من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
المظفَّر صَاحب حماة
)
عمر بن شاهنشاه بن أيّوب الْملك المظفَّر تقيّ الدّين أَبُو سعيد بن نور الدولة صَاحب حماة وَهُوَ ابْن أخي السُّلْطَان صَلَاح الدّين تقدَّم ذكر
أَبِيه كَانَ شجاعاً مقداماً منصوراً فِي الحروب مؤيَّداً فِي الوقائع ومواقفه مَشْهُورَة مَعَ الفرنج وَله آثارٌ فِي المصافَّات دلَّت عَلَيْهَا التواريخ وَله فِي أَبْوَاب البرّ كلّ حَسَنَة مِنْهَا مدرسة منَازِل العِزّ يُقَال إنَّها كَانَت دَار سكنه فَوقف عَلَيْهَا وَقفا كثيرا وَجعلهَا مدرسةً وَكَانَت الفيُّوم وبلادها إقطاعه وَله بهَا مدرستان شافعيَّة ومالكيَّة وَعَلَيْهِمَا وقفٌ جيِّد وَبنى بِمَدِينَة الرُّها مدرسة لمَّا كَانَ صَاحب الْبِلَاد الشرقيَّة وَكَانَ كثير الْإِحْسَان إِلَى الْعلمَاء وأرباب الْخَيْر
وناب عَن عمّه صَلَاح الدّين بالديار المصريَّة فِي بعض غيباته عَنْهَا لأنَّ الْملك الْعَادِل كَانَ نَائِبا عَن أَخِيه صَلَاح الدّين فلمَّا جَاءَ من الكَرَك سنة تسع وَسبعين وَخمْس مائَة فِي شهر رَجَب طلب أَخُوهُ من مصر بالعساكر وسيَّر إِلَيْهَا تقيّ الدّين عمر نَائِبا عَنهُ ثمَّ استدعاه إِلَيْهِ إِلَى الشَّام ورتَّب مَكَانَهُ الْعَزِيز عُثْمَان وَمَعَهُ الْعَادِل فشقَّ ذَلِك على تقيّ الدّين وعزم على دُخُوله بِلَاد الغرب ليفتحها فقبَّح أصحابُه عَلَيْهِ ذَلِك فامتثل قَول عمّه صَلَاح الدّين وَحضر إِلَى خدمته وَخرج السُّلْطَان والتقاه بمرج الصُفَّر واجتمعا هُنَاكَ وَفَرح بِهِ وَأَعْطَاهُ حماة فتوجَّه إِلَيْهَا وتوجَّه إِلَى قلعة مَنازْكِرْدَ من نواحي خِلاط ليأخذها فحاصرها مدَّة وَتُوفِّي عَلَيْهَا يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وَقيل توفّي بَين خِلاط وماردين وَنقل إِلَى حماة ودُفن بهَا ورُتِّب مَكَانَهُ وَلَده الْمَنْصُور أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد وَقد تقدَّم ذكره
وَقَالَ فِي وَصفه صَاحب الخريدة ذُو السَّيْف والقلم والبأس وَالْكَرم كَانَ يساجل العظماء ويجالس الْعلمَاء ولكثرة امتزاجه بالفضلاء نظمَ الشّعْر طبعا وَلم يُميِّز خفضاً ونصباً ورفعاً
وَمن مُخْتَار مَا أنْشد لَهُ قولُه
جاءتك أَرض الْقُدس تخطُب ناكحاًيَا كُفْأها مَا العُذْرُ عَن عذْرائها
زُفَّتْ عَلَيْك عروسَ خِدْرٍ تُجتلىمَا بَين أَعْبُدِها وَبَين إمائها
إيهٍ صَلَاح الدّين خُذْها غادةًبِكْراً ملوكُ الأرضِ من رُقبائها
كم خاطبٍ لجمالها قد ردَّهعَن نَيلها أنْ لَيْسَ من أكفائها
وَقَوله)
يعاتبني قومٌ يعزُّ عليهمُمسيريَ مَا هَذَا السُّرى فِي السَّباسبِ
فقلتُ لَهُم كُفُّوا وَمَا وكفتْ لكمجفونٌ وَلَا ذُقتم فِرَاق الحبائبِ
وَقَوله
مَا أحسنَ الصبرَ ولكنَّنيأنفقتُ فِيهِ حاصلَ العُمْرِ
فليتَ دهري عَاد لي مرَّةًبِبَعْض عمرٍ ضاعَ فِي الصَّبْرِ
وَقَوله
أحبابنا والهوى لَا حلتُ بعدكمُعَن العهود وَلَا استهواني الغِيَرُ
فإنْ أحُلْ بخلتْ كفِّي بِمَا ملكتْوَلَا أحببتُ النَّدى إنْ قيل يَا عمرُ
وَقَوله
كلمَّا زدتمُ جَفازادَ قلبِي تلهُّفا
جَار فِي يومِ بينِكمحاكمٌ مَا توفَّقا
وَقَوله
يَا مَالِكًا رِقِّي برقَّة خدِّهومُعذِّبي دون الأنامِ بصدِّهِ
ومكذِّبي وَأَنا الصَّدوقُ وهاجريوَأَنا المَشوقُ ومانِعي من رِفدهِ
أشتاقهُ وَأَنا الجريحُ بلحظهِوأحبُّه وَأَنا الطعينُ بقدِّهِ
وَقَوله
آهِ من قومٍ بُليتُ بهمأدمُعي من بعدهمْ تَكِفُ
عرفُوا أنِّي أُحبُّهُمُوبلائي بِالَّذِي عرفُوا
وَقَوله
نعمَ الأراكُ بِمَا حوتهُ شفاههايَا لَيْتَني أصبحتُ عودَ أراكِ
سَعِدَت بكم تِلْكَ البقاعُ وأهلُهامَن لي بأنْ أحتلَّها وأراكِ
وَقَوله
إِذا أدلَّت أذلَّت قلبَ عاشقهامَا أطيبَ الحبَّ إدلالاً وإذلالا
ترنَّحتْ بنسيمِ العتبِ مائلةًلَو لم يكنْ قدُّها غُصناً لمَا مَالا
وَقَوله)
يَا بَائِنا أبان عَنعَيْني لذيذَ الوسنِ
وَيَا مريضَ المقلةِ الكحلاءِ كم تُمرِضُني
لَهْفي على الظَّلم الَّذِيبِمَنْعه يظلمني
يجني عليَّ خدُّهُبِمَنْعه الوردَ الجَني
وَقَوله
قد فازَ من أصبح يَا هَذِهوذنبُه وصلُك يومَ الحسابْ
كأَنَّكِ الجنَّةُ مَن حَلَّهانَالَ أَمَانًا من أليمِ العذابْ
وَقَوله
قلبِي وَإِن عذَّبوه لَيْسَ ينقلبُعَن حبِّ قومٍ مَتى مَا عذَّبوا عَذُبوا
راضٍ إِذا سَخِطوا دانٍ إِذا شَحَطواهُمُ المنى لي إنْ شطُّوا وَإِن قَرُبوا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع