من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
محمد بن محمد بن علي
ابن محمد بن سليم، الصاحب تاج الدين أبو عبد الله ابن الصاحب فخر الدين ابن الوزير بهاء الدين ابن حنا.
سمع من سبط السّلفي جزء الذهلي، ومن الشرف المُرسي. وبدمشق من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر، وحدّث بدمشق وبمصر.
رأى من العز والوجاهة ما لا رآه جدّه، وساعده على الرئاسة حظه وجدّه.
كان ذا تصوّن ورياسة وسيادة، وتفنن في المكارم بلغ من العلياء ما أراده، وانتهت إليه رياسة مصره في عصره، وسيادة دهره في سرّه وجهره.
وكان شكله حسناً، وبزّته إذا رآها الناظر لم يذق معها وسنا، لأنه تفنن في مطعمه وملبسه، ومركوبه ومجلسه، وراحة قلبه وبدنه، وسكنه ومسكنه، مع كثرة صدقاته على الفقراء. ومبراته للأمراء، وتواضعه الذي ملك به قلوب الأصاغر والعظماء.
وزاده زينة والبدر أحسن ما تراه في طرف السّماء، وعزم تلاه الحزم، ولم يدخل عليه من العوامل إذا ذوات الجزم.
مستبدّ بهمةٍ جعلتهفي علوّ المرمي شريك النّجومِ
وخلال لو استردّت إليهامثلُها ما وجدْتها في الغيوم
وكان ممدّحاً معظّماً، يختار الشعراء لأمداحه الدرّ الكبار منظّماً.
وولي الوزارة مرتين، وتجمّلت به كرّتين. ثم إن الوزراء بعده كانوا له غلماناً، ولأوامره كفلاء وضمّاناً.
ولم يزل على حاله الى أن سكن ابن حنّا زوايا ضريحه، وخرج فقده من معمّاه الى صريحه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت خامس جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مئة.
ومولده في يوم الخميس سابع شعبان سنة أربعين وستّ مئة.
وهو الذي اشترى الآثار النبوية على ما قيل بمبلغ ستين ألف درهم، وجعلها في مكانه بالمعشوق، وهو المكان المنسوب إليه بمصر، وقد زرت هذه الآثار ورأيتها مرتين، وهي قطعة من العنزة ومِرْوَد ومِخْصَف وملقط وقطعة من القصعة، وكحّلت ناظري برؤيتها، وقلت أنا:
أكرِم بآثار النبيّ محمدٍمن زارها استوفى السعودَ مزارُهُ
يا عين دونَكِ فالحظي وتمتّعيإن لم تَريه فهذه آثارُه
وحكى لي الإمام العلامة شيخنا شهاب الدين أبو الثّناء محمود وغير واحد أن الصاحب فخر الدين بن الخليلي لما لبس تشريف الوزارة وتوجّه الى القلعة بالخلعة
الى عند الصاحب تاج الدين، وجلس بين يدين وقبّل يده، فأراد الصاحب تاج الدين أن يُجبره ويعظّم قدره، فالتفت الى بعض غلمانه الواقفين أو عبيده وطلب منه توقيعاً بمرتب يختص بذلك الشخص، فأخذه وقال: مولانا يعلّم على هذا التوقيع، فأخذه وقبّله وعلّم عليه قدّامه.
وكان شيخنا الحافظ فتح الدين إذا حكى ذلك يقول: هذه الحالة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي.
ومن أحسن حركة اعتمدها ما حكاه لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: اجتزت بتربة فرأيت في داخلها مكتباً للأيتام، وهم يكتبون القرآن في ألواحهم، فإذا أرادوا مسحَها غسلوا الألواح وقلبوا الماء على قبره، فسألتُ عن ذلك فقيل لي: هذا شرطٌ في هذا الوقف، وهذا مقصدٌ حسن وعقيدة صحيحة.
وكان جدّه الصاحب بهاء الدين يؤثره على أولاده لصُلبه ويعظّمه عليهم. أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني قاضي القضاة جلال الدين القزويني رحمه الله تعالى، قال: وقفتُ على إقرار الصاحب بهاء الدين بأنه في ذمّته للصاحب تاج الدين ولأخيه مبلغ ستين ألف دينار مصرية.
ومن وجاهته وعظمته في النفوس أنه لما نُكب على يد الشجاعي جرّده من قماشه وضربه مقرعةً واحدةً من فوق قميصه، ولم يدعه الناس يصل الى أكثر من ذلك مع جبروت الشجاعي وعتوّه وتمكّنه من السلطان.
وكنان قد رُتّب في الوزارة بعد ابن السّلعوس وقتل الأشرف في أول دولة الناصر
محمد بن المنصور وقتل الشجاعي، وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة الى أن عُزل بابن الخليلي فخر الدين في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وست مئة.
وكان الصاحب يتعاطى الفروسية ويحضر الغزوات ويتصيّد بالجوارح والجوامي، ولما قدم من غزوة حمص امتدحه الحكيم شمس الدين محمد بن دانيال وذلك في سنة ثمانين وست مئة، وأول القصيدة:
تذكّرت سُعدى أم أتاك خيالُهاأم الريحُ قد هبّت إليك شمالُها
منها:
لقد أقبل الصّدر الوزيرُ محمّدفأقبلَتِ الدنيا وسُرَّ وصالُها
منها:
بغى أبغا لما تصرّع أهلهبدار هَوانٍ قد عراهُم نكالُها
وألقوا عن الأفراس حيثُ رؤوسهمأكاليلُها فوق التّراب نعالُها
وكان لها تلك الذوائبُ في الثّرىشكالاً وثيقاً حين حلّ وثالُها
فأمْسَوا فراشاً والأسنّة شُرّعٌذِبالٌ الى أن أحرقتهُم ذبالُها
وأنشدني إجازة لنفسه شيخنا العلامة أبو الثناء يمدحه بقصيدة تزيد على الثمانين بيتاً أولها:
أعليَّ في ذكر الدّيار مَلامُأم هل تذكُّرُها عليَّ حرامُ
أم هل أُذَمّ إذا ذكرتُ منازلاًفارَقْتُها ولها عليّ ذِمامُ
دار الأحبة والهوى وشبيبةذهبت وجيرانٌ عليّ كِرام
فارقتُهم فأرقْتُ من وجدي بهمأفَهَل لهم أو للكرى إلمام
كانوا حياتي وابتُليتُ بفقدهمفعلى الحياة تحيّةٌ وسلام
أشتاقُها شوقَ الغريب مزارهسَفهاً وإلا أين مني الشام
وتروقني خِدعُ المُنى منها وقدبعُدَ المدى وتمادت الأيام
وتلذّ لي سُنّة الكرى لا رغبةًفي النوم بل لتعيدَها الأحلام
وتمثّل الأوهام لي أني بهاثاوٍ ولذّات الهوى أوهام
وكأن دمعَ تشوّفي وخيالَهادِمَنٌ ألمّ بها فقال سلام
منها:
وله بظلِّ محمد بن محمدٍحرمٌ يُطاف بركنه ومقامُ
الصاحب المولى الوزيرُ ومن بهبُعثتْ عِظام المجد وهي رمام
متفرّدٌ دون الورى بمناقبٍأمسى لها بين النجوم مقامُ
خُلُق كنشر الروض حُلَّ لنورهبيد الصَّبا عند الصباح لثام
وبديهة أسرى وأسرعُ من سَنابرقٍ بَدا فكأنّها إلهامُ
من خاطر كالنار يجري ماؤهعذباً وهل تُجري المياهُ ضرام
من كل مغنى لو تمثّل جوهراًفرداً أقرّ له بها النظام
وشجاعة ما عامرٌ فيها لهقدم ولا عمرٌو له إقدام
ثبْتَ الجِنان إذا الفوارسُ أحجمتْخوفَ الرّدى لم يُثنه إحجام
وبكفّه في جحفلٍ أو محفلتُزجى الرِّماح السمرُ والأقلام
وهذه قصيدة غرّاء طنانة، وقد أثبتها بكمالها في الجزء التاسع عشر من التذكرة التي لي.
وحكى لي عنه سيادةً كثيرة شاهدها منه، من ذلك أنه قال: دخلت يوماً إليه، فلقيني إنسان من الشعراء - نسيت أنا اسمه - ومعه قصيدة قد امتدحه بها، فقال: يا مولانا لي مدّة ولم يتفق لي إلى الصاحب وصول، فأخذتها منه ودخلت بها إليه وقلت: بالباب شاعرٌ وقد مدح مولانا، فقال: يدخل. فأعطاه القصيدة، ولم يمتنع من إسماعها كما يفعله بعض الناس، فلما فرغت أخذها منه، ووضعها الى جانبه، ولم يتكلم ولا أشار. فحضر خادم ومعه مبلغ مئتي درهم وتفصيلة، فدفعها لذلك الشاعر.
قلت: وهذه غاية في السيادة والرئاسة من سماعها وعدم قوله: أعطوه كذا، أو إشارة الى من يحضر فيشير إليه.
وقيل عنه: إنه كانت أحواله كلُّها كذا لا يشير بشيء ولا يتكلم به في بيته، وكل ما تدعو الحاجة إليه يقع على وفق المراد، وحكى لي أنه أضاف جدّه يوماً ووسّع فيه، فلما عاد الى بيته أخذ الناس يعجبون منه ومن همّته وكرم نفسه، فقال الصاحب بهاء الدين: ليس ما ذكرتموه بعجيب، لأن نفسه كريمة ومُكْنتُهُ متّسعة، والعجب العجب كونه طول هذا النهار وما حضر فيه من المأكول والمشروب والطعام والفاكهة والحلوى وغير ذلك على اختلاف أنواعه، ما قام من مكانه، ولا دعا خادماً فأسرّ إليه بشيء، ولا أشار بطرفه ولا بيده، ولم يجئ إليه أحد من خدمه ولا إشار إليه. وقيل: إن الناس تعجّبوا من كثرتهم وتشربهم الماء البارد في كيزان عامّة
النهار، فسُئل عن ذلك فيما بعد، فقال: اشترينا خمس مئة كوز، وبعثنا الى الجيران قليلاً، برّدوا ذلك في الباذهنجات التي لهم.
ولا شكّ في أنه كان عالي الهمّة ممجَّداً مسوّداً، ولكن لم يكن له سعادة جدّه ولا دربته في تنفيذ الوزارة، فإنه وليها مرّتين وما أنجب فيها، وكان له إنسان مرتب معه حمام كحمام البطايق مدرَّب، إذا خرج من باب القرافة أطلق ما معه من الحمام، فيروح الى الدار التي له فيعلم أهله أنه قد خرج من القلعة، فيرمون الطُّطماح والملوخية وغير ذلك من أنواع الطعام ومن المطجَّن وما شابهه، حتى إذا جاء وجد الطعام حاصلاً والسماط ممدوداً.
وله ديوان شعر لطيف سمعه منه ابن شامه وابن الصابوني.
أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: اجتمعت به وسمعت عليه شيئاً من الحديث، وأنشدني من لفظه لنفسه:
ولقد أتيت على أغرّ أدهمٍعبل الشّوى كالليل إذ هو مظلمُ
وبكفي اليُمنى قَناةٌ لدْنةٌكالأُفعوان سنانها منه الفمُ
متقلّداً غضباً كأن متونهبرقٌ تلألأ أو حريقٌ مضرم
وعليّ سابغةُ الذّيول كأنهاسلخٌ كسانيه الشجاع الأرقم
وعلى المفارق بيضة عاديّةٌكالنّجم لاح وأين منها الأنجم
فالرّعد من تِصهال خيلي والسّنابرقُ الأسنّة والرّذاذ هو الدّمُ
وكان قد اشترى فرساً من العرب، فأقامت عنده مدة في الحاضرة، ثم إنه عبر بها على بيوت العرب، فجفلت به، فقال:
نسيتِ بيوت الشّعرِ يا فرسي وقدربيتِ بها والحُر للعهد ذاكرُ
ولكن رأيتيها بنجدٍ وأهلُهاعلى صفةٍ أخرى فعُذرك ظاهرُ
قلت: أثبت الياء في قوله: رأيتها وإنما هي بكسر التاء، فأشبع، فنشأت ياء.
قال شيخنا أثير الدين: ونظمتُ أنا هذا المعنى فقلت:
عجبتُ لمهري إذ رأى العُرب نُكّباكأنْ لم يكن بين الأعاريب قد رَبا
أجل ليس نكراً للفريق وإنماتخوّف عُتباً منهم فتجنّبا
وقد سمع منه شيخنا الذهبي وجالسه، وأنشده من شعره، واعتكف مرة في مئذنة عرفات بجامع مصر ثلاثة أيام، فقال السّراج الورّاق، ونقلت ذلك من خطه:
ثلاثة أيام قطعتَ كطولهاثلاث شديدات من السنوات
حجبْن مُحيّا الصاحب بن محمدليجمع بين الحُسن والحَسناتِ
وما كاد قلبي أن يقرَّ قرارهلأني بمصر وهو في عرفات
ولما عمّر الصاحب تاج الدين جامع دير الطين قال السرّاج الوراق، ومن خطه نقلت:
بنيتم على تقوى من الله مسجداًوخيرُ مباني العابدين مساجدُ
وأعلن داعيه الأذان فبادرتإجابته الصمُّ الجبالُ الجلامِدُ
ونالت نواقيسَ الدّيارات وجْمةٌوخوفٌ فلم يمدد إليهنّ ساعد
تبكي عليهنّ البطاريق في الدجىوهنّ لديهم مُلقَياتٌ كواسد
بذا قضتِ الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
قلت: البيتان الأخيران لأبي الطيب المتنبي من قصيدة مشهورة.
وأهدى إليه الصاحب تاج الدين عسلاً مسعودياً فقال، ومن خطه نقلت:
من الظّرف ردّ الطّرف ممتلئاً حمداكما جاء من نعماكَ ممتلئاً رَفدا
وكنتُ لَسيعاً من زماني وصرفِهفبدّلني من سمّه القاتل الشُّهَدا
منها:
أتاني مسعودٌ به لون عِرضهبياضاً جَلا من حالِك الحال ما اسودّا
فأدْنيتُ مَن أبعدتُها لا قِلًى لهاولكن من الأشياء ما يوجب البُعدا
فإن رفع الدّاعي يديه فهذهبأربعها تدعو فتستفْرِغُ الجُهدا
وأرسل إليه الصاحب يوماً ديوكاً مخصية، فاستبقاهنّ، فأرسل إليه دجاجة كبيرة، ومن خطه نقلت ما قاله في ذلك:
فديتُ الدّيوكَ بذبحٍ عظيمٍوأنقذتُها من عذاب أليمْ
فناري لهم مثلُ نار الخليل ونارُك لي مثل نار الكليمْ
وذو العرف بالله في جنةفكُن واثقاً بالأمان العظيم
لقد أنسَتْ لي دارٌ بهمومن قبلها أصبحت كالصّريم
مشَوا كالطّواويس في ملبسٍبهيِّ البرود بهيج الرّقوم
كأني أشاهدُهم كالقُضاةبسمتٍ عليهم كسمتِ الحليم
وإلا أزمّة دارٍ غدتبهم حرَماً آمناً كالحريم
ولا فرقَ بيني وبين الخَصيّفلمَ لا أراهم بعين الحميمِ
ونعمَ الفِداُ لهم قد بعثتمن الفاتنات ذوات الشّحوم
أعدتَ الشباب الى مطبخيوقد كان شابَ بحمل الهُموم
وعادت قُدوري زنجيةًفأعْجبْ بزنجية عند رومي
وطال لسانٌ لناري بهخصمتُ خُطوباً غدت من خصومي
وأمسيتُ ضيفَك في منزليومن فيه ضيفٌ لضيف الكريمِ
قلت: قوله: زنجية عند رومي ظرّف فيه الى الغاية، لأن السّراج رحمه الله تعالى كان أشقر أزرق، ولذلك قال، ومن خطه نقلت:
ومن رآني والحمار مَركبيوزرقتي للروم عِرقٌ قد ضربْ
قال وقد أبصر وجهي مُقبلاًلا فارسَ الخيل ولا وجهَ العربْ
ونقلت من خطّ السراج الوراق قصدة مدح بها الصاحب تاج الدين أولها:
أترومُ صبري دون ذاك الرّيمهيهاتَ لمتُ عليه غير ملومِ
لو شاهدَت عيناكَ ما شاهدتُهلرجعتَ في أمري الى التّسليم
مُخضرُّ آسٍ واحْمِرارُ شقائقٍأنا منهُما في جنة وجحيمِ
ومعاطفٌ من دونهنّ روادفٌأنا منهما في مقعد ومُقيم
سَلْ طرفَه عن شعره الدّاجي فلنيُخبرك عن طول الدُجى كسقيم
يا غُصن قامته إليك تحيتيمع كل ماطرةٍ وكل نسيم
إن الجمال له بغير مُنازعوالوجدُ لي فيه بغير قسيم
وكذا العُلا لمحمّد بن محمّد بن عليّ بن محمد بن سليم
نسبٌ كمطّرد الكُعوب فلا تَرىإلا كريماً ينتمي لكريم
منها:
وشبيبة حرس التُقى أطرافهافلها محلّ الشيب في التعظيمِ
وإذا تحرّمتِ المسائلُ باسْمهجلّى عن التحليل والتحريم
إن قال لا يخلو فما من علةٍتبقى لصحةِ ذلك التقسيم
أما إذا جارى أخاهُ أحمداًشاهدتَ بحري نائلٍ وعُلومِ
بحرانِ إن شئتَ النّدى، نجمان إنشِئتَ الهُدى، غَوثانِ في الإقليم
وكتب الصاحب تاج الدين الى الورّاق يعزيه في حمار له سقط في بئر فنفق:
يَفديك جحشُك إذ مضى متردّياًوبتالدٍ يُفدى الأديبُ وطارفِ
عدم الشّعير فلا رآه ولا يرىتَبناً وراح من الظّمأ كالتّالف
ورأى البُويرةَ غير خافٍ ماؤهافرأى حُشاشةَ نفسه لمخاوف
فهو الشهيد لكم بوافرِ فضلُكُمهذي المكارم لا حمامة خاطِفِ
قومٌ يموت حمارُهُم عطشاً لقدأزرَوا بحاتم في الزّمان السّالف
قلت: قوله: لا حمامة خاطف يشير فيها الى أبيات ابن عنين التي مدح بها
الإمام فخر الدين الرازي وهو على المنبر فجاءت إليه حمامة وراءها جارح، فقال ابن عنين أبياتاً منها:
جاءت سليمان الزّمان حمامةٌوالموتُ يلمع من جناحَيْ خاطفِ
مَن أعلمَ الورقاءَ أن محلّكمحرمُ وأنك ملجأُ للخائفِ
وأجاب الوراق للصاحب تاج الدين بقصيدة طويلة، ومن خطّه نقلت:
أذنَتْ قُطوف ثمارها للقاطفوثنت بأنفاس النّسيم معاطفي
منها، فيما يتعلّق بالحمار:
ولكمْ بكيتُ عليه عهدِ مرابعومراتع رُشّت بدمعي الذارفِ
يُمسي على يُسري وعُسري صابراًبمعارفٍ تلهيه دون معالفِ
وقد استمرّ على القناعة يقتديبي وهي في ذا الوقت جلّ وظائفي
ودعاهُ للبئر الصّدى فأجابهواعتاقَهُ صرفُ الحمام الآزِفِ
وهو المُدلُّ بألْفةٍ طالت وماأنسى حقوق مرابعي ومآلفي
وموافقي في كل ما حاولتهفي الدهر غير مواقفي ومخالفي
دورانُ طاحونٍ لساقية لنقلِ الماء في شاتٍ ويوم صائفِ
لكنْ بماء البئر راح بنقلةٍفثلاثُ شاماتٍ بموتٍ جارِفِ
ونظم الصاحب يوماً بيتا وهو:
توفي الجمال الفائزيّ وإنهلخَيرُ صديقٍ كان في زمنِ العُسرِ
وأمر الوراق بإجازته فقال:
فيا ربّ عاملْهُ بألطافك التييكونُ بها في الفائزين لدى الحشرِ
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين:
توهّم واشينا بليلٍ مزارنافجاء ليسعى بيننا بالتّباعد
فعانقته حتى اتّحدْنا تلازُماًفلم يرَ واشينا سوى فرد واحدِ
قلت: هو مأخوذ من قول الأول:
كأنني عانقْتُ ريحانَةتنفّستْ في ليلها الباردِ
فلو تَرانا في قميص الدُجىحسبتَنا في جسدٍ واحد
وقلت أنا وقد كنا بمرح الغسّولة في يوم من الربيع، فورد علينا برد شديد الى الغاية:
أتانا فجأة بردٌ شديدأنا للمدح فيه غير جاحدْ
لأني كنتُ عن إلفي بَعيداًفصيّرني ومَن أهواه واحِدْ
وكتب شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود الى الصاحب تاج الدين مع رأس فانوس أهداه وفيه صورة الفلك:
أيا مولى أعوذ مجْدهـ بالروح والمُلكِ
ومَن بِسَنا مفاخرهتُضيء غياهبُ الحلكِ
بعثتَ بما أبَوه إذايصحّف من كُنى مَلك
يُريك الشّمس في جُنح الدجافي قبّة الفلكِ
فكتب الصاحب تاج الدين الجواب:
أتَتني من الحبر الكريم هديةٌبها من أبي فانوسَ نسبةَ ناسِبْ
وما أبعدَ الفانوس إلا لريبةٍمَطالبها مرجوة في الغباهِبْ
شياطينُها ترجو انقضاضَ شِهابهاوتأمَلُ منه أن تفوزَ بثاقِبْ
وكان شيخنا العلامة شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في يوم عند الصاحب تاج الدين، فقام الى الصلاة، ورمى إليه بخاتم فضة فصّه زبرجد، ولما انفتل من الصلاة أنشده الشيخ شهاب الدين محمود لنفسه:
يا سيّد الوزراء يا مَن كفُّهأربى نَداهُ على سماح حاتمِ
أشبهتَ في الخلق الوصيّ وفعلهلما تصدّق في الصلاة بخاتم
ومن شعر الصاحب تاج الدين مُلغزاً في الورد:
ومعركة أبطالُها قد تخضّبتأكفُهم من شدة الضّرب عندما
لهم عندها ثأرٌ وللنار عنبرٌتأجج حتى يترك الوردَ أدهما
ومنه يمدح الشيخ خضر المكّاري:
وجُزت بميدان العبادة غايةتُذكرني يومَ السّباقِ ابنَ أدهَما
ونظم يوماً بيتاً وهو:
ألا قاتل الله الحمامة إنهاأذابت فُؤاد الصّبّ لما تغّنَت
وقال للوراق: أجزه. فقال قصيدة أولها:
أطارحُها شكوى الغرام وبثّهفما صدحتْ إلا أجبتُ بأنّة
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين هذه الموشّحة وقد التزم فيها الحاء قبل اللام وهي:
قد أنحلالجسم أسمرْ أكحلْوأوحلْالقلبُ فيه مُذ حلْ
يميلُوعنه لا أميلُ
يحولوعنه لا أحول
أقولإذ زاد بين النُحولُ
أما حلّعِقدَ الصَّدود ينحلّويرحلْعن جسمي المُزَحّلْ
برَغميكم يستبيحُ ظُلمي
ويرميبحربه لسلمي
وجسميمع التزام سُقمي
منحّلْوقد غدا مرحّلْفكم حلسفكَ دمي وما حلْ
متوّجْبالحُسن هذا الأبهَجْ
مدبّجْعِذاره بالبنفسجْ
مفلَّجْيرنو بطَرفٍ أدعجْ
مكحّلْوريقه المنحّلْمُفحّلْبالعنبر المحَلحَل
كم أبعَدْوكم أبيتُ مُكمَدْ
ويعمَدبهجرِهِ لا يفقَدْ
ويجهَدْفي ارتضاء مَن قَدْ
تمحّلْوالحاسدون وحّلْومحّلوالوعد منهُ أمْحَلْ
قَلانيواشتطّ هذا الجاني
رمانيفي عُشقه زماني
خلانيأشكو لمن يراني
قد أنحَلالجسمَ أسمرْ أكحلوأوحَلالقلب منه مُذ حَلْ
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع