من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
علي بن عبد الكافي
الصفحة ٢ من ٢
قبل الداعي طرساً قد سما نوراً ونقساً، جمع أفانين العلوم في شبه الوشي المرقوم، ما بين خط إذا رمقته العيون قالت: هذا خط ابن مقلة، ونظم لا يطيق حبيب أن ينكر فضله، ونثر يرى عبد الرحيم عليه طوله، صدر عمن توقل ذروة البلاغة وسنامها، وامتطى غاربها وملك زمامها، وكملها من كل علم بأكمل نصيب، ضارباً فيه بالسهم المصيب، مشمراً فيه عن ساق الجد والاجتهاد، متوقداً ذكاء مع ارتياض وارتياد، إلى من هو عن ذلك كله بمعزل، ومن قعد به قصوره إلى حضيض منزل يطلب منه شيئاً مما نظم، ولعمري لقد استسمن ذا ورم، ومن أين لي النظم والرسائل إلا بنغبه من المسائل، على تبلد خاطر وكلال قريحه، وتقسم فكر بين أمور سقيمة وصحيح، فأنى لمثلي شعر ولا شعور، أو يكون له منظوم ومنثور، غير أني مضت لي أوقات استخفني فيها إما محبة التشبه بأهل الأدب، وإما ذهول عما يحذره العقلاء من العطب، وإما حالة تعرض للنفس فتنضح بما فيها،
وأقول دعها تبلغ من أمانيها، فنظمت ما يستحيا من ذكره، ويستحق أن يبالغ في ستره، ولكنك أنت الحبيب الذي لا يستر عنه معيب، أذكر لك منه حسبما أشرت نبذاً، وأقطع لك منه فلذاً. وذكر أبياتاً أوردتها في ترجمته في تاريخي الكبير، ونقلت من خطه له وأنشدنيه من لفظه:
إن الولاية ليس فيها راحةإلا ثلاث يبتغيها العاقل
حكم بحق أو إزالة باطلأو نفع محتاج سواها باطل
ونقلت من أيضاً له:
مثال عم وخالبقول صدق وجيه
بني بأخت أخيهلأمه لا أبيه
وذاك لا بأس فيهفي قول كل فقيه
فنجلة هو داعبذاك لا شك فيه
وكتب إلي وقد وقع ثلج بدمشق في أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
نطرت إلى أشجار جلق فوقهاثلوج أراها كالبروق تلوح
فشبهتها قضبان فضة اكتستوقابلها منا الغداة صبوح
ومن تحتها الأوراق خضر كأنهازمردة تغدو بنا وتروح
ومن بينها النارنج كالذهب الذيهواه به كل النفوس تبوح
فقلت: لقد أخطأت تشبيهي الذييعز علي المعتز وهو فصيح
تشبه يبساً ذاوياً برطيبهوميتاً بمن فيه الحياة وروح
فول صلاح الدين هذا فإنهإذا قال تشبيهاً أقول صحيح
وبعده:
أقول للسرو قد كساهثلج رواء عليه نور
زمرد أنت في لجينفقال مه إن ذا قصور
تشبيه ذاو بلا حياةبمن له منظر نضير
وبعده أيضاً:
أقول للسرو قد كساهثلج بدا نوره وأنهج
زمرد أنت في لجينفقال أبهى سنا وأنهج
فهل ذكي يطيق وصفيأريه طرق الهدى وأنهج
تقول لي ذائب المعانيفلا تراني لذا أنهج
وأنت يا واصفي بشعربغير ردف سواه أنهج
فكتبت أنا الجواب إليه رحمه الله تعالى يقبل الأرض ويقول:
أتتني سطور كالدياجي مدادهاوفيها المعاني كالنجوم تلوح
يغني بها الشادي إذا ما حسا الطلاويخلو بها عاني الهوى فيبوح
فكل معانيها غريب مصنفكما لفظها بين الأنام فصيح
ملوكية التشبيه فيما تخيلتكذلك تشبيه الملوك مليح
فقابلت منها نسخة تقويهعلى كل سطر قد حوته صحيح
فأعملت فكري فانثنى متقاعساًوعهدي به عند القريض لحوح
وعاد فقيراً في زوايا أضالعيوما عنده في نظم ذاك فتوح
ثم إن أعقله بارحته، وصبر إلى اليوم حتى رأى نشاطه لما كن عليه وجانحته، وغالطه في نظم شيء في هذه المادة، وقال: ما ضرك أن تسير جوادك في هذه الجادة، فلا بد له من العرض بين يدي مولانا قاضي القضاة أدام الله تعالى أيامه، وإغضاؤه مضمون الدرك فيما كل السوانح غزلان رامة، فانفعل لذلك بعدما استحيا وخجل، وقال وهو ما بين الجذل والوجل:
الثلج يسقط فوق أوراق حوتنارنج بستان سبى بروائه
فكأنما تلك الثلاث سرقن منقاضي القضاة الحسن يوم لقائه
فابيض ذا كثنائه واخضر ذامن جوده وأنار ذا كذكائه
فشكرت له هذا التخيل وعلمت أنه لطيف التحيل، وقلت: ما بك ما يعوق، فالحق ببضاعتك السوق، فإذا به قد نظم واستعمل القلم، وقال:
نارنجنا في الغصون يحكيوالثلج في بعضهن رقم
خدا تبدى به عذارعاجله بالمشيب هم
فقلت له: لا بد من الزيادة، فإن الخيرة عادة، فقال: أزيدك شيئاً من الاستعارة فإنها لقمر التشبيه داره. وقال:
قد سقط الثلج فوق دوحنارنجها يفرح الحزينا
كورد خد وآس صدغلاح به السيب ياسمينا
فقلت له: حسن، ولكن التشبيه الملوكي فات وهو من أعظم الآفات فقال:
كأن سقيط الثلج في الورق التيتضمنت النارنج عند التضرج
لآلي مشيب في زمرد عارضتبدى على ياقوت خد مضرج
فقلت: هذا كاف، فانظم في السرو بلا خلاف، فقال بعدما نضج ولم يبق فيه عرق يختلج:
عاينت سروة دوحة قد أشبهتوالثلج يسقط فوقها متوالي
حسناء زفت في ملاءة مخملخضراء كللها سموط لآلي
فكتب هو رحمه الله تعالى الجواب إلي عن ذلك:
تراقصت الأشجار عند سماعهاقريضك واختلت كنشوان يطرب
وقالت: ألم أخبرك أنك قاصر؟فقلت لها: باب صحيح مجرب
وركبت أنا مغلطة من مغالط المنطق، ونظمته وكتبت به إليه وهو:
أيا قاضي القضاة بقيت ذخراًلتشفي ما يعالجه الضمير
فأنت إمامنا في كل فنومثلك لا تجيء به الدهور
كأنك للغوامض قطب فهمعليك غدت دقائقها تدور
بلغت بالاجتهاد إلى مدى لايخونك في معارفه فتور
وبابك عاصم من كل جوروعلمك نافع ولنا كثير
وقلنا أنت شمس علا وعلمفكيف بنوك كلهم بدور
إليك المشتكى من سوء فهميعسر إذ يسير له اليسير
بليت بفكرة قد أتعبتنيتحور إلي كسلى إذ تخور
مقدمتان سلمتا يقيناًولكن أنتجا ما لا يصير
تقول البدر في فلك صغيروذلك في كبير يستدير
فيلزم أن بدر التم ثاوبجانحة الكبير وذاك زور
فأوضح ما تقاعس عنه فهميفأنت بحله طب خبير
وفهمك في الورى كضياء شمسوعلمك في الأنام هدى ونور
فكتب الجواب في ليلته وفرع عليه ثلاثة أجوبة، وهو:
سؤالك أيها الحبر الكبيرسمت في حسن هالته البدور
وهمتك العلية قد تعالتفدون طلابها الفلك الأثير
ونظمك فوق كل النظم عالعلى هذا الزمان له وفور
فلو سمحت بك الأيام قدماًلقدمك الجحا جحة الصدور
سألت وأنت أذكى الناس قلباًوعندك كل ذي عسر يسير
وقلت المشتكى من سوء فهموحاشى إن فهمك مستطير
وفكرتك الصحيحة لن تجارىولم أرها تحور ولا تخور
ولا كسل بها كلا وأنىودون نشاط أولها السعير
فهاك جواب ما قد سلت عنهوأنت بما تضمنه خبير
مقدمتان شرطهما اتحادبأوسط إن يفت فات السرور
وهذا منه فالانتاج عقموأعقبه عن التصديق زور
وذلك أن قولك في صغيرهو المحمول ليس هو الصغير
وفي الكبرى هو الموضوع فاعلمفمن ذياك للشرط الثبور
وإن رمت التوصل باجتلابمقدمة بها يقع العثور
على تحقيق مظروف وظرففمشترك عن المعنى قصير
فمعنى البدر في فلك صغيريخالف ما تضمنه الكبير
فلم يحصل لشرطهما وجودلذلك أنتجا ما لا يصير
وفي التحقيق لا إنتاج لكنلأجلك قلت قولك لي عذير
وأما إن أردت عموم معنىوذلك فيهما معنى شهير
فينتج آمناً من كل شكوليس عليه إيراد يصير
فذاك جواب ما قد سلت يا منغدا في العلم ليس له نظير
وما عنه تقاعس منك فهموكيف ومنك تنل الصخور
فأنت البدر حسناً وانتقالاًبأفلاك مضاعفة تسير
لحامله السريع وتالييهدليل أن خالقه قدير
يرى ذو الهيئة النحرير فيهاعجائب ليس يحويها الضمير
فسبحان الذي أنشأه بررحيم قاهر رب غفور
وصلى الله رب على نبيهو الهادي به قد تم نور
وكتبت أنا إليه سؤالاً من علم المناظر:
قاضي قضاة الشام يا من لهفوائد كالديم الهاطلة
ومن له معرفة قد غدتلكل علم في الورى شاملة
ومن إذا حل بنا مشكليلقا بالأجوبة الفاصلة
وهو إمام الناس في فنهموفي فنون عنده حاصله
من كذب الحس فما عندهبينة تعضده عادله
لكن هذا القطر في جوهغدا خطوطاً للثرى نازله
كذلك النقطة فوق الرحىتبصرها دائرة جائله
فبين العلة في صدقناأولا فدعواكم إذا باطله
وابق مدى الأيام في نعمةبدورها مشرقة كالمة
فكتب هو ﵀ الجواب إلي مختصراً:
علتها السرعة مع وهمناومن خيال لم يزل خاتلة
يقضي بها الوهم ويأبى الحجىوهو الذي أحكامه عادلة
والحس مقصور على رؤيةمبصرة للصورة الحاصلة
وكتب أيضاً رحمه الله تعالى جواباً مطولاً في ثلاثة وأربعين بيتاً وقد أثبتها بكمالها في كتابي ألحان السواجع بين البادي والمراجع، وقال لي يوماً: نظمت بيتاً مفرداً من ثماني عشرة سنة، وزدت الآن عليه بيتاً في هذه السنة، وكانت سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وهما:
لعمرك إن لي نفساً تسامىالى ما لم ينل دارا بن دارا
فمن هذا أرى الدنيا هباءولا أرضى سوى الفردوس دارا
فأعجباني، وقلت في مادتهما، إلا أن بيتيه رحمه الله تعالى أحسن وأصنع من
قولي:
لعمرك إن للباقي التفاتيومالي نحو ما يغني طريقه
أرى الدنيا وما فيها مجازاًوما عندي سوى الأخرى حقيقه
وحصل له في وقت ما شرى، فكتب إليه جمال الدين محمد بن نباتة المصري:
يفديك يا قاضي القضاة عليهممن كل داء تشتكي كل الورى
شهد الشرى لك حين زارك بالتقىوالصبر والصدقات لما خبرا
لا تعدم المدح الروائح سيداًهذي خلائقها بتخبير الشرى
فلما حضرت عنده أراني إياها، فلا وقفت عليها علمت ما أراده من خطأ التورية مع الناظم فمضيت من عنده وعدت إليه وقد كتبت أنا إليه بعد ذلك:
لما اشتكى قاضي القضاة فديتهمن كل سوء يشتكي منه الورى
عاينته لأذى الشرى متصبراًفعلمت حقاً أنه أسد الشرى
وربحت توريتي التي قعدت وماخسرت ولم أنطق بتخيير الشرى
فأعجبه ذلك وجبر على عادته معي، وفساد التورية مع الناظم الأول هو أن الشرى، بفتح الشين، مقصور؛ وهو المرض المعروف عند الأطباء بالماشرى، وهو الخراج الصغار التي تتولد من مادة دموية لذاعة، والشِرى بكسر الشين، مصدر شرت شرى، ففسدت توريته.
ووصل الخبر مع البريد من مصر بوفاته قدس الله روحه في يوم الجمعة سابع جمادى
الآخرة سنة ست وخمسين، فكتبت مرثية إلى ابنه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب، وأنشدت في صبيحة العزاء بالعادلية، وهي:
أي طود من الشريعة مالازعزعت ركنه المنون فزالا
أي ظل قد قلصته المناياحين أعيا على الملوك انتقالا
أي بحر قد فاض بالعلم حتىكان منه بحر البسيطة آلا
أي حبر مضى وقد كان بحراًفاض للواردين عذباً زلالا
أي شمس قد كورت في ضريحثم أبقت بدراً يضي وهلالا
مات قاضي القضاة من كان يرقىرتب الاجتهاد حالاً فحالا
مات من فضل علمه طبق الأرمسيراً وما تشكى كلالاً
كأن الشمس في العلوم إذا ماأشرقت أصبح الأنام ذبالا
كان كل الأنام من قبل ذا العص؟ر عليه في كل علم عيالا
؟ كان فرد الوجود في الدهر يزهىبمعالي أهل العلوم جمالا
فمضوا قبله وكان ختاماًبعدهم فاعتدى الزمان وصالا
كملت ذاته بأوصاف فضلعلم البدر في الدياجي الكمالا
وأنام الأنام في مهد عدلشمل الخلق يمنة وشمالا
لمن بعده نشيد رحاباًولمن بعده نشد رحالا
وهو إن رمت مثله في علاهلم تجد في السؤال عنه سوى لا
أحسن الله للأنام عزاهمفهم بالمصاب فيه ثكالى
ومصاب السبكي قد سبك القل؟ب وأودى منا الجلود انتحالا
خزرجي الأصول لو فاخر النج؟م علا مجده عليه وطالا
خلق كالنسيم مر على الروض سحيراً وعرفه قد توالى
ويد جودها يفوق الغواديتلك ماء همت وذا صب مالا
أيها الذاهب الذي حين ولىصار منه عز الدموع مذالا
لو أفاد الفداء شخصاً لجدنابنفوس على الفدا تتغالى
أنفس طالما تنفس عنهامنك كرب يكظها واستحالا
أنت بلغتها المنى في أمانفاستفادت غنى غزت منالا
من لنا إن دجت شكوك شكونامن أذاها في الذهن داء عضالا
كنت تجلو ظلامها ببيانحل من عقلنا الأسير عقالا
من يعيد الفتوى إلى كل قطرمنه جاءت جوابها يتلالا
قد صببت الصواب فيها وأهدي؟ت هداها وقد محوت المحالا
فيقول الورى إذا ما رأوهاهكذا هكذا وإلا فلا لا
فليقل من يشاً ما شاء إن الموت أردى الغضنفر الرئبالا
وإذا ما خلا الجبان بأرضطلب الطعن وحده والنزالا
قد تقضى قاضي القضاة تقي ال؟دين سبحان من يزيل الجبالا
فالدراري من بعده كاسفاتوإذا ما بدت تراها خجالى
كان طوداً في علمه مشمخراًمد في الناس من بنيه ظلالا
فبهاء بها ونعمت وتاجفوق فرق العلياء راق اعتدالا
هو قاضي القضاة صان حماهمن عوادي الزمان ربي تعالى
وهداه للحكم في كل يومفيه يرعى الأيتام والأطفالا
وحباه الصبر الجميل ووفاهـ ثواباً يهمي سحابا ثقالا
ليبيد العدى جلاداً ويغدوفيفيد الندى ويبدي الجدالا
وكتبت بعد ذلك إلى ولده الشيخ الإمام بهاء الدين أحمد بمصر أعزيه:
؟ وهكذا جيشه المعهود نصرتهعلى أعاديه بعد اليوم ينهزم
أهكذا جبل الإسلام ينهدموهكذا سيفه المسلول ينثلم
وهكذا مجده الراسي قواعدهتنحط منه أعاليه وتنحطم
وهكذا البدر في أعلى منازلهوسعده قد محت أنواره الظلم
وهكذا البحر يمشي وهو ذو يبسمن بعد ما كان في عرنينه شمم
وهكذا كل ميت حل في جدثبكى له الفاقدان العلم والكرم
وقد نعى العدل منه سيرة كرمتيحفها الزاهران الحلم والنعم
والورق تملي لنا في وصفه خطباًيقلها المنبران البان والسلم
ولو أراد الأعادي كتمها اعترفتبفضلها الشاهدان العرب والعجم
قل للعدى إن جهلتم قدر رتبتهفالبيت يعرفه والحل والحرم
والليل والذكر والمحراب شاهدهوالشرع والحكم والتصنيف والقلم
ومن يقل إنه يدري مكانتهفما خفي عنهم أضعاف ما علموا
فكم كماة من النظار قد مهروافي البحث جاؤوا بما ظنوا وما زعموا
فكر فيهم بلا فكر وجد لهمجداله ثم لما سلموا سلموا
؟ وقصروا عن مبادي غاية حصلتله وأين عقاب الجو والرخم
ولوا فراراً وقد ألقوا سلاحهموهم أناس على التحقيق قد وهموا
عليه هزمهم في كل معركةوما عليه بهم عار إذا انهزموا
شكوا فتوراً رأوه في بصائرهمولو ألموا به من قبل ما ألموا
ما الناس إلا سواء في بيوتهمما الشأن في أمرهم إلا إذا التحموا
كل يرى أنه راح منفرداًليث وأقلامه من حوله أجم
فإن تضمهم وقت الجدال وغىفغندها تظهر الأقدار والقيم
تزايد الحلم من زاكي سجيتهفلم يكن من عداه قط ينتقم
موفق الحكم والفتوى على رشدما ند منه على ما قد مضى ندم
كم بات ينصر مظلوماً رآه وقدأودى وجانبه بالضعف يهتضم
كان ابن تيمية بالفضل معترفاًوهو الألد الذي في بحثه خصم
يثني عليه وقد أبدى بفكرتهأوهامه فيراها وهو يبتسم
وما أقر لمخلوق سواه وفيزمانه كل حبر علمه علم
قاضي القضاة تقي الدين حين قضىغدا أولو العلم لم يهناهم حلم
وكيف يهنأ عيش بعده وبهقد كان شمل الهدى بالحق يلتئم
فاليوم أقفر ربع المكرمات وقدشط المزار وأقوت دونها الخيم
مات الذي كان إن تسأله غامضةخلاك من حلها في العلم تحتكم
يا سائراً فوق أعناق الرجال وكمسعت له في المعالي والهدى قدم
خدمت علمك وقتاً والأنام إلىيوم القيامة فيما قلته خدم
تركت فينا تصانيفاً تخاطبنافأنت حي ولما تنشر الرمم
ما مثل سيرتك المثلى إذا ذكرتبالحمد تبدو وبالتقريظ تختم
أقمت في مصر والأخبار نافحةطيباً تسير بها الوخادة الرسم
ما كنت إلا إمام الناس قاطبةفي النقل والعقل تقضي كلما اختصموا
وكل مشكلة في الدين معضلةيضيق فيها على سلاكها اللقم
تحل شبهتها من حيثما عرضتبالحق إذ لست في الترجيح تتهم
مطهر الذات من ريب تضيء لنامنك العوارف والأخلاق والشيم
يكاد من رقة فيه يهب صباًهذا وقد برحت أحداثه الحطم
من أجل ذا غدت أيامه غرراًبيضاً ولم يقض فيها أن يراق دم
كف على عدد الأنفاس في هبة ال؟أموال ما سامها من بذلها الديم
يا من يعز علينا أن نفارقهموجداننا كل شيء بعدكم عدم
لكن صبرنا على التفريق وهو أذىوما لجرح إذا أرضاكم ألم
مهما نسيت فما أنسيت برك بيعند الظما ونداك البارد الشبم
وفرط جبرك إذ تثنيني علي بمالا أستحق وذاك الحفل مزدحم
حتى أغالط نفسي في حقيقة ماأدريه منها وفي علمي بها أهم
فعال من طبع الباري سجيتهعلى مكارم منها الناس قد حرموا
وكاد دهري لياليه تسالمنيوكاد يصرف عني الشيب والهرم
والله لا فترت مني الشفاه عن الدعا ولا افتر لي من بعد ذاك فم
فاصبر أبا حامد فالناس قد فجعوافيمن مضى لم تخصص أنت دونهم
تشارك الناس في هذا العزاء كمانعمى أياديه فيها الناس تقتسم
وانظر وقس يا إمام الناس كلهمفإن سلمت فكل الناس قد سلموا
هذي المصيبة بالإسلام قد نزلتفانظر عرا الدين منها كيف تنفصم
ما مثل من قد مضى يبكى عليه ولاتجري على وجنتيك الأدمع السجم
فإنه في جنان الخلد في دعةلكفه الحور والولدان تستلم
فقدس الله ذاك الروح منه ولاأراه يوم اللقا والحشر ما يصم
يقبل الأرض وينهي ما عنده من الألم الذي أنكى، والحادث الذي ما يحيك في خلد ذي جلد ولا يحكى، والمصاب الذي عقد المناحات له بالمناجاة، فوقف واستوقف له، وبكى واستبكى:
ولو يغني البكا أو رد ميتاًبكيت فلم يساجلني الغمام
فإنا لله وإنا إليه راجعون، قول من فقد إمامه، وفجع بمن كان يهديه إلى رشده ويريه طرق السلامة، وأعدمته الأيام حبراً لم يلتفت معه إلى الدراري إذا سمع كلامه، وغيضت منه بحراً كان يقذف به من دره فذه وتوامه، وأخذت منه فريد عصره فما يدري ما يبكيه منه، أعلمه أم بركته أم لطفه أم جوده الذي فضح الغمامة، وابتزت منه شيخ الإسلام الذي ما يخلفه الوجود إلى يوم القيامة.
عمت فواضله فعم مصابهفالناس فيه كلهم مأجور
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كلمة تقولها الملوك لهذه المصيبة العظمى والرزية التي ما يجد الناس لها رحمى، ذهب والله من كان جمال الوجود، وإمام الأئمة وكعبة الجود، ومن كان بقاؤه بين ظهراني الناس رحمه، ومن بينه في العلوم وبين علو النجوم زحمه، ومن كان إذا كتب اهتزت من الطرب له الأقلام، وخضعت لأوامره
السيوف، وسكنت خافقات الأعلام، وتملت بعلومه وتصانيفه الشريعة، فلما مات قال الناس أحسن الله عزاء الإسلام:
غدا طاهر الأثواب لم تبق روضةغداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرىويغمر صرف الدهر نائله الغمر
ويقسم المملوك أن مولانا وأخاه أدام الله أيامهما ما انفردا بهذه الرزية، ولا ابتليا دون الناس بهذه البلية، يا مولانا هذا ركن الإسلام قد انهدم، وهذا بحر الإيمان قد ارتدم فمصابه قد عم وما خص، وتحيف جناح الصبر وما حص، فالله يعين على ما أبلى ويمسك رمق القلوب فإنها عريت من جبة الصبر وما تطيق من الأحزان نبلاً، وما بقي غير الأخذ بالسنة في الصبر، والتمسك بآثار السلف الصالح ممن أودع أحبابه القبر:
أنت يا فوق أن تعزى عن الأحباب فوق الذي يعزيك عقلاً
وبألفاظك اهتدى فإذا عزاك قال الذي له قلت قبلا
ويقسم المملوك ثانياً أن فيكما خلفاً باقياً، وكلاكما، كلاكما الله، نير أصبح في درجات من درج السعد راقياً، وما السلوة إلا بهذا، وإلا كانت قلوب الأولياء قد أمست جذاذاً، فالله تعالى يمتع مصر والشام منكما بمطالع النيرين، ويديم
للإسلام منكما من يحيي له سيرة العمرين، وقد جاء من مولانا قاضي القضاة تاج الدين ما نور الظلم، وبور أرباب السيف والقلم.
وقال الناس ليمن أيامه: " ومن يشابه أباه فما ظلم ". فمولانا يمده بالخاطر ولا ينسه من دعائه، فإنه في الأرض مثل الغمام الماطر، أنهي ذلك، والله الموفق بمنه وكرمه؛ إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع