من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
صَاحب شذور الذَّهَب
عَليّ بن مُوسَى بن عَليّ بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن خلف أَبُو الْحسن بن النَّقَرات الْأنْصَارِيّ السالمي الأندلسي الجَيَّاني نزيل فاس ولي خطابة فاس وَهُوَ صَاحب كتاب شذور الذَّهَب فِي صناعَة الكيمياء توفِّي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخمْس مائَة لم ينظم أحدٌ فِي الكيمياء مثل نظمه بلاغَةَ معانٍ وفصاحَةَ أَلْفَاظ وعذوبة تراكيب حتَّى قيل فِيهِ إِن لم يعلِّمك صَنْعَة الذَّهَب فقد علَّمك صَنْعَة الْأَدَب وَقيل هُوَ شَاعِر الْحُكَمَاء وَحَكِيم الشُّعَرَاء وقصيدته الطائيَّة أبرزها فِي ثَلَاثَة مظَاهر مظهر غزل ومظهر قصَّة مُوسَى والمظهر الَّذِي هُوَ فِي الأَصْل صناعَة الكيمياء وَهَذَا دَلِيل الْقُدْرَة والتمكُّن وأوَّلها
بزيتونة الدُّهنِ المباركةِ الْوُسْطَىغنينا فَلم نبدل بهَا الأثلَ والخَمْطا
صُفُونا فآنسنا من الطورِ نارَهاتُشَبُّ لنا وَهْناً وَنحن بِذِي الأرطى
فلمَّا أتيناها وقرَّبَ صبرُناعلى السَّير من بُعد الْمسَافَة مَا اشتطَّا
نحاولُ مِنْهَا جذوةً لَا ينالهامِنَ النَّاس من لَا يعرف الْقَبْض والبسطا
)
هبطنا من الْوَادي المقدِّس شاطئاًإِلَى الْجَانِب الغربيِّ نمتَثِلُ الشرطا
وَقد أرجَ الأرجاءُ مِنْهَا كأَنَّهالطيب شذاها تحرق العُودَ والقُسطا
وقمنا فألقينا الْعَصَا فِي طِلابهاإِذا هِيَ تسْعَى نحونا حيَّةً رَقطا
وثار لطيفُ النقعِ عِنْد اهتزازهافأظلم من نور الظهيرة مَا غطَّى
وأهوت إِلَى مَا دُوننَا من رمالهوأمواهِهِ والصخرِ تنهمها سَرطا
فأَدبرَ من لَا يعرفُ السرَّ خِيفةًوَأَقْبل مِنْهَا من يروم بهَا سقطا
ومدَّ إِلَيْهَا الفيلسوفُ يمينهُفجاذبها أخذا وأوسعَها ضغطا
فَصَارَت عَصا فِي كفِّه وأجنَّهافأخرجها بيضاءَ تجلو الدُّجى كشطا
فَلم أرَ ثعباناً أذلَّ لعالِمٍسواهَا وَلَا مِنْهَا على جاهلٍ أسطى
هِيَ المركبُ الصعبُ المرامِ وإنَّهاذلولٌ ولكنْ لَا لكلِّ من استمطى
فأَعْجِبْ بهَا من آيةٍ لمفكِّرٍيُقصِّر عَن إِدْرَاكهَا كلُّ من أخطا
وأعجبُ من أحوالها تِلْكَ عَوْدُهاإِلَى حَالهَا بَدءاً إِذا ملكتْ هبطا
وتفجيرُها من صخرةٍ عَشْرَ أعيُنٍواثنتين تَسْقِي كلُّ واحدةٍ سِبْطا
وتفليقُها رَهواً من البحرِ فَاسْتَوَىطَرِيقا فمِن ناجٍ وَمن هالكٍ غمطا
فَتلك عصانا لَا عَصا خيزرانةٍولكنَّ لِين الدُّهنِ صيَّرها نِفطا
وخضراءَ للشطآنِ تَحت ظلالهامَقيلٌ تَقِيّ عَن بردِهِ الرومَ والقِبطا
تسيل بِمَاء الخُلد أبيضَ صافياًإِذا مَا شرطناها على سَاقهَا شرطا
وَمن قبل مَا أغوى أَبَانَا بذوقهافذاق فأخطا وَالْقَضَاء فَمَا أخطا
قطفتُ جناها واعتصرتُ مياهَهافأجمدتُ مَا استعلى وذوَّبتُ مَا انحطَّا
وليّنة الأَعطاف قاسية الحشاإِذا نفثت فِي الصخر تصدعَهُ هبطا
كأَنَّ عَلَيْهَا من زخارفِ جلدهَارِدَاء من الوشيِ المُفوَّفِ أَو مِرطا
تَوَصَّلَ إبليسٌ بهَا فِي هُبُوطهإِلَى الأَرضِ من عَدْنٍ ففارقها شحطا
وَكَانَت وشَيْطائيلُ حَربًا لآدمٍوحوَّاءَ مَا داما على الكرة الْوُسْطَى
أمتُّ بهَا حيًّا وسوَّدتُ أبيضاًوأسرعتُ فِي قلع السوَاد فَمَا أَبْطَا
وأحييتُ تلكَ الأرضَ من بعد مَوتهَابريٍّ وَكَانَت تَشْتَكِي الجدب والقحطا
)
ولاقطة حَبَّ الْقُلُوب بحسنهاتُعذِّبها شوقاً وتقتلها نَحطا
كأَنَّ العيونَ الثابتاتِ بخصرهاعُقِدْنَ نطاقاً أَو على جيدها سِمطا
كأَنَّ من الْبَدْر الْمُنِير مشابهاًوَمن أنجمُ الجوزاء فِي أذنها قُرطا
كأَنَّ من الصُّدغ الَّذِي فَوق خدِّهاعلى ورده نوناً وَمن خَاله نَقطا
ظفرتُ بهَا بِالنَّفسِ من جِسم أُمِّهاكَمَا ظفرتْ بِالْقَلْبِ فِي صَدره لَقطا
ورضعتُها بالدرِّ من ثدي بنتهَافَعَاشَتْ وَكَانَت قبلُ مَاتَت بِهِ عَبطا
وصيَّرتُها بِنْتا وصيَّرتُ بنتَهالَهَا مُرضعاً فاعْجَبْ لراضعةٍ شَمطا
فحالت هُنَاكَ البنتُ والأُم دفْعَةفَتى لم يزاحمه العِذارُ وَلَا اخْتطَّا
لهُ منظرٌ كَالشَّمْسِ يُعطي ضياءهوَلَيْسَ كَمثل الْبَدْر يأخذُ مَا أعْطى
فَهَذَا الَّذِي أعيا الأَنامَ فأضمروالمن وضع الأَرمازَ فِي علمه سخطا
وَهَذَا هُوَ الْكَنْز الَّذِي وضعُوا لَهُبَرابِيَّ إخميمٍ وخصُّوا بهَا قِفطا
وتحصيله سهلٌ بِغَيْر مشقَّةٍلمن عرف التطهيرَ والعقدَ والخلطا
وأقدرُ إنسانٍ عَلَيْهِ مُجَرَّبٌأَقَامَ بنورِ الْقلب فِي وَزنه القِسطا
أَبَا جعفرٍ خُذْها إِلَيْك يتيمةًتَوَرَّع لوقا أَن يورِّثها قُسطا
ولكنَّني لمَّا رأيتُك أهلَهاسمحتُ بهَا لفظا وأثبتُّها خطَّا
وَمن شعره أَيْضا فِي الصِّنَاعَة
لقد قلبتْ عَيْنَايَ عَن عينه قلبِيبليِّنة الأَعطافِ قاسية القلبِ
يهيمُ الْفَتى الشرقيُّ مِنْهَا بغادةٍتشوق إِلَى شرقٍ وترغب عَن غربِ
هِيَ الشَّمْس إلَاّ أنَّها قَمَريَّةٌهِيَ البدرُ إلَاّ أنَّه كامنُ الشُّهُبِ
إِذا الفلكُ الناريُّ أطلع شهبهاعلى الذِّروة الْعليا من الغُصُنِ الرطبِ
تراءتْ عروساً بَرْزَةَ الْوَجْه تبتغيزِفافاً وَكَانَت خلفَ ألفٍ من الحُجبِ
فزوَّجها بِكراً أخاها لأمّهاأَبوهَا رَجَاء فِي المودَّة والقربِ
فَعَاد بهَا حيًّا وَكَانَ فرقُهالَهُ سَببا أَن مَاتَ من شدَّة الحبِّ
فجُنَّ هوى لمَّا استجنَّتْ بِنَفسِهِوطارا فَقَالَت بعد جَهْدٍ لَهُ حسبي
ولمَّا ثَنَتْهُ عَن طَبِيعَته الَّتِيبدتْ عنهُ إلَاّ أَن يُباعِلَها قلبِي
)
تَعَالَى عَن الْأَشْبَاه لوناً وجوهراًوجلَّ فَلم يُنْسَبْ إِلَى طينَةِ التُّرْبِ
قلتُ عدد أَبْيَات الشذور ألف وَأَرْبع مائَة وَتسْعُونَ بَيْتا جَمِيعهَا من هَذِه المادَّة وَهَذَا فنٌّ لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَلَا أعرف لأحدٍ مثل هَذَا نعم المتنبي وَبَعض شعراء الْعَرَب الفحول لَهُم قدرةٌ على إبراز صُورَة الْحَرْب فِي صُورَة الْغَزل فتجد حماساتهم تشبه الأغزال
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع