من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عَليّ بن سعد
أَبُو الْفرج الْبَغْدَادِيّ عَليّ بن سعد بن الْحسن بن قضاعة أَبُو الْفرج كَانَ أديباً شَاعِرًا مدح الإِمَام المقتفي من شعره من الطَّوِيل
نبت بمقام الأعوجي الأباطحوَضَاقَتْ عَلَيْهِ سرحها والمسارح
فطافت بِهِ بعد الْكرَى عزماتهفجذ عناناً من يَد الذب جامح
وَمن يخْش هَذَا الْمَوْت مدركيَعش مثل من رضت عَلَيْهِ الصفائح
وَمن يلْتَمس جلّ العني بحسامهينل فَضله الداني وَمن هُوَ نازح
فَلَا خير فِي يَوْم دنا من أصيلهوَلم يُعْط فِيهِ أَو تسل صَفَائِح
أَبى الله لي أَن أطْعم الضيم والقناظماء تباريها الْجِيَاد السوابح
وَأَن أتخشى الدَّهْر أَو أَن أرىبِهِ جزوعاً وَإِن أكدت عَلَيْهِ المنارح
فلست أَخا الهيجاء إِن لم أثر بهَاثرى البيد يتلوها أزل وجارح
وَإِن لم أقِم فِي كل حَيّ إغارةًيقوم عَلَيْهَا فِي الصَّباح النوائح
وَإِنِّي وَإِن كَانَت عداتي كَثِيرَةفَمَا لي إِلَّا مشرفي وقارح
ابْن مسْهر الْموصِلِي عَليّ بن سعد بن عَليّ بن عبد الْوَاحِد بن عبد القاهر بن أَحْمد بن مسْهر مهذب الدّين أَبُو الْحسن الشَّاعِر كَانَ صَدرا رَئِيسا مدح الْمُلُوك والكبار وديوانه فِي مجلدين توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَقيل سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَقد أناف على التسعين وَمن شعره من الْكَامِل
الوجد مَا قد هيج الطللانمني وأذكرني حمام البان
أَنا والحمائم حَيْثُ تندب شجوهافَوق الأرائك سحرة سيان
فَأَنا الْمَعْنى بالقدود أمالهاشرخ الشَّبَاب وَهن بالأغصان
مِنْهَا فِي المديح)
فافخر فَإنَّك من سلالة معشرعقدوا عمائمهم على التيجان
كل الْأَنَام بَنو أَب لكنمابِالْفَضْلِ تعرف قيمَة الْإِنْسَان
وَمِنْه فِي صفة فَهد من الْبَسِيط
من كل أهرت بَادِي السخط مطرح الحَيَاء جهم الْمحيا سيء الْخلق
وَالشَّمْس مذ لقبوها بالغزالة أعطته الرشا حسداً من لَوْنهَا اليقق
ونقطته حباء كي يسالمهاعلى المنايا نعاج الرمل بالحدق
هَذَا وَلم يبرزا يَوْمًا لناظرهمَعَ سلم جَانِبه إِلَّا على فرق
وَمِنْه فِي صفة الْخَيل
سود حوافرها بيض جحافلهاصبغ تولد بَين الصُّبْح والغسق
من طول مَا وطِئت ظهر الدجا خبباًوَطول مَا كرعت فِي منهل الفلق
قَالَ ابْن خلكان وَهَذِه الأبيات الَّتِي فِي الفهد مَعَ أَنَّهَا جَيِّدَة مَأْخُوذَة من أَبْيَات الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد السراج الصُّورِي وَكَانَ معاصره من جملَة قصيدة من الْبَسِيط
شتن البراثن فِي فِيهِ وَفِي يَدهمَا فِي الصوارم والعسالة الذبل
تنافس اللَّيْل فِيهِ وَالنَّهَار مَعًافقمصاه بجلباب من الْمقل
وَالشَّمْس مُنْذُ دَعُوهَا بالغزالة لمتبرز لناظره إِلَّا على وَجل
قلت وَأَخذه أَيْضا الْعَلامَة شهَاب الدّين مَحْمُود أَنْشدني لنَفسِهِ قِرَاءَة مني عَلَيْهِ قَالَ يصف الْعقَاب من جملَة رِسَالَة من المتقارب
ترى الطير والوحش فِي كفهاومنقارها ذَا عِظَام مزاله
فَلَو أمكن الشَّمْس من خوفهاإِذا طلعت مَا تسمت غزاله
وَمن شعر ابْن مسْهر من المتقارب
وَلما اشتكيت اشْتَكَى كل منعلى الأَرْض واعتل شَرق وَغرب
لِأَنَّك قلب لجسم الزَّمَانوَمَا صَحَّ جسم إِذا اعتل قلب
وَمِنْه من المديد
حسرت عَن يَوْمنَا النوبواكتسى من نوره العشب
واستقامت فِي مجرتهابالأماني السَّبْعَة الشهب
)
يَا خليلي أَي مصطبحفِيهِ للذات مصطحب
وثغور الزهر ضاحكةًودموع الْقطر تنسكب
وَلنَا فِي كل جارحةٍمن غنا أطياره طرب
إسقنيها بنت دسكرةهِيَ أم حِين تنتسب
خندريس دون مدَّتهَاجَاءَت الْأَزْمَان والحقب
طَاف يجلوها لنا رشأقصرت عَن لحظه القضب
أوقدتها نَار وجنتهفَهِيَ فِي كفيه تلتهب
وَلها من ذَاتهَا طربفَلهَذَا يرقص الحبب
قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب قَرَأت فِي تَارِيخ السَّمْعَانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا الْفَتْح عبد الرَّحْمَن بن أبي الْغَنَائِم مُحَمَّد بن الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي الْحسن عَليّ بن عبد الْغفار بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن الْوَزير أبي الصَّقْر إِسْمَاعِيل بن بلبل الشَّيْبَانِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الاخوة البيع الأديب الْكَاتِب مذاكرة يَقُول رَأَيْت فِي مَنَامِي منشداً ينشدني هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من الطَّوِيل
أعاتب فِيك اليعملات على السرىوأسأل عَنْك الرّيح من حَيْثُ هبت
وأطبق أحناء الضلوع على جوىجَمِيع وصبر مُسْتَحِيل مشتت
قَالَ أَبُو الْفَتْح فَلَمَّا انْتَبَهت جعلت دأبي السُّؤَال عَن قَائِل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مُدَّة فَلم أجد مخبرا عَنْهُمَا وَمضى على ذَلِك مُدَّة سِنِين ثمَّ اتّفق نزُول أبي الْحسن عَليّ بن مسْهر الْمَذْكُور فِي ضيافتي فتجارينا فِي بعض النكت إِلَى ذكر المنامات فَذكرت لَهُ حَال الْمَنَام الَّذِي رَأَيْته وأنشدته الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين فَقَالَ أقسم بِاللَّه أَنَّهُمَا من شعري من جملَة قصيدة وأنشدني مِنْهَا
إِذا مَا لِسَان الدمع نم على الْهوىفَلَيْسَ بسر مَا الضلوع أجنت
فو الله مَا أَدْرِي عَشِيَّة ودعتأناحت حمامات اللوى أم تغنت
وأعجب من صَبر القلوص الَّتِي سرتبهودجك المزموم أَنى اسْتَقَلت
أعاتب فِيك اليعملات الْبَيْتَيْنِ
قَالَ فعجبنا من هَذَا الِاتِّفَاق وَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب حكى لي كَمَال الدّين ابْن الشهرزوري أَنه كَانَ إِذا أعجبه معنى لشاعر أَو بَيت عمل عَلَيْهِ قصيدة وادعاه لنَفسِهِ
وَاجْتمعَ مرّة هُوَ والأبيوردي وَهُوَ لَا يعرف ابْن مسْهر فَجرى حَدِيث ابْن مسْهر وَأَنه سرق)
بَيت الأبيوردي فَقَالَ ابْن مسْهر بل الأبيوردي سرق شعري قلت يُرِيد قَوْله من المديد
وَلها من نَفسهَا طربفَلهَذَا يرقص الحبب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع