من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
جَارِيَة الواثق
فريدة الصُّغْرَى جَارِيَة الواثق بِاللَّه كَانَت لعَمْرو بن بانة الْمُغنِي وأهداها للواثق كَانَت من الموصوفات المحسنات
قَالَ مُحَمَّد بن الْحَارِث ابْن بسخنر طلبني الواثق يَوْمًا فِي غير نوبتي فسرت إِلَيْهِ مرتاعاً وأدخلت إِلَى دور الْحَرِيم وَهُوَ فِي رواقٍ أرضه وحيطانه مفروشة بالصخر ملبسة بالوشي المنسوج بِالذَّهَب
وغلى جَانِبه فريدة عَلَيْهَا مثل ذَلِك وَفِي حجرها عود فَلَمَّا رَآنِي قَالَ أقبل وبادر إِلَيْنَا فَطلب لي أكلا فَقلت أكلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ هاتوا لمُحَمد رطلا فِي قدح فأحضرت ذَلِك وغنت فريدة
أهابك إجلالاً وَمَا بك قدرَةعَليّ وَلَكِن ملْء عينٍ حبيبها
وَمَا هجرتك النَّفس يل ليل أَنَّهَاقلتك وَلَا أَن قلّ مِنْك نصِيبهَا
وَلَكنهُمْ يَا أَمْلَح النَّاس أولعوايقولٍ إِذا مَا جِئْت هَذَا حبيبها
قَالَ فَجَاءَت وَالله بِالسحرِ وَجعل الواثق يجاوبها وَفِي خلال ذَلِك تغني الصَّوْت بعد الصَّوْت وَأغْنِي أَنا فِي خلال غنائهما فَمر لنا يَوْم أحسن مَا مر لأحد
فَإنَّا لكذلك إِذْ رفع رجله فَضرب بهَا صدر فريدة ضَرْبَة تدحرجت مِنْهَا من أَعلَى السرير إِلَى)
الأَرْض وتفتت عودهَا وَمَرَّتْ تعدو وتصيح وَبقيت أَنا مروعاً لم أَشك أَن عينه وَقعت عَليّ فَنَظَرت إِلَيّ أَو نظرت إِلَيْهَا فأطرقت إِلَى الأَرْض متحيراً أتوقع ضرب الْعُنُق فَإِنِّي لكذلك إِذْ قَالَ لي يَا مُحَمَّد فَوَثَبت قَائِما فَقَالَ أَرَأَيْت أعجب من هَذَا فَقلت السَّاعَة تخرج روحي فعلى من أصابتنا عينه لعنة الله فَمَا السَّبَب أَو الذَّنب قَالَ لَا وَالله وَلَكِنِّي فَكرت أَن جعفراً يَعْنِي أَخَاهُ المتَوَكل يقْعد هَذَا المقعد وتقعد مَعَه فريدة كَمَا قعدت معي فَلم أطق الصَّبْر وخامرني مَا أخرجني إِلَى مَا رَأَيْت فَقلت بل يقتل الله جعفراً ويحيا أَمِير الْمُؤمنِينَ ووقبلت الأَرْض وَقلت الله الله يَا سَيِّدي ارحمها فَقَالَ لبَعض الخدم مر فجِئ بهَا فَأَقْبَلت وَفِي يَدهَا عود وَعَلَيْهَا غير الثِّيَاب الأولى فَلَمَّا رَآهَا جذبها إِلَيْهِ وعانقها وَبكى وبكت وبكيت أَنا فَقَالَت مَا ذَنبي يَا سَيِّدي فَأَعَادَ ذَلِك عَلَيْهَا فَقَالَت سَأَلت بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَّا ضربت عنقِي السَّاعَة واسترح من الْفِكر فِي هَذَا وبكينا سَاعَة ثمَّ أَشَارَ إِلَى الخدم فأحضروا أكياساً فِيهَا عينٌ وورق ورزم ثِيَاب كَثِيرَة ودرجاً فَتحه وَأخرج مِنْهُ عقدا مَا رَأَيْت مثله فألبسه إِيَّاهَا وَأمر لي ببدلة وَخَمْسَة تخوت وعدنا إِلَى أمرنَا وَلم نزل إِلَى اللَّيْل ثمَّ تفرقنا
وَضرب الدَّهْر ضرباته وَمَات الواثق وَولي المتَوَكل فَإِنِّي لفي يَوْم غير نوبتي إِذْ طلبت مثل ذَلِك الطّلب فَدخلت إِلَى تِلْكَ الديار بِعَينهَا والحجرة بِعَينهَا وَإِذا المتَوَكل قَاعد على سَرِير الواثق وفريدة إِلَى جَانِبه فَقَالَ لي وَيحك مَا ترى إِلَى مَا أَنا فِيهِ مَعَ هَذِه أَنا مُنْذُ غدْوَة أطلبها أَن تغني فتأبى فَقلت لَهَا بحياته غَنِي لنا فاندفعت فغنت
مُقيم بالمجازة من قنوناوَأهْلك بالأجيفر فالثماد
فَلَا تبعد فَكل فَتى سَيَأْتِيعَلَيْهِ الْمَوْت يطْرق أَو يغادي
ثمَّ رمت بِالْعودِ إِلَى الأَرْض ورمت بِنَفسِهَا عَن السرير وَمَرَّتْ تعدو وتصيح واسيداه فَقَالَ لي وَيحك مَا هَذَا قلت لَا أَدْرِي قَالَ فَمَا ترى قلت أَنا أنصرف أَنا وتحضر هَذِه وَمَعَهَا غَيرهَا فَإِن الْأَمر إِلَى مَا يُرِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَانْصَرف فَانْصَرَفت وَلم أدر مَا كَانَت الْقِصَّة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع