من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن سعيد المغربي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن سعيد المغربي؟
عَليّ بن مُوسَى بن سعيد المغربي الغُماري العَنْسي بالنُّون الأديب نور الدّين يَنْتَهِي إِلَى عمار بن يَاسر ورد من الغرب وجال فِي الديار المصرية
وَالْعراق وَالشَّام وَجمع وصنّف ونظم وَهُوَ صَاحب كتاب المُغرب فِي أَخْبَار أهل المَغرب وملكتُه بخطّه وَصَاحب كتاب المُشرق فِي أَخْبَار أهل المَشرق وملكت مِنْهُ ثَلَاث مجلدات بخطّه وَكتاب الغراميّات وملكته بخطّه وَكتاب حلي الرسائل ورأيته بخطّه وكنوز المطالب فِي آل أبي طَالب وملكته بخطّه فِي أَربع مجلدات والمُرقص والمُطرب توفّي يَوْم السبت حادي عشر شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وست مائَة
وَفِي تَرْجَمَة بهاء الدّين زُهَيْر شيءٌ من ذكره حكى أنَّه كَانَ فِي جمَاعَة من شعراء عصره المصريين وَفِيهِمْ أَبُو الْحُسَيْن الجزَّار فمرُّوا فِي طريقهم بمليح نَائِم تَحت شَجَرَة وَقد هبَّ الْهَوَاء فكشف ثِيَابه عَنهُ فَقَالُوا قفوا بِنَا لينظم كلٌّ منَّا فِي هَذَا شَيْئا فابتدر الأَديب نور الدّين وَقَالَ
الرّيح أقْوَد مَا يكون لأنَّهاتبدي خفايا الرِّدف والأعكانِ
وتميِّل الأَغصانَ عِنْد هُبوبهاحتَّى تقبِّلَ أوجه الغدرانِ
فَلذَلِك العُشَّاق يتَّخذونهارُسُلاً إِلَى الأَحباب والأَوطانِ
فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن مَا بَقِي أحدٌ منَّا يَأْتِي بِمثل ذَلِك)
أَخْبرنِي الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس من لَفظه قَالَ دخل عليَّ وَالِدي يَوْمًا وَأَنا أكتب فِي شَيْء من كَلَام ابْن سعيد فَقَالَ لي أيْشٍ هَذَا الَّذِي تنظر فِيهِ فَقلت شيءٌ من كَلَام ابْن سعيد فَقَالَ دَعه فإنَّه لَا بالأَديب الرَّائِق وَلَا المؤرِّخ الواثق انْتهى ولَعمري مَا أنصفه الشَّيْخ أَبُو عَمْرو فإنَّ ابْن سعيد من أئمَّة الْأَدَب المؤرِّخين المصنِّفين وَمن شعره
كأَنَّما النهرُ صفحةٌ كُتبتْأسطرُها والنسيمُ مُنشِئُها
لمَّا أبانتْ عَن حُسن منظرهمالتْ عَلَيْهَا الغصونُ تقرؤها
وَمِنْه
أَتَى عاطلَ الجيدِ يومَ النَّوَىوَقد حَان موعدُنا للفراقِ
فقلَّدْتُه بلآلي الدموعِووشَّحته بنطاقِ العناقِ
وَمِنْه
لله من أقطار جلِّقَ روضةٌراقتْ لنا حِين السَّحَاب تُراقُ
وتلوَّنتْ أزهارُها فكأَنَّهانزلتْ بهَا الأَحبابُ والعشَّاقُ
وَمِنْه فِي فرسٍ أبلق
وأدهمَ آخرٍ مُبيضِّ صدرٍمُطار بَين أجنحةِ الرياحِ
وَمَا هامت بِهِ الأحداقُ حتَّىتضمَّن شكله حَدَقَ الملاحِ
وَمِنْه
أَنا مَن علمت بشوقه ذِكرُ الْحمىوتُساق روحي والركابُ تُساقُ
أخلصتُ فِي حبِّي وَكم من عاشقٍفِيمَا ادَّعاه من الغرامِ نِفاقُ
يَدْعُو الحمامُ وترقصُ الأغصانُ منطربٍ بهم وتصفِّق الأوراقُ
وحدي جمعتُ من الهَوَى مثلَ الَّذِيجمعُوا كَذَاك تُقَسَّمُ الأرزاقُ
وَمِنْه
أشكوكمُ وَإِلَى من أشتكي ألميوالكلُّ رهنُ صباباتٍ وأفكارِ
مَا ألتقي غير مشغوفٍ بحبّكُمُكَمَا تجاوبُ أطيارٌ بأطيارِ
وأرتجي جودَ ذِي بخلٍ بمنطقهِوَقد رأى فِي الهَوَى ذُلِّي وإعساري
مَا عذَّبَ الله إلَاّ من يعذِّبُهُكَالْمَاءِ فِي السَّيْف أَو كالنور فِي النارِ
)
وَمِنْه
فِي جِلِّقٍ نزلُوا حَيْثُ النعيمُ غَداوطوَّلاً وَهُوَ فِي الْآفَاق مُختصَرُ
وكلُّ وادٍ بِهِ مُوسَى يُفجِّرُهُوكلُّ روضٍ على حافاتهِ الخَضِرُ
وَمِنْه
يَا غصنَ روضٍ سقتهُ أدمعي مَطَراوَلَيْسَ لي مِنْهُ لَا ظلٌّ وَلَا ثمرُ
طَال انتظاري لوعدٍ لَا وفاءَ لَهُوَإِن صبرتُ فقد لَا يصبرُ العُمُرُ
وَمِنْه فِي جَزِيرَة مصر
تأمَّلْ لحُسن الصالحيَّةِ إذْ بدتْوأبراجها مثل النُّجُوم تلالا
ووافى إِلَيْهَا النِّيل من بُعدِ غايةٍكَمَا زار مشغوفٌ يروم وِصالا
وعانقها من فرط شوقٍ محبُّهافمدَّ يَمِينا نَحْوهَا وشِمالا
وَمِنْه
فديتكَ لَا تظُنَّ بأنَّ قلبِييَحولُ وَقد كسا البدرَ الظلامُ
على مِقْدَار مَا يَنْمُو حَبِيبِيوينمو عمرهُ يَنْمُو الغرامُ
عِذارُك مطربي وَيزِيد شدواعلى الأغصانِ فِي الوَرَقِ الحمَامُ
وَمِنْه
يَا واطئ النَّرجسِ مَا تَسْتَحيأَن تطَأ الأعينَ بالأرجلِ
ابلْ جفوناً بجفونٍ وَلَاتَبْتَذِلِ الأرفعَ بالأسفلِ
وَمِنْه
أدِرْ كؤوسكَ إنَّ الأُفقَ فِي عُرُسٍوحسبُنا أنتَ ترعى حُسنكَ المُقَلُ
البرقُ كفٌّ خصيبٌ والحيا دُرَرٌوالأُفقُ يُجلى وطرفُ الصبحِ مُكتحلُ
وَمِنْه
أُنْظُرْ إِلَى الغيمِ كَيفَ يَبْدُووَقد أَتَى مُسبَلَ الإزارِ
والبرقُ فِي جانبيه يُذْكيأنفاسَه وَهُوَ كالشَّرارِ
مَا طابَ هَذَا النسيمُ إلَاّوالجوُّ فِي عنبرٍ ونارِ
وَمِنْه)
وعسجديِّ اللَّوْن أعددتُهُلساعةٍ تُظْلِمُ أنوارُها
كأَنَّهُ فِي رَهَجٍ شمعةٌمصفرَّةٌ غُرَّتُهُ نارُها
وَمِنْه
جُدْ لي بِنَا ألْقى الخيالُ من الكَرَىلَا بدَّ للطيف المُلِمِّ من القِرَى
واخجلتي مِنْهُ ومنك مَتى أنَمْعيَّرتَني وَمَتى سهرتُ تَنَكَّرا
أَسفي على يومٍ يَمُرُّ وليلةٍلَا أنتَ تَلقانِي وَلَا طيفُ الكَرَى
يَا من يروم قِرًى قد أُضرمتْنَار الخدودِ أنِخْ على وَادي القُرى
وَمِنْه
إنَّ للجبهة فِي قلبِي هوىلم يكنْ عنديَ للوجهِ الجميلِ
يرقصُ الماءُ بهَا من طربٍويميل الغصنُ للظلِّ الظليلِ
وتودُّ الشمسُ لَو باتتْ بهَافَلِذَا تصفرُّ أوقاتَ الرحيلِ
وَمِنْه
وَقد أغتدي والليلُ قد سَلَّ صحبَهُبليلٍ بجلبابِ الصباحِ تلثَّما
وأحسبُهُ خالَ الثريَّا لجامَهُفصيَّر هاديه إِلَى الأُفقِ سُلَّما
وَمِنْه
وَلَا تُصْغِيَنَّ إِلَى عاذِلٍفَمَا آفةُ الحبِّ إلَاّ العَذَلْ
وجازِ بِمَا شئتَ غيرَ الجفاوعذِّبْ بِمَا شئتَ إلَاّ المَلَلْ
وَمِنْه
إِذا الغصونُ بدتْ خَفَّاقَةَ العَذَبِفاسجدْ هُديتَ إِلَى الكاساتِ واقتربِ
وطارحِ الوُرقَ فِي أدواحِها طَرباومِلْ إِذا مالتِ الأغصانُ من طربِ
وانهضْ إِلَى أُمِّ أُنسٍ بنتِ دَسْكَرَةٍتُجلى عليكَ بإكليلٍ منَ الذهبِ
وانظرْ إِلَى زينةِ الدُّنْيَا وزُخْرُفهافِي روضةٍ رَقَمَتْها أنْمُلُ السُّحُبِ
وللأزاهرِ أحداقٌ مُحَدِّقَةٌقد كحَّلَتْها يمينُ الشمسِ بالذَّهبِ
وَمِنْه
لَا أَنسَ ليلةَ وافينا لموعدناوالكاسُ دائرةٌ والغصنُ مُعتنِقي
)
فقلتُ إذْ بتُّ أَسْقِي الشَّمْس فِي قدحيمن ذَا الَّذِي صاغها قُرطاً على الأُفقِ
وَمِنْه
تقاسمه الوُرَّادُ من كلِّ وجهةٍوَلَا أثرٌ يَبْدُو بِهِ للتبسُّمِ
فلولاه مَا جاد الغمامُ بعَبرةٍوَلَا الروضُ أضحى مُظهراً للتبسُّمِ
وَكتب إِلَيْهِ السِّراج الورَّاق وَمن خطِّه نقلتُ
إِذا ابنُ سعيدٍ سادَ أهل زمانِهِفقُلْ لهُمُ مَا سادَ هَذَا الْفَتى سُدى
أرى الشُّهْبَ من شرقٍ لغربٍ مسيرُهالتحظى بِأَن تهوي لذا النورِ سجدا
وَكتب ابْن سعيد إِلَى السرَّاج الورَّاق
أَتَى بارتسامي فِي المحبَّة مسطورُفَللَّه منظومٌ هُنَاكَ ومنثورُ
أهيمُ بمعناكم وَمعنى جَمالِكموأيُّ سراجٍ لَا يهيم بِهِ النورُ
فَأجَاب السرَّاج وَمن خطّه نقلت
كتابُك نورَ نَوْرٌ مُفَتَّحٌأريجُ الشذا من صوبِ عقلك ممطورُ
تأرَّجَ لي لمَّا تبلَّجَ حبَّذاسطورٌ بهَا قد أشرق النَّوْرُ والنُّورُ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع