من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عَليّ بن دَاوُد
الشَّيْخ نجم الدّين القحفازي النَّحْوِيّ الْحَنَفِيّ عَليّ بن دَاوُد بن يحيى بن كَامِل بن يحيى بن جبارَة بن عبد الْملك بن يحيى بن عبد الْملك بن مُوسَى بن جبارَة بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء بن كُلَيْب بن جميل بن عبد الله بن مُصعب بن ثَابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الفريد الْكَامِل نجم الدّين أَبُو الْحسن ابْن القَاضِي عماد الدّين الْقرشِي الْأَسدي الزبيرِي القحفازي بِالْقَافِ والحاء الْمُهْملَة وَفَاء بعْدهَا ألف وزاي الْحَنَفِيّ شيخ أهل دمشق فِي عصره خُصُوصا فِي الْعَرَبيَّة قَرَأَ عَلَيْهِ الطّلبَة وانتفع بِهِ الْجَمَاعَة وَله النّظم والنثر وَالْكِتَابَة المليحة القوية المنسوبة وَله التندير الحلو والتنديب الرَّائِق يكثر من ذَلِك فِي كَلَامه ويشحن أشغاله الطّلبَة بالزوائد ويورد لَهُم النَّوَادِر والحكايات الظريفة والوقائع الغريبة المضحكة
سمعته يَوْمًا يَقُول لمنصور الكتبي رَحمَه الله تَعَالَى يَا شيخ مَنْصُور هَذَا أَوَان الْحجَّاج اشْتَرِ لَك مِنْهُم مِائَتي جراب وارمها خلف ظهرك إِلَى وَقت موسمها تكسب فِيهَا جملَة فَقَالَ لَهُ وَالله الَّذِي يشْتَغل عَلَيْك فِي الْعلم يحفظ مِنْك حرافاً قدره عشر مَرَّات
وَحكى لي نور الدّين عَليّ بن إِسْمَاعِيل الصَّفَدِي قَالَ أنْشد الشَّيْخ نجم الدّين يَوْمًا لغزاً للْجَمَاعَة وهم بَين يَدَيْهِ فِي الْحلقَة يشتغلون وَهُوَ فِي مجزوء الْكَامِل
يَا أَيهَا الحبر الَّذِيعلم الْعرُوض بِهِ امتزج
إبني لنا دَائِرَةفِيهَا بسيط وهزج
ففكر الْجَمَاعَة فِيهَا زَمَانا فَقَالَ وَاحِد مِنْهُم هَذِه الساقية فَقَالَ لَهُ دورت فِيهَا زَمَانا حَتَّى ظَهرت لَك يُرِيد أَنه ثَوْر يَدُور فِي الساقية
وَجئْت إِلَيْهِ فِي سنة سبع عشرَة وَسبع مائَة وَسَأَلته فِي أَن أَقرَأ عَلَيْهِ المقامات الحريرية فَقَالَ وَالله أَنا قَلِيل الْأَدَب وَهُوَ فِي ذَلِك كُله يَقُول بانبساط وَسُرْعَة
وَقيل لي إِنَّه لنما عمر الْأَمِير سيف الدّين تنكر ﵀ الْجَامِع الَّذِي لَهُ بِدِمَشْق كَانَ قد عينوا لَهُ شخصا من الْحَنَفِيَّة يلقب الكشك ليَكُون خَطِيبًا فَلَمَّا كَانَ يَوْم وَهُوَ يمشي فِي الْجَامِع الْمَذْكُور أجري لَهُ ذكر الشَّيْخ نجم الدّين ومجموع فضائله وَأَنه فِي الْحَنَفِيَّة مثل الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني فِي الشَّافِعِيَّة فَأحْضرهُ وَاجْتمعَ بِهِ وتحدثا ثمَّ قَالَ لَهُ وهم فِي الْجَامِع)
يَمْشُونَ أيش تَقول فِي هَذَا الْجَامِع فَقَالَ مليح وصحن مليح لَكِن مَا يَلِيق أَن يكون فِيهِ كشك
فأعجب ذَلِك الْأَمِير سيف الدّين تنكز وَأمر لَهُ بخطابه الْجَامِع الْمَذْكُور ثمَّ بعد مُدَّة رسم لَهُ بتدريس الركنية فباشرها مديدة ثمَّ نزل عَنْهَا وَقَالَ لَهَا شَرط لَا أقوم بِهِ ومعلومها فِي الشَّهْر جملَة تَركه تورعاً
وَهُوَ مَعَ هَذِه الْعُلُوم يعرف الإسطرلاب جيدا وَيحل التقاويم فِيمَا أَظن وَهُوَ فريد عصره يشغل فِي الْمُخْتَصر لِابْنِ الْحَاجِب وَفِي مذْهبه الْحَنَفِيّ وَفِي الحاجبية والمقرب ويعرفهما جيدا إِلَى الْغَايَة وَفِي ضوء الْمِصْبَاح وَغَيره من كتب الْمعَانِي وَالْبَيَان مولده ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وست مائَة نقلت مولده وَنسبه من خطه وَمن شعره فِي مليحة اسْمهَا قُلُوب من السَّرِيع
عَاتَبَنِي فِي حبكم عاذليزْعم نصحي وَهُوَ فِيهِ كذوب
وَقَالَ مَا فِي قَلْبك اذكره ليفَقلت فِي قلبِي الْمَعْنى قُلُوب
وَمِنْه فِي مليح نحوي من السَّرِيع
أضمرت فِي الْقلب هوى شادنٍمشتغلٍ فِي النَّحْو لَا ينصف
وصفت مَا أضمرت يَوْمًا لَهُفَقَالَ لي الْمُضمر لَا يُوصف
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ من أَبْيَات كتبهَا جَوَابا إِلَى الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الْبَاقِي الْيَمَانِيّ من المديد
بِأبي بكر خصصت بهَامن أخي الْأَفْضَل والمنن
أَقبلت تختال فِي حللوشيها من صَنْعَة اليمني
فرعها يملي خلاخلهامَا يَقُول القرط فِي الْأذن
وكتبت إِلَيْهِ لما وضعت هَذَا المعجم أطلب مِنْهُ مَا أستعين بِهِ على تَرْجَمته الْعَادة فِي مثل ذَلِك وَمِنْه من الْخَفِيف
يَا مُفِيد الورى مَعَاني الْمَعَالِيوَإِمَام الْأَنَام فِي كل علم
إِن لي معجماً كأفق فسيحأشتهي أَن يزان مِنْك بِنَجْم
فَتَأَخر جَوَابه فَكتبت إِلَيْهِ ثَانِيًا من الطَّوِيل
ظَفرت بوعد مِنْك بَلغنِي المنىوجودك نجم الدّين لَيْسَ يحول
)
وَقد طَال ليلِي لانتظار وُرُودهولي الَّذِي يرْعَى النُّجُوم طَوِيل
وكتبت مَعَه سؤالاً يتَعَلَّق بالمعاني فِي قَوْله تَعَالَى حَتَّى إِذا أَتَيَا أهل قَرْيَة استطعما أَهلهَا وَهُوَ من الطَّوِيل
أَلا إِنَّمَا الْقُرْآن أكبر معجزلأَفْضَل من يهدى بِهِ الثَّقَلَان
وَمِنْه جملَة الإعجاز كَون اختصارهبإيجاز أَلْفَاظ وَبسط معَان
ولكنني فِي الْكَهْف أَبْصرت آيَةبهَا الْفِكر فِي طول الزَّمَان عناني
وَمَا ذَاك إِلَّا استطعما أَهلهَا فقدنرى استطعما هم مثله بِبَيَان
فَمَا الْحِكْمَة الغراء فِي وضع ظَاهرمَكَان ضمير إِن ذَلِك لشان
فَكتب إِلَيّ بِخَطِّهِ مجيباً عَن الأول وَالثَّانِي من مجزوء الرجز على الله توكلت
يَا سائلي عَن نسبيومولدي وأدبي
وَمَا قَرَأت فِي الْعُلُوّم من شرِيف الْكتب
وَمَا أخذت ذَاك عَنهُ من شُيُوخ مذهبي
وَغَيرهم مِمَّن حوىسر كَلَام الْعَرَب
وَمَا الَّذِي سمعتهعَن النَّبِي الْعَرَبِيّ
صلى عَلَيْهِ الله مَا احلولك جنح غيهب
وَذكرت شَيْئا صغتهمن شعري الْمُنْتَخب
وَمَا الَّذِي صنفتهمن كتب وخطب
لَوْلَا وجوب حُرْمَة القصد ورعي الرتب
مَا قلت ذَاك خشيَةمن حَاسِد مؤنب
يَقُول إِنِّي قلتهمفتخراً بحسبي
لكنما الْبُخْل بِمَاسُئِلت لَا يحسن بِي
والمقتضى مني لَهُلَا يأتلي فِي الطّلب
وَهُوَ خَلِيل فِي الرخاوعدة فِي الكرب
وهمه فِي جمع شمل الْفضل لَا فِي الشنب
)
وَمَا صَلَاح الدّين إلافي اقتناء الْقرب
هَذَا الَّذِي أوجب لييَا صَاح كشف الْحجب
عَن محتدي ومولديوفضلي المحتجب
فَقلت غير آمنمن عائب مندب
مُخْتَصرا مُقْتَصرامعتذراً من رهبي
مَا ستراه وَاضحامرتسماً عَن كثب
لَا زلت للفضل حمىولبنيه كَالْأَبِ
تجمع شَمل ذكرهممخلداً فِي كتب
أما الْعُلُوم وَمن أخذت عَنهُ فالقرآن الْعَزِيز عَن الشَّيْخ عَلَاء الدّين ابْن الْمُطَرز وَكَانَ قد أَخذ الْقرَاءَات السَّبع عَن عماد الدّين بن وهران الْموصِلِي قَرَأت عَلَيْهِ رِوَايَة أبي عَمْرو من طَرِيق الدوري والسوسي إفراداً وجمعاً وَأما الْفِقْه فَعَن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابْن الحريري قبل أَن يُبَاشر الحكم ثمَّ عَن قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين قبل أَن يُبَاشر الحكم أَيْضا مَعَ الْفَرَائِض
وَأما أصُول الْفِقْه فَعَن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة فَإِنَّهُ كَانَت لَهُ عناية بمختصر ابْن الْحَاجِب وَعَن الشَّيْخ جلال الدّين الْخَبَّازِي الْحَنَفِيّ وَأما أصُول الدّين فَحفِظت فِيهِ عقيدة الطَّحَاوِيّ واعتنيت بحلها وبمطالعة كتب الْأُصُول لأَصْحَاب أبي حنيفَة وَغَيرهم وَأما علم النَّحْو فَعَن الشَّيْخ شرف الدّين الْفَزارِيّ ثمَّ عَن الشَّيْخ مجد الدّين التّونسِيّ مَعَ علم التصريف
وَأما علم البلاغة فَعَن الشَّيْخ بدر الدّين ابْن النَّحْوِيّ الْحَمَوِيّ حِين جَاءَ إِلَى دمشق فِي سنة تسع وَتِسْعين مَعَ الجفال وَنزل بالباذرائية قَرَأت عَلَيْهِ فِي كِتَابه ضوء الْمِصْبَاح وَفِي شَرحه الَّذِي سَمَّاهُ إسفار الصَّباح عَن ضوء الْمِصْبَاح وَأما الْمنطق وَعلم الجدل فَعَن الشَّيْخ سراج الدّين الرُّومِي الْحَنَفِيّ مدرس الفرخشاتية والسفينة بالجامع الْأمَوِي وَأما علم الْوَقْت فَعَن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة فِي مقدمته الَّتِي صنفها فِي علم الاصطرلاب ثمَّ عَن الشَّيْخ بدر الدّين ابْن دانيال بِمَدِينَة الكرك حِين جفل جمَاعَة من الْأَعْيَان إِلَيْهَا خوفًا من الْعَدو المخذول سنة سبع مائَة فِي مقدمته الَّتِي صنفها فِي علم الاصطرلاب وَهِي مُطَوَّلَة مفيدة وَأما علم الْعرُوض فَمن الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي ذَلِك وَأما حل المترجم فَوجدت فِي بعض الْكتب فِيهِ كلَاما غير شافي ثمَّ أَخَذته بِالْقُوَّةِ حَتَّى كتب لي فِيهِ
)
إِن زرزوراً ووزة زودا دَاوُد زادا وحللته مَعَ قلَّة مَا يسْتَدلّ بِهِ فِيهِ وَأما الَّذين سَمِعت عَلَيْهِم الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة على قَائِلهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فالشيخ برهَان الدّين ابْن الدرجي وَكَانَ معمراً سَمِعت أَجزَاء كَثِيرَة عَلَيْهِ فِيمَا حول سنة ثَمَانِينَ وست مائَة وقاضي الْقُضَاة جمال الدّين الْمَالِكِي سَمِعت مِنْهُ موطأ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى وَالشَّيْخ نجم الدّين الشقراوي الْحَنْبَلِيّ وَغَيرهم مِمَّن لم يحضرني اسْمه الْآن
وَسمعت مُخْتَصر الرِّعَايَة للمحاسبي على قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين ابْن الْبَارِزِيّ قَاضِي حماه حِين قدم إِلَى دمشق قَاصِدا الْحَج
وَأما الرِّوَايَة فَإِنِّي لم أسمح لأحد بِأَن يروي عني مسموعاتي لصعوبة مَا شَرطه أَصْحَابنَا فِي الضَّبْط بِالْحِفْظِ من حِين سمع إِلَى حِين روى وَأَن الْكتب الَّتِي سَمعتهَا لم تكن مَحْفُوظَة عِنْدِي فضلا عَن حفظ مَا سمعته وَأما مَا صنفته من الْكتب فَإِنِّي رغبت عَن ذَلِك لمواخذتي للمصنفين فَكرِهت أَن أجعَل نَفسِي غَرضا لمن يَأْخُذ عَليّ غير أَنِّي جمعت منسكاً لِلْحَجِّ أفردت فِيهِ أَنْوَاع الْجِنَايَات وَمَعَ كل نوع مَا يجب من الْجَزَاء على من وَقع فِيهِ ليَكُون أسهل فِي الْكَشْف ومعرفته وَكَانَ ذَلِك بسؤال امْرَأَة صَالِحَة لَا أعلم فِي زَمَاننَا أعبد مِنْهَا وانتفع بِحسن الْقَصْد فِيهِ وبركتها خلق كثير وَأما مَا سمحت بِهِ القريحة الجامدة والفكرة الخامدة فَمن ذَلِك مَا كتبت بِهِ إِلَى عماد الدّين بن مزهر وَقد كَانَ يجْتَمع مَعنا فِي ليَالِي الشتَاء عِنْد بعض الْأَصْحَاب فَلَمَّا مَاتَ عَمه تزوج جَارِيَته وَانْقطع عَنَّا فَقلت من الْخَفِيف
إِن يكن خصك الزَّمَان بخودٍذَات قدٍ لدنٍ وخدٍ أسيل
فَلَقَد فزت بالسعادة والرحب وفارقتنا بِوَجْه جميل
وَقلت متذكراً لزيارة الْكَعْبَة وزيارة سيد الْمُرْسلين عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام من الْبَسِيط
يَا ربة السّتْر هَل لي نَحْو مغناكمن عودة أجتلي فِيهَا محياك
أم هَل سَبِيل إِلَى لقياك ثَانِيَةلمغرم مَا مناه غير لقياك
لَهُ نوازع شوق بَات يضرمهابَين الجوانح والأحشاء ذكراك
لم ننس طيب لياليك الَّتِي سلفتوَكَيف ينساك صب بَات يهواك
يَا ربة الْخَال كم قد طل فِيك دمفَمَا أجل بِعرْض البيد قتلاك
أسرت بالْحسنِ ألباب الْأَنَام فَمَاأعز فِي ذل ذَاك الْأسر أسراك
)
مَاذَا عساها ترى تنأى الديار بِنَالَو كنت فِي مسْقط الشعرى لجئناك
وَلَو تحجبت بالسمر الذوابل عَنزوار ربعك يَا سمرا لزرناك
ذلت لعزك أَعْنَاق الْمُلُوك فَمَاأعلاك يَا مُنْتَهى سولي وأغلاك
تهتكت فِيك أَسْتَار الْهوى وَلهالما بدا خلال السّتْر معناك
يَا هَل ترى يسمح الدَّهْر المشت بِمَاأرجوه من قرب مغناك لمضناك
واجتلى من محياك الْجَمِيل ضحىمَا بَات يحكيه لي من حسنك الحاكي
من بعد حط رحالي فِي حمى أرجإِلَّا رجا بالمصطفى الْهَادِي الرضي الزاكي
خير الْخَلَائق طراً عِنْد خالقهوَخَاتم الرُّسُل ماحي كل إشراك
سباق غايات أقْصَى الْفضل والشرفالْأَعْلَى وراقي الْعلَا من غير إِدْرَاك
مهْدي المعارف مبدي كل غامضةمسدي العوارف مردي كل فتاك
مُحَمَّد ذِي الْمقَال الصَّادِق الْحسنالمصدوق فِي القَوْل مقصي كل أفاك
يَا نفس إِن بلغتك العيس حجرتهوصافحت يمن ذَاك الرّبع يمناك
ونلت مأمولك الْأَقْصَى بلثم ثرىأعتابه وَبَلغت الْقَصْد من ذَاك
وَقمت بَين يَدَيْهِ للسلام علىأَقْدَام ذَلِك تذري الدمع عَيْنَاك
وَقد مددت يَد الإملاق طالبةًسُؤَاله لَك عفوا عِنْد مَوْلَاك
فقد بلغت المنى والسول فاجتهديهُنَاكَ واستنجدي لي طرفك الباكي
عساك أَن ترزقي عطفا عَلَيْك فَإِنرزقت ذَاك فيا وَالله بِشِرَاك
وليهنك السعد إِذْ حطت رحالك فِيربع بِهِ لم تزل تحدي مطاياك
فثم أندى الورى كفا وأعظمهمجاهاً وأرحبهم صَدرا لملقاك
وَخَيرهمْ لنزيل فِي حماه وأوفاهم ذماماً وأملاهم بجدواك
واحر قلباه من شوقي لرُؤْيَتهفقد تقادم عهد الشيق الشاكي
بِاللَّه يَا نفس كوني لي مساعدةحاشاك أَن تخذليني الْيَوْم حاشاك
وجددي الْعَزْم فِي ذَا الْعَام واجتهديعَسى بذلك تخبو نَار أحشاك
فَإِن حرمت لقاه تِلْكَ معذرةوَإِن ظَفرت بِهِ يَا نجح مسعاك
صلى عَلَيْهِ إِلَه الْعَرْش مَا قطعتكواكب الْأُفق لَيْلًا برج أفلاك
)
وَقلت عِنْد قدوم الْحَاج فِي بعض السنين أبياتاً وأنشدني بدار الحَدِيث الأشرفية من الْخَفِيف
يَا نياق الحجيج لَا ذقت سهداًبعْدهَا لَا وَلَا تجشمت وخدا
لَا فدينا سواك بِالروحِ مناأَنْت أولى من بَات بِالروحِ يفدى
يَا بَنَات الذميل كَيفَ تركتنشعاب الغضا وسلعاً ونجدا
مرْحَبًا مرْحَبًا وَأهلا وسهلاًبِوُجُوه رَأَتْ معالم سعدى
وَلم يحضرني بَاقِيهَا
وَلما ظفر قازان سنة تسع وَتِسْعين ثمَّ جَاءَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبع مائَة فَكسر وَقيل لي إِن قازان عِنْدهم اسْم للقدر قلت من الرجز
لما غَدا قازان فخاراً بِمَاقد نَالَ بالْأَمْس وأغراه البطر
جَاءَ يرجي مثلهَا ثَانِيَةفَانْقَلَبَ الدست عَلَيْهِ فانكسر
وَلما ذهب بدر الدّين ابْن بضحان مَعَ الجفال إِلَى مصر وَأقَام هُنَاكَ كتبت إِلَيْهِ من الْكَامِل
يَا غَائِبا قد كنت أَحسب قلبهبسوى دمشق وَأَهْلهَا لَا يعلق
إِن كَانَ صدك نيل مصر عَنْهُملَا غرو فَهُوَ لنا الْعَدو الْأَزْرَق
وَكَانَ من فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة شخص يُقَال لَهُ شهَاب الدّين التعجيزي ينظم شعرًا فِي زعله فَعمل أبياتاً فِي شخص كَانَ يُحِبهُ وكتبها لي أَولهَا
أيا المعرض لَا عَن سَبباأصلحك الله وصالي الأربا
وَفِي هَذَا مَا يُغني عَن بَاقِيهَا فَكتبت إِلَيْهِ من الْخَفِيف
يَا شهاباً أهْدى إِلَيّ قريضاًخَالِيا عَن تعسف الألغاز
جَاءَنِي مُؤذنًا برقة طبعحِين رشحته بِبَاب الْمجَاز
إِن تكن رمت عَنهُ مني جَزَاءفأقلني فلست مِمَّن يجازي
وَمن خطب فَاتِحَة خطْبَة رَأس السّنة الْحَمد لله الَّذِي لَا تدْرك كنه عَظمته ثواقب الأفهام وَلَا يُحِيط بمعارف عوارفه خطرات الأوهام وَلَا تبلغ مدى شكر نعْمَة محامد الْأَنَام الَّذِي طرز بعسجد الشَّمْس حَوَاشِي الْأَيَّام ورصع بجواهر النُّجُوم حلَّة الظلام وَفصل بلجين الْأَهِلّة عُقُود الشُّهُور والأعوام
أَحْمَده على نعمه الجلائل الْعِظَام ومننه الشوامل الجسام واشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا)
شريك لَهُ شَهَادَة لَا ينقص لَهَا تَمام وَلَا يخفر لَهَا ذمام وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ وسوق الْبَاطِل قد قَامَ ومحب الضلال قد هام وطرف الرشد قد نَام وأفق
الْحق قد غام فَجرد سيف الْعَزْم وشام وعنف على الغي وَلَام واقتاد الْخَلِيفَة إِلَى السَّعَادَة بِكُل زِمَام
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْخيرَة الْكِرَام صَلَاة لَا انْفِصَال لمتتابعها وَلَا انفصام
وَقلت فِي فَاتِحَة عيد الْأَضْحَى الْحَمد لله الْعَظِيم شانه الْعَزِيز سُلْطَانه الْقَدِيم إحسانه العميم غفرانه الَّذِي دعت عوارف إحسانه إِلَى عَرَفَات عزماته من كل طَرِيق فلبتها قُلُوب أولي الْإِنَابَة مسرعة فِي الْإِجَابَة وأمتها من كل فج عميق أَحْمَده على نعمه الَّتِي أحلّت مغنى الْغنى فتحلت بفرائدها الأجياد ومننه الَّتِي بلغت مني المنى وكل الْأَيَّام بهَا أعياد واشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة لَا يخلق الملوان جديدها وَلَا تنَال يَد الشَّك مشيدها وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ رَحْمَة للبرايا ومحذراً من شَرّ عواقب الْخَطَايَا فطهر من رجسها السجايا وسَاق إِلَى محلهَا الْهَدَايَا وَبعث الهمم على الضَّحَايَا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله المبرإين من الدنايا صَلَاة لَا تنفك بتعاهد معاهدهم فِي البكور والعشايا
وَأما خطب الأصدقة فكثير وَكَذَا مَا كتبته لمن عرض عَليّ كتابا مِمَّا يُنَاسب اسْمه وَكتابه كثيرا أَيْضا وَمن عَجِيب مَا اتّفق فِي ذَلِك من براعة الاستهلال مَا كتبته للْمولى الْمَالِك شهَاب الدّين أَحْمد ابْن الْمولى شرف الدّين ابْن الْمولى شمس الدّين ابْن المرحوم شهَاب الدّين مَحْمُود أعزه الله تَعَالَى ورحم سلفه حِين عرض عَليّ مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل شرف الْعلم مَنُوطًا بشرف الدّين فَحق لمن تحلى بهما أَن يكون جده مَحْمُودًا وعاقبته أَحْمد وَفِي ذكره طول وَهُوَ عِنْد الْمولى شهَاب الدّين أَحْمد الْمَذْكُور
وَمِمَّا يلْحق بالشعر الْمُتَقَدّم مَا كتبته للْمولى الْمَالِك جمال الدّين ابْن المرحوم عَلَاء الدّين بن غَانِم حِين جَاءَنِي توقيع بتدريس العذراوية بِخَطِّهِ وإنشائه وَقد تصدق بهَا ملك الْأُمَرَاء تغمده الله برحمته من غير سُؤال من المجتث
وافى إِلَيّ كتابحُلْو من الدّرّ حَالي
صاغته فكرة سَارإِلَى العلى غير سالي
يسري وَرَاء سراةتشتاقهن الْمَعَالِي
)
مرصع بلآلمشرف بمثال
من عِنْد أكْرم مولىيُعْطي بِغَيْر سُؤال
فَمَا رَآهُ صديقمن الصُّدُور الموَالِي
إِلَّا وَقَالَ سَرِيعاهَذَا بديع الْجمال
وَأما الْجَواب عَن إِعَادَة لَفظه الْأَهْل فِي قَوْله تَعَالَى حَتَّى إِذا أَتَيَا أهل قَرْيَة استطعما أَهلهَا وَلم يقل استطعماهم وَالْمحل مَحل الْإِضْمَار وَفِيه الإيجاز فقد علم أَن البلاغة لَا تخْتَص بالإيجاز وَإِنَّمَا هُوَ نوع من أَنْوَاعهَا وَأَن مدَار حسن الْكَلَام وارتفاع شَأْنه فِي الْقبُول بإيراده مطابقاً لمقْتَضى الْحَال فَإِن كَانَ مُقْتَضى الْحَال خليقاً ببسط الْكَلَام تعلّقت البلاغة ببسطه وَإِن كَانَ حَقِيقا بالإيجاز كَانَت البلاغة فِي إِيرَاده كَذَلِك ثمَّ قد يعرض للبليغ أُمُور يحسن مَعهَا إِيرَاد الْكَلَام على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر فَينزل غير السَّائِل منزلَة من يسْأَل إِذا كَانَ قد لوح لَهُ بِمَا يَقْتَضِي السُّؤَال وَينزل غير الْمُنكر منزلَة الْمُنكر إِذا ظَهرت عَلَيْهِ مخايل الْإِنْكَار
ويوقع الْمُضمر فِي مَوضِع الظَّاهِر وَالظَّاهِر فِي مَوضِع الْمُضمر إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الْمَذْكُورَة فِي علم البلاغة وَالَّذِي حسن إِيقَاع الظَّاهِر موقع الْمُضمر فِي الْآيَة الْكَرِيمَة أَن الظَّاهِر أدل على الْمَعْنى الَّذِي وضع اللَّفْظ لَهُ من الْمُضمر لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهِ بِنَفسِهِ والمضمر يدل عَلَيْهِ بِوَاسِطَة مَا يفسره وَقصد الْمُتَكَلّم هُنَا الْإِخْبَار عَن الَّذين طلب مِنْهُم الْإِطْعَام أَنهم أهل الْقرْيَة لِأَن من غشية الضَّيْف فِي منزله وَلم يعْتَذر بِعُذْر عَن إكرامه بل قابله بِالْمَنْعِ مَعَ ظُهُور حَاجته الَّتِي أوجبت لَهُ أَن يسْأَل مِنْهُ ذَلِك لِأَن الْمَسْأَلَة آخر أَسبَاب الْكسْب يعلم بذلك أَن الْحَامِل لَهُ على الِامْتِنَاع من إِضَافَته لؤم الطَّبْع وَاتِّبَاع مَذْمُوم الْبُخْل وَالشح المطاع كَمَا قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل
حَرِيص على الدُّنْيَا مضيع لدينِهِوَلَيْسَ لما فِي بَيته بمضيع
حَتَّى روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانُوا أهل قَرْيَة لِئَامًا وَمن كَانَت هَذِه سجيته وَهَذَا حَاله كَانَ حرياً بِالْإِعْرَاضِ عَنهُ وَعدم مُقَابلَته بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ إصْلَاح الْخضر ﵇ لجدار مشرف على السُّقُوط فِي الْقرْيَة الَّتِي هَؤُلَاءِ أَهلهَا من غير طلب أجر على ذَلِك مِنْهُم مَعَ الْحَاجة إِلَى ذَلِك عجب من ذَلِك وَأنْكرهُ حَتَّى كَأَنَّهُ نسي مَا قدمه من وعده إِيَّاه بِالصبرِ وبعدم المصاحبة إِن سَأَلَهُ عَن شَيْء بعد ذَلِك)
مَعَ حرصه على صحبته والتعلم مِنْهُ وَكَانَ فِي إِعَادَة لَفظه الْأَهْل فِي الْآيَة الْكَرِيمَة إِقَامَة لعذر مُوسَى ﵇ فِي الِاعْتِرَاض فِي هَذِه الْحَالة لِأَنَّهَا حَالَة لَا يصبر عَن الِاعْتِرَاض فِيهَا لِأَن حَالهم يَقْتَضِي بذل الْأُجْرَة فِي إصْلَاح أَمر دنياوي لحرصهم وشحهم فَترك طلب الْأُجْرَة
على إصْلَاح ذَلِك مَعَ الضَّرُورَة وَالْحَاجة وَقع إحساناً إِلَى أَهلهَا الَّذين قابلوهما بِالْمَنْعِ عَن الضِّيَافَة
وَكَانَت البلاغة مُتَعَلقَة بِلَفْظِهِ الْأَهْل الَّتِي هِيَ الحاملة على الْإِعْرَاض ظَاهرا فأطلعه الْخضر ﵇ بِأَن الْجِدَار إِنَّمَا كَانَ ليتيمين من أَهلهَا واليتيم مَحل الرَّحْمَة وَلَيْسَ محلا لِأَن يطْلب مِنْهُ أُجْرَة إِمَّا لعَجزه لفقره وَهُوَ الظَّاهِر أَو لِأَنَّهُ لَا يجوز تصرفه فِي مَاله وَلِهَذَا قَالَ رَحْمَة من رَبك وَلم يكن لأَهْلهَا الَّذين أَبَوا أَن يضيفونا وَالله ﷾ أعلم قلت جَوَاب الشَّيْخ نجم الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي غَايَة الْحسن وَهُوَ كَلَام عَارِف بِهَذَا الْفَنّ جَار على الْقَوَاعِد وَالَّذِي قَالَه الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْجَواب عَن ذَلِك ملخصه أَنه إِنَّمَا أعَاد اللَّفْظ بِلَفْظ الظَّاهِر لأمرين أَحدهمَا أَن استطعم صفة ل قَرْيَة فَلَو قَالَ استطعماها لَكَانَ مجَازًا إِذْ الْقرْيَة لَا تستطعم فَلَا بُد من ذكر الضَّمِير وَلَا يُمكن ذكره وَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ إِلَّا بِذكر الْمُضَاف وَلَا يُمكن ذكر الْمُضَاف مضمراً فَتعين ذكره مظْهرا وَلَا يرد عَلَيْهِ أَن استطعما جَوَاب ل إِذا لَا صفة ل قَرْيَة لأَنا نقُول لقَوْله فِي الْقِصَّة الْأُخْرَى حَتَّى إِذا لقيا غُلَاما فَقتله فَقَالَ هَا هُنَا جَوَاب إِذا مُتَعَيّن وَلَا يَسْتَقِيم أَن يكون فَقتله جَوَابه إِذْ الْمَاضِي الْوَاقِع فِي جَوَاب إِذا لَا يكون بِالْفَاءِ فَتعين فِيهِ قَالَ وَالظَّاهِر أَن الْجَواب فِي الْقِصَّة الْأُخْرَى هَكَذَا لِأَنَّهَا فِي مساق وَاحِد
الثَّانِي أَن الْأَهْل لَو أضمر لَكَانَ مَدْلُوله مَدْلُول الأول وَمَعْلُوم أَنه جمع الْأَهْل أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت أتيت أهل قَرْيَة كَذَا إِنَّمَا تَعْنِي وصلت إِلَيْهِم فَلَا خُصُوصِيَّة لبَعْضهِم والاستطعام فِي الْعَادة إِنَّمَا يكون لمن يَلِي النَّازِل بهم وهم بَعضهم فَوَجَبَ أَن يُقَال استطعما أَهلهَا لِئَلَّا يفهم أَنهم استطعموا جَمِيع الْأَهْل وَلَيْسَ كَذَلِك وَقد أجابني عَن هَذَا السُّؤَال أَيْضا مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن عَليّ السُّبْكِيّ أمتعنا الله بفوائده بِجَوَاب طَوِيل نظم ونثر وَقد كتبته بخطي وقرأته عَلَيْهِ وَهُوَ مُثبت فِي التَّذْكِرَة
الْمُجَاهِد صَاحب الْيمن)
عَليّ بن دَاوُد بن يُوسُف بن عمر بن عَليّ بن رَسُول السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد أَبُو يحيى سيف الْإِسْلَام ابْن الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين ابْن الْملك المظفر ابْن الْملك الْمَنْصُور نور الدّين هُوَ صَاحب الْيمن قد تقدم ذكر وَالِده دَاوُد وَسَيَأْتِي
ذكر جده يُوسُف وَذكر جد أَبِيه عمر فِي مكانيهما
ولد الْملك الْمُجَاهِد تَقْرِيبًا سنة إِحْدَى وَسبع مائَة بتعز وَولي الْملك بعد وَالِده وَجَرت لَهُ حروب وكروب ذكرتها مُخْتَصرا فِي تَرْجَمَة وَالِده قَرَأَ الْقُرْآن وختمه وَحفظ التَّنْبِيه وَبحث وَشرح وَتخرج على أَشْيَاخ مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الصَّنْعَانِيّ وتأدب على الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الْبَاقِي الْيَمَانِيّ وَأخذ بَقِيَّة الْعلم عَن الْأَشْيَاخ بِالْيمن وَعَن الغرباء الْفُضَلَاء الداخلين إِلَى الْيمن
وَنظر فِي الْعُلُوم وناظر وشارك وَله فهم وذوق فِي الْأَدَب
أَخْبرنِي الشَّيْخ الإِمَام صدر الدّين سُلَيْمَان بن دَاوُد بن عبد الْحق وَقد تقدم ذكره أَنه عِنْده ذكاء مفرط وَأَنه قَرَأَ عَلَيْهِ الْمَنْظُومَة بحثا وفهماً وَكِتَابَة وضبطاً وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا الْمِصْبَاح لِابْنِ مَالك قَالَ ويلعب بِالرُّمْحِ وَيَرْمِي بالنشاب جيدا وَقَالَ إِنَّه برز وَحده لسبع مائَة نفر من مماليك وَالِده وجماعته لما خرج عَلَيْهِ النَّاصِر بعد وَالِده بزبيد وَوصف لي من لطفه وآدابه مَعَ من يحاضره وَيخْتَص بِهِ شَيْئا كثيرا وَقَالَ إِن فِيهِ كرماً ومحبة لأهل الْعلم وللفقراء وكتابته أَنا رَأَيْتهَا وَهِي فِي غَايَة الْقُوَّة والسرعة وقفت أَنا عَلَيْهَا فِي عدَّة مراسلات إِلَى صدر الدّين الْمَذْكُور وأنشدني الشَّيْخ صدر الدّين قَالَ كتبت إِلَى الْملك الْمُجَاهِد لما طلع من زبيد سنة إِحْدَى وَخمسين وَسبع مائَة وَقد ركب فِي شختور فِي الْبَحْر وَتصدق وأغدق من الطَّوِيل
وَلم أنس يَوْم الشرم وَالْبَحْر سَاكنوَقد سَار شختور وَفِي وَسطه الْبَدْر
عَليّ بن دَاوُد الَّذِي حَيْثُمَا سرىسرى الْجُود وَالْإِحْسَان والبشر واليسر
تملك كل الأَرْض قهرا بِسَيْفِهِوَأدنى عطاياه الصواهل والدر
عجبت لشختور الْمُجَاهِد إِذْ سرىوَمن فَوْقه بَحر وَمن تَحْتَهُ بَحر
قَالَ فَأَجَابَنِي عَن ذَلِك من الطَّوِيل
لقد جَاءَ صدر الدّين بالنظم فاخراًوأوجز مَا يحْكى بِمَا بَين الشّعْر
حكايات ليل النَّحْل لَا كَانَ وَاديالقد تعبت مِنْهُ القوائم وَالظّهْر
وَقد زَاد قبحاً بِالسُّيُوفِ فغيرتبِهِ طرقاً قد حَار فِي وصفهَا الْفِكر
)
وَلَكِن تسلينا عَن الْهم كُلهتعز حماها الله وأسعدها الدَّهْر
وَمن شعر الْملك الْمُجَاهِد صَاحب الْيمن
عَجِيب على ذَا الْقلب من جنبوفِي عشق من لَا فِي الْهوى جن بو
وَمن يرحمو من يتحفو حج بومن جور من شخصو عَلَيْهِ حجبو
للنجم يُمْسِي مسامرعلى أهيل شعب عَامر
فالحب ناهي وآمر
هجرو وبعدو يَا رفاق اتعبووَأَن عاتبو خلو فَهُوَ يعتبو
حكم عَليّ الْحبّ أبقى كَذَامَا حيلتي ساآصبر لهَذَا وَذَا
من ذَا يلمني فِي هواكم هذىفمذهبي فِي الْعِشْق غير مذهبو
مَا حول آنا عَن وداديلَو أطالوا بعادي
واحسرتي وافؤادي
فَلَيْسَ وَالله من يخن صاحبووآن لم يطيعو كلما صَاح بو
الْأَمر أمرو وَمَا اشْتهى فِيهِ أَمروآن قَالَ أذْنب فمثلو غفر
العَبْد يعرف سيدو من قدرعَفا وَقَالَ الذَّنب لَا أطلبو
فاصفحوا يَا موَالِيفانا الْمُحب الموَالِي
وارحموا ضعف حَالي
قُولُوا نعم نعفو الَّذِي اذنبوفَمن رضانا قد معو اذن بو
بالخيف والمسعى أطيل الْغَزلواشتاق من فِيهِ طيبَة قد نزل
على مديح الْمُصْطَفى لم أزلمن قاب قوسين الْإِلَه قربو
يَا هاشمي يَا مُشَفعنرجو بك الرب ينفع
مَا نخشى بك ندفع
يَا سَاكِنا فِي طيبَة مَا أطيبومذ حل فِي الشّعْر وَمَا أعذبو
وكتبت أَنا إِلَى الشَّيْخ صدر الدّين وَقد ورد من الْحجاز سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسبع مائَة إِلَى دمشق وَقصد الْعود إِلَى الْيمن فَسَأَلَهُ الْإِقَامَة أَهله وَأَصْحَابه فَأبى عَلَيْهِم وصمم وَذكر من إِحْسَان الْملك الْمُجَاهِد إِلَيْهِ مَا أوجب أَن أسلمنَا إِلَيْهِ المقادة وَتَرَكْنَاهُ وَمَا أَرَادَهُ من الْبَسِيط)
يَا من أباع دمشق الشَّام بِالْيمنوَقد السّير لَا يلوي على سكن
مَا كنت أَحسب إنْسَانا سواك رأىجنَّات عدن فعداها إِلَى عدن
هَذَا وَكم نلْت من ساحاتها وطراًوَكم عمرت بهَا فِي اللَّهْو من وَطن
وَكم رشفت سلافاً من أقاح فَموَكم رَأَيْت بهَا بَدْرًا على غُصْن
وَكم ظَفرت بِمن لَوْلَا محاسنهولطفه خلت الدُّنْيَا من الْفِتَن
وَمَا بَرحت امْرَءًا فِينَا أَخا حكموكل أَفعاله تجْرِي على سنَن
فَكيف تخدع عَن هذي المحاسن أَوتجوز العذل فِيهَا مِنْك فِي أذن
لَكِن عذرك باد فِي الرُّجُوع إِلَىالْملك الْمُجَاهِد مَوْلَانَا أبي الْحسن
ابْن المؤيدذي الْبَطْش الشَّديد هزبر الدّين دَاوُد رب الْفضل والمنن
ابْن المظفر بالأعداء يُوسُف لَاجَفتْ مضاجعه هطالة المزن
ابْن الْملك الَّذِي قاد العساكرنور الدّين والنصر مَعَه انْقَادَ فِي رسن
الْعَارِض الهتن ابْن الْعَارِض الهتنابْن الْعَارِض الهتن ابْن الْعَارِض الهتن
مُلُوك بَيت إِلَى أَيُّوب نسبتهأكْرم بِبَيْت على تقوى الْإِلَه بني
أيامهم للورى نور بِلَا ظلموَالظُّلم لَو حل فِي أفنائهم لفني
قد ذللوا كل صَعب من سياستهمبالمرهفات أَو الخطارة اللدن
سلوا السيوف فَسَلُوا من ضمائرهامَا كَانَ فِيهَا على الْأَعْدَاء من إحن
كم وردوا خد أَرض من عدوهموَقومُوا أوداً من قامة الزَّمن
وَكم أسالوا دَمًا فِي يَوْم حربهمفخضبوا السَّيْف لما زَينُوا الْيَزنِي
وَأَنت عنْدك من كل البضائع فِيشَتَّى عُلُوم الورى والسوق بِالْيمن
فَلَيْسَ يُنكر أَن تهدي نفائسهالمن غَدا يبْذل الغالي من الثّمن
من رَاح يعرف مَا استصحبت من دُرَربل عِنْده ضعف مَا تهديه من حسن
وفضله فِي عُلُوم النَّاس فض لَهُختم الْبَدَائِع فاستفتيه وامتحن
تَجدهُ بحرا وحبراً فِي فَوَائدهتزري فَصَاحَته بالقالة اللسن
وكفه وكفه بالجود مُتَّصِلفَكل من هُوَ فِي تِلْكَ الديار غَنِي
نَام الْأَنَام بِعدْل طَابَ عيشهمبِهِ فهم من جنى الجنات فِي جنن
)
يعْنى بِفضل قضايا كل مشكلةحَتَّى يفرق بَين المَاء وَاللَّبن
دع الْمُلُوك الْكِرَام الذاهبين فهذَا سيف الْإِسْلَام لَا سيف ذِي يزن
وَمن تكن هَذِه الْأَوْصَاف سؤددهتجب مدائحه فِي السِّرّ والعلن
فاحثث لأبوابه الْعليا بَنَات سرىفِي الْبر بالعيس أَو فِي الْبَحْر بالسفن
واسعد بِرُؤْيَتِهِ وَابْشَرْ بطلعتهواملأ جفونك بعد السهد بالوسن
فَفِي تعز تعز النَّفس مِنْك مَتىحلت وتغسل مَا لاقيت من درن
فاذكر هُنَاكَ محباً لم يخنك وَلَاتنس الْوَفَاء لَهُ إِن كنت ذَا شجن
إِن الْكِرَام إِذا مَا أسهلوا ذكرُوامن كَانَ يألفهم فِي الْمنزل الخشن
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع