيهِ كل نقيصةفلأضربن بسيرك الأمثالا
وَزَعَمت أَنَّك للتكالف حَامِلوَكَذَا الْحمار يحمل الأثقالا
وَلما ولي السفطي قوص سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة وَكَانَ بَصَره ضَعِيفا جدا حَتَّى قيل انه لَا يبصر بِهِ وَكَانَ القَاضِي فَخر الدّين نَاظر الجيوش قد قَامَ فِي ولَايَته قَالَ عَلَاء الدّين // //
(قَالُوا تولى الصَّعِيد أعمى ... فَقلت لَا بل بِأَلف عين ... وَقَالَ لما بلغه شعر الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي وَهُوَ // //
مَا فِي المناهل منهل يستعذبإِلَّا ولي مِنْهُ الألذ الأطيب
أَنا بلبل الأفراح أملأ دوحهاطَربا وَفِي العلياء باز أَشهب
فنظم عَلَاء الدّين الأصفوني // //
أَنا قنبر الأحزان أملأ طلحهاحزناص وَفِي السُّفْلى غراب أسود
ابْن الزبير عَليّ بن أَحْمد بن عَليّ بن الزبير الأسواني هُوَ ابْن القَاضِي الرشيد ابْن الزبير قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب رَأَيْته بِالْقَاهِرَةِ سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة وَقد وقف ينشد الْملك النَّاصِر قصيدة وَأورد لَهُ مِنْهَا // //
تحضر أكناف أَرض إِن نزلت وَإِننازلت تحمر أَرض السهل والجبلي
مَا زلت أفري دجى ليل التَّمام سرىوَنور وَجهك يهديني إِلَى السبل
بِكُل مهمهمة يبكي الْغَمَام بهَا خوفًاويخفق قلب الْبَرْق من خجل
تخشى الرِّيَاح الذواري فِي مهالكهافَمَا تهب بهَا إِلَّا على مهل
حَتَّى أنخت المطايا فِي ذرى ملكيبشر النجح فِي تأميله أملي
خدمتكم ليَكُون الدَّهْر يخدمنيفَمَا أحالته عَن حالاته حيلي
إِن كم تَئِنُّ حالتي فِيكُم مبدلةفَمَا انتفاعي بِعلم الْحَال وَالْبدل؟!
قلت هَذَا الْبَيْت الْأَخير من قصيدة لِابْنِ شرف القيرواني
عماد الدّين الطرسوسي الْحَنَفِيّ عَليّ بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد قَاضِي الْقُضَاة أَبُو الْحسن عماد الدّين ابْن محيي الدّين أبي الْعَبَّاس بن بهاء الدّين أبي مُحَمَّد الطرسوسي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ تولى قَضَاء الْقُضَاة الْحَنَفِيَّة بِالشَّام بعد قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين عَليّ الْحَنَفِيّ وَكَانَ نَائِبه أَولا مُدَّة وَكَانَ سئوسا حسن الشكل كَامِل الْقَامَة أنيق الْعمة وَلم ينكد عَلَيْهِ فِي منصبه وَلم يزل أمره فِي منصبه إِلَى السداد إِلَى سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فَسَأَلَ أَن يكون وَلَده القَاضِي نجم الدّين إِبْرَاهِيم فِي مَكَانَهُ فِي منصبه فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَتَوَلَّى وَلَده نجم الدّين قَضَاء الْقُضَاة الْحَنَفِيَّة مَكَانَهُ وَلم يزل ملازما لبيته إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي عشْرين ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَدفن بالمزة وَكَانَ الْأَمِير سيف الدّين تنكز رَحمَه الله تَعَالَى ولاه تدريس الْمدرسَة القايمازية الْحَنَفِيَّة فِي شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وكتبت توقيعه بذلك ونسخته الْحَمد لله الَّذِي جعل عماد الدّين هَذَا عليا وأيد شَرعه المطهر بِمن رقى بِعِلْمِهِ سموا وَأصْبح للوصى سميا وَرفع قدر من إِذا كَانَ فِي حقل همي ندى وَحمى نديا وَهدى
النَّاس بأعلام علمه الَّتِي إِذا أخفقت كم هزمت كميا وقادت إِلَى الْحق أَبَيَا نحمده على نعمه الَّتِي جعلت الْعلمَاء للأنبياء وَرَثَة وأقامت بهم الْحجَّة على من نكب عَن الْحق أَو نقض الْمِيثَاق ونكثه ونفت بهم شبه الْبَاطِل على الدّين الْقيم كَمَا يَنْفِي الْكِير خثبه وَجعلت كل حبر مِنْهُ إِذا نطق فِي المحافل جَاءَ بِالسحرِ الْحَلَال من فِيهِ ونفته ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة ندخرها فِي الْمعَاد خير عدَّة ونأمن بهَا يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر إِذا ضَاقَ على النَّاس خناق الشدَّة ونجدها فِي الصحائف نورا يضيء لنا إِذا كَانَت وُجُوه الَّذين كذبُوا على الله مسودة وَتجْعَل أيدنا إِلَى قطاف ثمار الرَّحْمَة وجنى غصونها ممتدة ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله خير من هدى الْخلق ببرهانه وأشرف من قضى بَين النَّاس بِالْحَقِّ وفرقانه وأعز من دفع فِي صُدُور البلغاء بنان بُنْيَانه وَأكْرم من أطلق فِي ملكوب ربه جلّ وَعز عنان عيانه ﷺ وعَلى آله وَصَحبه الَّذين رووا لأوليائهم السّنة وَرووا من أعدائهم الأسنة وأضحت طريقهم لطَالب هَدِيَّة الْهدى مَطِيَّة المظنة وأمسوا حَربًا لحزب الشَّيْطَان الَّذين جعل الله فِي أذانهم وقرا وعَلى قُلُوبهم أكنة صَلَاة تطلق جِيَاد الْأَلْسِنَة فِي ميدانها الأعنة وتبلغهم أمانيهم الَّتِي بايعهم عَلَيْهَا أَن لَهُم الْجنَّة وَسلم وَشرف ومجد وكرم وَبعد فَلَمَّا كَانَ الْعلم الشريف هُوَ للدّين حَافظ نظامه وَضَابِط أَحْكَامه فِي حَلَاله وَحَرَامه بنشره يطيب نشر الْإِيمَان وأرجه ويتسع من صدر الْجَاهِل بِأَحْكَام ربه تَعَالَى ضيقه وحرجه وَالْعُلَمَاء هم الَّذين يدعونَ سوامه ويراعون ويقدمون على منع من يتَعَدَّى حُدُود الله ﷿ فَمَا يهابون وَلَا يهانون وَلَا يراعون وَكفى بالعلماء فخرا أَنهم للْأمة أَئِمَّة الِاقْتِدَاء وَأَن مدادهم جعله الله بِإِزَاءِ دم الشُّهَدَاء وخلت فِي هَذِه الْأَيَّام الْمدرسَة القايمازية أثاب الله واقفها مِمَّن ينشر فِيهَا أَعْلَام الْعلم ويبدى فِي مباحثه مَعَ خصومه معنى الْحَرْب فِي صُورَة السّلم وَيثبت فِي رياض دروسها شقائق النُّعْمَان وينبت فِي حِيَاض غروسها دقائق النُّعْمَان تعين أَن يَقع الِاخْتِيَار على من يحيى بدروسه مَا درس من مَذْهَب الإِمَام الْأَعْظَم أبي حنيفَة النُّعْمَان ﵁ ويجدد بفضائله الَّتِي أتقن فنونها مَا رث من أَقْوَاله الَّتِي لَا تُوجد إِلَّا فِيهِ وَلَا تُؤْخَذ إِلَّا مِنْهُ وَكَانَ الجناب العالي الْقَضَاء الْعِمَادِيّ أَبُو الْحسن عَليّ الطرسوسي أدام الله أَيَّامه وأعز بِالطَّاعَةِ أَحْكَامه هُوَ الَّذِي تفرد بِهَذِهِ المزايا وَجمع هَذِه الْخلال الحميدة والسجايا تضع الْمَلَائِكَة لَهُ إِذا خطا فِي الْعلم الأجنحة ويتخذ النَّاس إِذا اضطروا لدفع الْأَذَى عَنْهُم من صَلَاحه الأسلحة قد أَرَادَ الله بِهِ خيرا لما وَفقه وفقهه فِي الدّين وأقامه حجَّة قَاطِعَة وَلَكِن فِي أَعْنَاق الْمُلْحِدِينَ تنقاد المشكلات لذهنه الْوَقار فِي أسلس قياد وتشيد أفكاره الدقيقة للنعمان أَمَامه مَا لَا شادته من الْمجد للنعمان أشعار زِيَاد
وتبيت النُّجُوم الزهر ناظرة إِلَى محَاسِن مباحثه من طرفها الْخَفي وتنكف الْأَلْسِنَة الْحداد من خصومه إِذا جاد لَهُم وتنكفي وَيَأْتِي بالأدلة الَّتِي هِيَ جبال لَا تنسفها مغالظ النَّسَفِيّ فَلذَلِك رسم بِالْأَمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أَعْلَاهُ لله تَعَالَى وضاعف نعمه على الْأَوْلِيَاء ووالى أَن يُفَوض إِلَيْهِ تدريس الْمدرسَة الْمَذْكُورَة فليظهر عرائس فَضله المجلوة ويبرز نقائس نَقله المخبوة وليطرز دروسه بدقائقه الَّتِي بهرت ويزد المباحث رونقا بعبارته الَّتِي سحرت الْأَلْبَاب وَمَا شَعرت إِذا هُوَ الْحَاكِم الَّذِي سيف قلمه إِذا أَمْضَاهُ كَانَ فِي الدِّمَاء محكما والحبر الَّذِي لَا يُقَاس بِهِ الْبَحْر وان كَانَ الْقيَاس فِي مذْهبه مقدما والعالم إِذا نَهَضَ بالإملاء فَهُوَ بِهِ ملي والفاضل الَّذِي إِن كَانَ الْعلم مَدِينَة فبابها عَليّ وليتعهد المشتغلين بِالْمَدْرَسَةِ بمطالبة محفوظهم والحث والحض على الْأَخْذ بِزِيَادَة الْعلم فان ذَلِك أسعد حظوظهم وَالْحِفْظ والجدل جنَاحا للْعلم ويدجاه وَبِهِمَا يتسلط الطَّالِب على مقاره المدى وَإِن كَانَ الْعلم لَا نِهَايَة لمداه فَمن اسْتحق رميا على غَيره فليرقه ويوفه حَقه فَإِنَّهُ إِذا نظر الْحَاكِم فِي أمره وصل إِلَى حَقه وَالتَّقوى هِيَ ملاك الْأُمُور وقوامها وَصَلَاح الْأَحْوَال ونظامها على أَنه أدام الله أَيَّامه هُوَ الَّذِي يشرع الْوَصَايَا لأربابها وَيعلم المتأدب كَيفَ يَأْتِي الْبيُوت من أَبْوَابهَا وَإِنَّمَا أَخذ الْقَلَم من الْعَادة نصِيبه وأتى بنكت وَمن علم الْعوَان الْخمْرَة كَانَت مِنْهُ عَجِيبَة وَالله يوفق أَحْكَامه السديدة ويمتع الْأَنَام بمحاسنه فَإِنَّهَا فِي النَّاس بَاب القصيد وَبَيت القصيد
النجيب الشَّافِعِي عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النجيب الشَّافِعِي سمع من الْمِقْدَاد بن هبة الله الْقَيْس وَأَجَازَ لي بِخَطِّهِ فِي سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق
العباسي مشد الْأَوْقَاف عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَمِير السَّيِّد الشريف عَلَاء الدّين العباسي مشد الْأَوْقَاف المبرورة بِدِمَشْق وَأحد الْأُمَرَاء العشرات بهَا أول مَا أعرف من أمره أَنه كَانَ واليا بالقدس الشريف ثمَّ إِن الْأَمِير سيف الدّين تنكز ﵀ جعله أستاذ دَار كَبِير فِي بَابه وَلما امسك أمسك هُوَ أَيْضا جملَة حَاشِيَته ومباشرى ديوانه ثمَّ تولى شدّ الْأَوْقَاف فِي أَيَّام الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا وتداول هَذِه الْوَظِيفَة مَرَّات هُوَ والأمير حسام الدّين أَبُو بكر ابْن النجيبي ثمَّ انه قوي عَلَيْهِ أخيرا بانتمائه إِلَى الْأَمِير سيف
الدّين قطلوبغا الفخري ثمَّ أعْطى أمره عشرَة مَعَ الْوَظِيفَة وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن توفّي ﵀ فِي مستهل ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة وَكَانَ شكلا طوَالًا مهيبا توفّي عَن قريب السّبْعين سنة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع