من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عَليّ بن المحسن
القَاضِي التنوخي عَليّ بن المحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي الْفَهم دَاوُد بن
إِبْرَاهِيم بن تَمِيم بن جَابر القَاضِي أَبُو الْقَاسِم التنوخي سمع أَبَا الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن كيسَان النَّحْوِيّ وَإِسْحَق بن سعد بن الْحسن بن سُفْيَان النسوي ولد يَوْم الثُّلَاثَاء نصف شعْبَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة وَتُوفِّي سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة وَمَا زَالَ يشْهد من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مائَة إِلَى أَن توفّي وَمَا وقف لَهُ على زلَّة قطّ
كَانَ شِيعِيًّا معتزلياً وَكَانَ عِنْده كتاب الْقدر لجَعْفَر الْفرْيَابِيّ وَأَصْحَاب الحَدِيث يتحاشون من مُطَالبَته بِإِخْرَاجِهِ قَالَ الْخَطِيب فطالبته بِهِ وقرأته عَلَيْهِ وسمعوه وَكَانَ التنوخي سَاكِنا لم يعْتَرض على شَيْء من تِلْكَ الْأَحَادِيث وَكَانَ يدْخلهُ فِي الشَّهْر من الْقَضَاء وَدَار الضَّرْب وَغَيرهمَا سِتُّونَ دِينَارا فيمر الشَّهْر وَلَيْسَ لَهُ شَيْء وَكَانَ ينْفق على أَصْحَاب الحَدِيث وَكَانَ الْخَطِيب والصوري وَغَيرهمَا يبيتُونَ عِنْده وَكَانَ ثِقَة متحفظاً فِي الشَّهَادَة محتاطاً صَدُوقًا فِي الحَدِيث وتقلد قَضَاء عدَّة نواحي مِنْهَا الْمَدَائِن وأعمالها ودررنجان والبردان وقرميسين وَقَالَ كَانَ ظريفاً نبيلاً جيد النادرة
اجتاز يَوْمًا فِي بعض الدروب فَسمع امْرَأَة تَقول لأخرى كم عمر بنتك يَا أُخْتِي قَالَت لَهَا رزقتها يَوْم شُهِّر بِالْقَاضِي التنوخي وَضرب بالسياط فَرفع رَأسه إِلَيْهَا وَقَالَ يَا بظراء صَار صفعي تاريخك مَا وجدت تَارِيخا غَيره وَكَانَ أعمش الْعَينَيْنِ لَا تهدأ جفونه من الانخفاض والارتفاع والتغميض والانفتاح وَفِيه يَقُول ابْن بابك من الرجز
إِذا التنوخي انتشاوغاض ثمَّ انتعشا
أخْفى عَلَيْهِ إِن مشيت وَهُوَ يخفى إِن مشا فَلَا أرَاهُ قلَّة وَلَا يراني عمشًا وَفِيه يَقُول البصروي وَقد تولى دَار الضَّرْب من مخلع الْبَسِيط
وَفِي أنض الْأَعْمَال قَاضلَيْسَ بأعمى وَلَا بَصِير
يقضم مَا يجتنى إِلَيْهِقضم ابْن أذين للشعير
وَدفع إِلَيْهِ رجل رقْعَة وَهُوَ رَاكب فَلَمَّا فضها وجد فِيهَا من السَّرِيع)
إِن التنوخي بِهِ أبنةكَأَنَّهُ يسْجد للفيش
لَهُ غلامان ينيكانهبعلة الترويح فِي الخيش
فَقَالَ ردوا زوج القبحة فَردُّوهُ فَقَالَ يَا كشخان يَا قرنان يَا زوج ألف قحبة هَات زَوجتك وأختك وأمك إِلَى دَاري وَانْظُر مَا يكون مني وَبعد ذَلِك احكم بِمَا حكمت بِهِ قَفاهُ قَفاهُ فصفعوه
وَكَانَ يَوْمًا نَائِما فاجتاز وَاحِد غث وأزعجه مِمَّا يَصِيح شِرَاك النِّعَال شِرَاك النِّعَال فَقَالَ لغلامه اجْمَعْ كل نعل فِي الْبَيْت واعطيها لهَذَا يصلحها ويشتغل بهَا فَنَامَ وَاكْتفى وَمضى ذَلِك الرجل لشأنه فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي فعل ذَلِك وَلم يَدعه ينَام فَقَالَ للغلام أدخلهُ فَأدْخلهُ فَقَالَ لَهُ يَا ماص بظر أمه أمس أصلحت كل نعل كَانَت عندنَا وَالْيَوْم تصيح على بابنا هَل بلغك أننا نتصافع بالنعال ونقطعها قَفاهُ قَفاهُ فَقَالَ يَا سَيِّدي أَتُوب وَلَا أَعُود أَدخل إِلَى هَذَا الدَّرْب أبدا وَهَذَا أَبُو الْقَاسِم من أهل بَيت كلهم فضلاء وَسَيَأْتِي ذكر أَبِيه المحسن فِي حرف الْمِيم فِي مَكَانَهُ وَيَأْتِي قَرِيبا ذكر جده
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع