من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
التهامي الشَّاعِر
عَليّ بن مُحَمَّد بن فَهد أَبُو الْحسن التهامي الشَّاعِر وَهُوَ من الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ المجيدين أَصْحَاب الغوص مولده ومنشؤه بِالْيمن وطرأ على الشَّام وسافر مِنْهَا إِلَى الْعرَاق والى الْجَبَل وَلَقي الصاحب بن عبَّاد وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَانْتَحَلَ مَذْهَب الاعتزال وَأقَام ببغداذ وروى بهَا شعره ثمَّ عَاد إِلَى الشَّام وتنقَّل فِي بلادها وتقلَّد الخطابة بالرّملة وتزوَّج بهَا وَكَانَت نَفسه تحدّثه بمعالي الْأُمُور وَكَانَ يكتم نَسَبَه فَيَقُول تَارَة إنَّه من الطالبيِّين وَتارَة من بني أميَّة وَلَا يتظاهر بشيءٍ من الأَمرين وَكَانَ متورِّعاً صَلِفَ النَّفس متقشِّفاً يطْلب الشَّيْء من وَجهه وَلَا يُريدهُ إلَاّ من حِلِّه نسخ شعر البحتري فَلَمَّا بلغ أبياتاً فِيهَا هجوٌ امْتنع من كتبهَا وَقَالَ لَا أُسطِّر بخطِّي مثالبَ النَّاس وَكَانَ قد وصل إِلَى الديار المصرية مستخفياً وَمَعَهُ كتبٌ كَثِيرَة من حسَّان بن مفرّج بن دَغْفَل البدوي وَهُوَ متوجِّه إِلَى بني قُرَّة فظفروا بِهِ فَقَالَ أَنا من)
تَمِيم فلمَّا انْكَشَفَ حَاله عُلم أَنه التهامي الشَّاعِر
فاعتُقل بخزانة البنود بِالْقَاهِرَةِ لأَرْبَع بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة سِتّ عشرَة وَأَرْبع مائَة ثمَّ إنَّه قُتل سرًّا فِي سجنه تَاسِع جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ أصفر اللَّوْن ورُئيَ بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي قيل لَهُ بأيِّ الأَعمال قَالَ بِقَوْلِي فِي مرثية ولدٍ لي صَغِير وَهُوَ
جَاوَرت أعدائي وجاور ربهشتان بَين جواره وجواري
وَمن شعره قَوْله
قلتُ لخِلِّي وزهورُ الربىمبتسماتٌ وثغورُ المِلاحْ
أيُّهما أحلى تُرى منْظرًافَقَالَ لَا أعلم كلٌّ أقاحْ
وكرَّر هَذَا النَّوْع فَقَالَ
أَلَمَّ وليلي بالكواكبِ أشيبُخيالٌ على بُعد المدى يتأوَّبُ
أَلَمَّ وَفِي جفني وجفنِ مُهنَّديغِراران ذَا نومٌ وَذَاكَ مُشَطَّبُ
وَقَالَ أَيْضا
ألمَّتْ بِنَا بعد الهُدُوِّ سعادُبليلٍ لباسُ الجوِّ فِيهِ حِدادُ
ألمَّتْ وَفِي جفني وجفن مُهنَّديغِراران ذَا سيفٌ وَذَاكَ رقادُ
قلت وَهَذَا الْمَعْنى أولع بِهِ الأرَّجاني فَقَالَ
وَأَيْنَ من الْمَنَام لَقَى همومٍيبيتُ ونِضوهُ مُلقى الجِرانِ
يَشيمُ البرقَ وَهُوَ ضجيعُ عَضْبٍفَفِي الجفنين منهُ يَمانِيانِ
وَقَالَ الأرَّجاني أَيْضا
وأرَّقني والمَشرِفيُّ مُضاجعيسنا بارقٍ أسرى فهيَّجَ أحزاني
ثلاثةُ أجفانٍ فَفِي طيِّ واحدٍغِرارٌ وخالٍ من غِراريهما اثنانِ
وأُولع بِهِ قبله عبد الصَّمد الطَّبَرِيّ فَقَالَ
فبِتُّ على مراصدهمْ وحيداًكلا جفنيَّ رَأْرَأَهُ الغِرارُ
وَقَالَ عبد الصَّمد أَيْضا
بانوا بهيفاءَ يَغْزُو سيفُ مُقلتهاقلبَ المتيَّم فِي جيشٍ من الفتنِ
شمسٌ على غُصُنٍ هام الفؤادُ بهَايَا ويحَ قلبيَ من شمسٍ على غُصُنِ
)
وطالما غابَ عَن جفني لِزَوْرتهاوجفن سَيفي غِرارُ النصل والوَسَنِ
وَقَالَ عبد الصَّمد أَيْضا
وربَّ بيضاءَ ريَّا الخِدر فاءَ لَهَارَيعان من تَرفٍ غَضٍّ ورَيعانِ
طرقتُها والسُّرى والعزمُ قد شهراوَهْناً غِرارينِ من جفني وأجفاني
وَقَالَ التهامي فِي تِلْكَ الْمَادَّة أَيْضا
وضاحكنَ نَوْرَ الأُقحوان فَقَالَ ليخليليَّ أيُّ الأُقحوانين أعجبُ
فقلتُ لهُ لَا فرقَ عِنْدِي وإِنَّماثغورُ الغواني فِي المذاقَةِ أعذبُ
وَمن شعر التهامي
قَالُوا قُتِلْتَ بصارم من طرفهفِيمَا زعمتَ وَمَا نراهُ بِقانِ
فأجبتُ خيرُ البِيض مَا سفك الدّمافَمضى وَلم يتخضَّبِ الغَرْبانِ
وَمِنْه
لولاهُ لم يقضِ فِي أعدائهِ قَلَمٌومِخلبُ اللَّيْث لَوْلَا الليثُ كالظُّفُرِ
مَا صَلَّ إلَاّ وصلَّتْ بِيضُ أنصُلِهِفِي الهامِ أَو أطّتِ الأرماحُ فِي الثُّغُرِ
وغادرتْ فِي العدى طَعنا يحف بِهِضرب كَمَا حفت الأعكان بالسُّرَرِ
قلت وَمن هَذِه الْمَادَّة قَول الآخر
خرقنا بأطراف القنا فِي ظُهُورهمْعيُونا لَهَا وقعُ السيوفِ حواجبُ
وَقَالَ التهامي فِي الثريَّا والمجرَّة
وللمجرَّة فَوق الأَرْض مُعْتَرَضٌكأنَّها حَبَبٌ تطفو على نَهَرِ
وللثريَّا ركودٌ فَوق أَرحُلِناكأنَّها قطعةٌ من فَرْوَة النَّمِرِ
وَقَالَ
يَحْكِي جنى الأَقحوانِ الغضِّ مَبْسِمُهافِي اللونِ والريحِ والتفليجِ والأشَرِ
لَو لم يكن أُقحواناً ثغرُ مبسمِهامَا كَانَ يزدادُ طِيباً ساعَةَ السَّحَرِ
وَقَالَ
كأنَّ على الجوِّ فضفاضةًمساميرها فضةٌ أَو ذهبْ
كأنَّ كواكبهُ أعينٌتُراعي سنا الفجرِ أَو ترتقبْ
)
فلمَّا بدا صفَّقتْ هَيْبَةتُسَتِّر أحداقها بالشُّهُبِ
وشقَّتْ غلائلَ ضوء الصباحِفَلَا هُوَ بادٍ وَلَا محتجبِ
وَقَالَ
كأنَّ سنانَ الرمْح سلكٌ لناظمٍغَداة الوغى والدَّارِعون جواهرُ
تَرُدُّ أنابيبُ الرماح سواعداًوَمن زَرَدِ الماذيِّ فِيهَا أساورُ
وَقَالَ
هُوَ الطاعنُ النجلاءَ لَا يبلغ امرؤٌمداها وَلَو أنَّ الرماحَ مسابرُ
يلبّيه من آل المفرّج إِن دَعَاأسودٌ لَهَا بيضُ السيوفِ أظافرُ
تراهُ لقرعِ البِيضِ بالبِيضِ مُصغياًكأنَّ صليلَ الباتراتِ مزاهرُ
وحفَّتْ بِهِ الآمالُ من كلِّ جانبٍكَمَا حفَّ أرجاءَ العيونِ المحاجرُ
وَله القصيدة الرائيَّة الْمَشْهُورَة الَّتِي رثى بهَا ابْنه وَقد سَارَتْ مسير الشَّمْس وَهِي
حكم الْمنية فِي الْبَريَّة جَارمَا هَذِه الدُّنْيَا بدار قَرَار
بَينا يرى الْإِنْسَان فِيهَا مُخبراًحتَّى يُرى خَبرا من الأَخبارِ
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وَأَنت تريدهاصفواً من الأقذاءِ والأكدارِ
ومكلِّفُ الأيَّامِ ضدَّ طباعهامتطلِّبٌ فِي الماءِ جَذوةَ نارِ
وَإِذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّماتبني الرجاءَ على شفيرٍ هارِ
العيشُ نومٌ والمنيَّةُ يقظةٌوالمرءُ بَينهمَا خيالٌ سارِ
فاقْضوا مآربكم عِجالاً إنَّماأعمارُكم سَفَرٌ من الأسفارِ
وتراكضوا خيلَ الشبابِ وَبَادرُواأَن تُسْتَرَدَّ فإنَّهنَّ عَوارِ
فالدهر يخدع بالمنى ويُغِصَّ إنْهَنَّا ويهدم مَا بنى ببَوارِ
لَيْسَ الزمانُ وَإِن حرصتَ مسالماًخُلُقُ الزمانِ عداوَةُ الأحرارِ
إنِّي وُتِرْتُ بصارمٍ ذِي رَوْنَقٍأعددتُه لطلابةِ الأوتارِ
أُثني عَلَيْهِ بأثرِهِ وَلَو أنَّهُلَو يُغْتَبَط أثنيتُ بالآثارِ
يَا كوكباً مَا كانَ أقصرَ عمرَهُوَكَذَا تكون كواكبُ الأسحارِ
وهلالَ أيَّامٍ مضى لم يستدرْبَدْرًا وَلم يُمْهَلْ لوقتِ سِرارِ
)
عَجِلَ الخُسوفُ عَلَيْهِ قبل أوانِهِفغطَّاهُ قبل مَظِنَّةِ الإبدارِ
واستُلَّ من لأقرانِهِ ولداتِهِكالمُقلَةِ استُلَّتْ من الأشفارِ
فكأنَّ قلبِي قبرُهُ وكأنَّهُفِي طيِّهِ سِرٌ من الأسرارِ
إنْ تَحْتَقِرْ صغراً فربَّ مُفخَّمٍيَبْدُو ضئيلَ الشَّخْص للنُّظَّارِ
إنَّ الكواكبَ فِي علوِّ محلِّهالَتُرى صِغاراً وَهِي غيرُ صغارِ
وَلَدُ المعزَّى بعضُهُ فَإِذا مضىبعضُ الْفَتى فالكلُّ فِي الآثارِ
أبكيهِ ثمَّ أقولُ معتذراً لهُوُفِّقْتَ حينَ تركتَ ألأم دارِ
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّهُشتَّانَ بَين جوارهِ وجواري
أَشْكُو بعادك لي وَأَنت بموضعٍلَوْلَا الرَّدى لسمعتَ فِيهِ سِراري
مَا الشرقُ نَحْو الغرب أبعدَ شُقَّةًمن بُعد تِلْكَ الخمسةِ الأشبارِ
هيهاتَ قد علِقتكَ أسبابُ الرَّدىوأبادَ عمرَك قاصمُ الأعمارِ
وَلَقَد جريتَ كَمَا جريتُ لغايةٍفبلغتَها وأبوكَ فِي المِضمارِ
فَإِذا نطقتُ فأنتَ أوَّلُ مَنطقيوَإِذا سكتُّ فَأَنت فِي إضماري
أُخفي من البُرَحاءِ نَارا مثلَ مَايُخفي من النارِ الزنادُ الواري
وأُخفِّضُ الزَّفَراتِ وَهِي صواعدٌوأُكفكفُ العَبَراتِ وَهِي جَوارِ
وأكُفُّ نيرانَ الْأسر ولربَّماغُلِبَ التصبُّرُ فارتمتْ بشَرارِ
وشهاب زَند الْحزن إِن طاوعتهُوارٍ وَإِن عاصيتهُ متوارِ
ثوبُ الرئاءِ يشِفُّ عمَّا تحتهُفَإِذا التحفتَ بهِ فإنَّكَ عارِ
قصُرَتْ جفوني أم تبَاعد بَينهَاأمْ صُوِّرَتْ عَيْني بِلَا أشفارِ
جَفَتِ الْكرَى حتَّى كأنَّ غِرارهُعِنْد اغتماضِ الطّرف حدُّ غِرارِ
ولوِ استعارتْ رقدةً لدحا بهَامَا بَين أجفاني من التيَّارِ
أُحيي ليَالِي التِّمِّ وَهِي تُميتُنيويُميتهنَّ تبلُّجُ الأسحارِ
والصبحُ قد غمرَ النجومَ كأنَّهُسيلٌ كَمَا فطفا على النُوَّارِ
لَو كنتَ تُمنعُ خَاضَ دُونك فتيةٌمنَّا بُحُرَ عواملٍ وشِفارِ
فدَحَوْا فُويقَ الأرضِ أَرضًا من دمٍثمَّ انثنَوا فبنَوا سَمَاء غُبارِ
)
قومٌ إِذا لبسوا الدروع حسبتَهاسُحُباً مُزَرَّرةً على أقمارِ
وَترى سيوفَ الدارعينَ كأنَّهاخُلُجٌ تُمَدُّ بهَا أكفُّ بحارِ
لَو أشرعوا أَيْمَانهم من طولهَاطعنوا بهَا عِوَضَ القنا الخطَّارِ
شُوسٌ إِذا عدِموا الوغى انتجعوا لَهَافِي كلِّ آنٍ نُجعَةَ الأمطارِ
جَنبُوا الجيادَ إِلَى المطيِّ فراوحوابَين السُّرُوج هُنَاكَ والأكوارِ
وكأنَّهم ملأوا عِيابَ دروعهمْوغُمودَ أنصُلِهم سرابَ قفارِ
وكأنَّما صَنَعُ السوابغِ غَرَّهُماءُ الحديدِ فصاغَ ماءَ قَرارِ
زَرَداً وَأحكم كلَّ مَوْصِلِ حلقةٍبحَبابةٍ فِي مَوضِع المسمارِ
فتدرَّعوا بمتون ماءٍ راكدٍوتقنَّعوا بحَباب ماءٍ جارِ
أُسْدٌ وَلَكِن يؤثرون بزادهمْوالأُسدُ لَيْسَ تدين بالإيثارِ
يتعطَّفونَ على المُجاورِ فيهمُبالمُنْفِسات تعطُّفَ الآظارِ
يتزيَّنُ النادي بحُسن وجوههمْكتزيُّنِ الهالات بالأقمارِ
من كلِّ مَن جعل الظُّبى أنصارَهُوكَرُمْنَ فاستغنى عنِ الأنصارِ
والليثُ إِن ساورْتَهُ لم يَتِّكِلإلَاّ على الأنيابِ والأظفارِ
وَإِذا هُوَ اعتقل القناةَ حسبتَهاصِلاًّ تأبَّطَهُ هِزَبْرٌ ضارِ
زَرَدُ الدِّلاصِ من الطِّعان برمحهِمثل الأساور فِي يَد الإسوارِ
ويجرُّ ثمَّ يجرُّ صعدَةَ رمحِهِفِي الجحفلِ المتضايقِ الجرَّارِ
مَا بَين ثوبٍ بالدماء مُضَمَّخٍخَلَقٍ ونقعٍ بالطِّراد مُثارِ
والهُونُ فِي ظِلِّ الهُوَيْنا كامنٌوجلالةُ الأخطارِ فِي الإخطارِ
تندى أسِرَّةُ وجههِ ويمينهُفِي حالةِ الإعسارِ والإيسارِ
يحوي المعاليَ خالِباً أَو غَالِباأَبداً يُدارى دونهَا ويُداري
ويمدُّ نَحْو المكرُماتِ أناملاًللرزقِ فِي أثنائهنَّ مجارِ
قد لاحَ فِي ليل الشَّبَاب كواكبٌإِن أُمهلتْ آلتْ إِلَى الإسفارِ
وتلَهُّبُ الأحشاءِ شيَّبَ مَفْرقيهَذَا الضياءُ شُواظُ تِلْكَ النارِ
شابَ القَذالُ وكلُّ غصنٍ صائرٌفَينانهُ الأحوى إِلَى الأزهارِ
)
والشبه منجذبٌ فلِمْ بيضُ الدُّمىعَن بيضِ مفرقهِ ذواتُ نفارِ
وتوَدُّ لَو جعلتْ سوادَ قلوبهاوسوادَ أعينها خِضابَ عِذاري
لَا تنفر الظَّبيات منهُ فقد رَأَتْكَيفَ اختلافُ النبت فِي الأطوارِ
شَيْئَانِ ينقشعان أوَّلَ وهلةٍظلُّ الشَّبَاب وصُحبةُ الأشرارِ
لَا حبَّذا الشيبُ الوفيُّ وحبَّذاشرخُ الشبابِ الخائنِ الغدَّارِ
وَطَري من الدُّنيا الشَّبَاب ورَوقهُفَإِذا انْقَضى فقد انقضتْ أوطاري
قَصُرَتْ مسافتُهُ وَمَا حسناتُهُعِنْدِي وَلَا آلاؤُهُ بقصارِ
نزداد همًّا كلَّما ازددنا غنىفالفقر كلُّ الفقرِ فِي الإكثارِ
مَا زَاد فَوق الزادِ خُلِّفَ ضائعاًفِي حادثٍ أَو وارثٍ أَو عارِ
إنِّي لأرحم حاسدِيَّ لحرِّ مَاضمَّت صدورهمُ من الأوغارِ
نظرُوا صَنِيع الله بِي فعيونُهمْفِي جنَّةٍ وَقُلُوبهمْ فِي نَار
لَا ذنبَ لي قد رمتُ كتمَ فضائليفكأنَّني بَرْقَعْتُ وجهَ نهارِ
وسترتها بتواضعي فتطلَّعَتأعناقها تعلو على الأستارِ
وَمن الرِّجَال مجاهلٌ ومعالمٌوَمن النُّجُوم غوامضٌ ودراري
والناسُ مشتبهون فِي إيرادهمْوتباينُ الأقوام فِي الإصدارِ
عَمْري لقد أوطأتُهم طُرُقَ العُلىفعمُوا وَلم يطأوا على آثاري
لَو أبصروا بعيونهم لاستبصروالكنَّها عميتْ عَن الإبصارِ
أَلا سعَوا سعيَ الْكِرَام فأدركواأَو سلّموا لمواقع الأقدارِ
ذهبَ التكرُّمُ والوفاءُ من الوَرَىوتصرَّما إلَاّ من الأشعارِ
وفشتْ جنايات الثِّقَات وغيرهمْحتَّى اتَّهمنا رؤيةَ الأبصارِ
ولربَّما اعتضد الحليمُ بجاهلٍلَا خير فِي يُمنى بِغَيْر يسارِ
ورثى ابْنه بقصيدة أُخْرَى رائية أوَّلها
أَبَا الْفضل طَال اللَّيلُ أم خانني صبريفخُيِّلَ لي أنَّ الكواكبَ لَا تسري
وَله فِيهِ غير ذَلِك وَمن شعره
أبرزنَ من تِلْكَ الْعُيُون أسِنَّةًوهززْن من تِلْكَ الْقُيُود رماحا
)
يَا حبَّذا ذَاك السلاحُ وحبَّذاوقتٌ يكون الحُسنُ فِيهِ سِلَاحا
أَهْوى الْفَتى يُعلي جنَاحا فِي العلىأبدا ويخفض للجليس جنَاحا
وأُحِبُّ ذَا الْوَجْهَيْنِ وَجها فِي الندىنَدِياً ووجهاً فِي اللِّقَاء وَقاحا
وَمِنْه
يَرْمِي الكتيبَةَ بِالْكتاب إليهمُفيرون أحرفهُ الخميسَ كفاحا
مِن نِقْسِهِ دُهماً وَمن ميماتهِزَرَداً وَمن أَلِفاتهِ أرماحا
وَمِنْه
خليليَّ هَل من رقدةٍ أستعيرهالعلِّي بأحلام الْكرَى أستزيرها
وَلَو علمتْ بالطيف عاقتهُ دُوننَالقد أفرطتْ بخلا بِمَا لَا يضيرها
وَمِنْه
تهيمُ ببدرٍ والتَّنَقُّلُ والنوىعلى البدرِ محتومٌ فَهَل أَنْت صابرُ
لهُ من سنا الفجرِ المُوَرَّدِ غُرَّةٌوَمن حَلَكِ اللَّيْل البهيمِ غَدائرُ
وَمِنْه
وَكم رجلٍ أثوابه فَوق قدرهِوَقد يُلْبَسُ السِّلْكُ الجمانَ الفرائدا
فَلَا يُعْجِبَنْ ذَا البخلِ كثرةُ مالهِفإنَّ الشَّغا نقصٌ وَإِن كَانَ زَائِدا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع