من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الشين الْمُعْجَمَة
الصفحة ٢ من ٢
شعْبَان بن الدمرداشي الْمصْرِيّ نزيل غَزَّة هَاشم الْمَعْرُوف بِأبي الْقُرُون كَانَ وَالِده من أُمَرَاء الجراكسة بِمصْر وَصَارَ أَولا هُوَ من جندها ثمَّ أَخذ طَرِيق الأحمدية عَن الشَّيْخ أَحْمد الجركسي خَليفَة سَيِّدي أَحْمد البدوي وَصَارَ من الكمل فِي الْعُلُوم الظَّاهِرَة والباطنة ثمَّ ساح فورد دمشق فِي حُدُود سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَنزل أَولا بزاوية الأحمدية دَاخل بَاب النَّصْر ثمَّ انْتقل إِلَى الْمدرسَة اليدغمشية بِخَط تَحت القلعة وَأقَام بهَا مُدَّة وَظهر لَهُ بعض مكاشفات وأحوال ثمَّ قصد الْحَج وَأخْبر أَنه فِي الْعود يُؤمر بالذهاب إِلَى غَزَّة هَاشم لِأَن حاكمها الباطني يَمُوت وَيُوجه مقَامه إِلَيْهِ وَكَانَ يَقُول أَن حُكُومَة غَزَّة الباطنية لَهَا رُتْبَة عالية عِنْد أهل الْبَاطِن لكَونهَا آخر الْبِلَاد المقدسة وَلما عَاد من الْحَج وَقع لَهُ مَا كَانَ يَقُوله فَتوجه إِلَى غَزَّة وَأقَام بهَا مُدَّة حَيَاته وَكَانَ لَهُ أَحْوَال عَجِيبَة من جُمْلَتهَا تسخير بعض الْهَوَام لَهُ وانقيادها إِلَيْهِ حَدثنِي بعض من أعْتَمد عَلَيْهِ عَن كثير مِمَّن لَقِيَهُمْ أَنه كَانَ عِنْده حَيَّة عَظِيمَة ألفته وَكَانَ سَمَّاهَا باسم فَكَانَ إِذا ناداها بذلك الِاسْم جَاءَتْهُ مسرعة وَقَعَدت على ركبته ثمَّ إِذا أَرَادَ ذهابها ناداها باسمها أَن اذهبي فتذهب وَمن غَرِيب حَاله أَنه كَانَ يمِيل
إِلَى سَماع الْآلَات ويطرب لَهَا وَذكر لي كثير من النَّاس أَنه لما قربت وَفَاته أوصى بِأَن يغسل على السماع فنفذ مريدوه وَصيته وَكَانَ لَهُ مريدون وحفدة وَبِالْجُمْلَةِ فعامة من لقيناه معتقدون ولَايَته وصلاحه وَالله أعلم بِحَالهِ وَكَانَت وَفَاته بِذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بغزة
شعْبَان الفيومي الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْفَقِيه المتضلع من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة شيخ الْأَزْهَر نفع الله بِعِلْمِهِ فَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا انْتفع بِهِ وحصلت لَهُ بركته ولد بالفيوم فِي سنة خمس عشرَة وَألف تَقْرِيبًا وَحفظ الْقُرْآن ورحل إِلَى مصر وَأخذ عَن من بهَا من أكَابِر الْعلمَاء كالشهاب القليوبي وَحضر الشَّمْس الشَّوْبَرِيّ وَكَانَ ملازماً لَهما سِنِين عديدة وَكَانَ مُسْتَغْرقا أوقاته فِي إقراء الْعلم والتدريس فِي الْعُلُوم النافعة وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ اسْتِقْلَالا كل يَوْم مَا ينيف على مائَة طَالب وَله فِي كل يَوْم ثَلَاثَة دروس حافلة وَاحِدهَا بعد الْفجْر إِلَى قريب طُلُوع الشَّمْس وَالثَّانِي بعد الظّهْر وَالثَّالِث بعد الْعَصْر هَذَا دأبه دَائِما وَكَانَ يجْتَمع فِيهَا من طلبة الْعلم خلق كثير وَكَانَ محافظاً على الْجُلُوس فِي الْأَزْهَر لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا لحَاجَة وَكَانَ يستحضر غَالب كتب الْفِقْه المتداولة بَين المصريين وَتخرج بِهِ كثير من الْعلمَاء مِنْهُم الْعَلامَة مَنْصُور الطوخي وَإِبْرَاهِيم الْبرمَاوِيّ وعطية الشَّوْبَرِيّ وَغَيرهم وَكَانَ قَلِيل الْكَلَام كثير الاحتشام لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد مُعظما عِنْد الْعلمَاء مَشْهُورا بالورع وَكَانَ إِذا قَرَأَ الْقُرْآن يكَاد يغيب عَن حواسه وَكَانَ كثير الدُّعَاء لمن يقْرَأ عَلَيْهِ وَلَا يسمع مِنْهُ كَلَام إِلَّا فِي تَقْرِير مسَائِل الْعلم وَكَانَ إِذا مر فِي السُّوق يمر مسرعاً مطرق الرَّأْس وَله كرامات علية مِنْهَا أَن رجلا تسلط عَلَيْهِ فَكَانَ إِذا مر مطرقاً يحاكيه ويمثل بِهِ ويطرق رَأسه مثله فَأتى إِلَيْهِ ذَات يَوْم وَهُوَ مطرق فَفعل مثله وأطرق رَأسه فَلم يقدر على رَفعه وَلَا تحريكه يَمِينا وَلَا شمالاً ثمَّ أَتَى إِلَيْهِ وَاعْتذر وَتَابَ من ذَنبه فَعَفَا عَنهُ ودعا لَهُ فعافاه الله تَعَالَى ببركته وَمِنْهَا الاسْتقَامَة فِي جَمِيع الْأَحْوَال الَّتِي هِيَ أوفى كَرَامَة وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى
شهَاب الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْعِمَادِيّ الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ وَقد تقدم أَخُوهُ إِبْرَاهِيم أحد الصُّدُور الْفُضَلَاء وَكَانَ فَاضلا نبيلاً حسن الْفَهم أديباً شَاعِرًا منشياً وَله خطّ بديع وَسُرْعَة كِتَابَة وَضبط وَكَانَ وَاسِطَة عقد بَيت الْعِمَادِيّ وَإِلَيْهِ يرجع حلّه وعقده وَكَانَ وَالِده وشقيقاه منقادين إِلَى تَدْبيره لَا يسعهم خِلَافه بِحَال
وَكَانَ لَهُ شهامة ودراية بالأمور تربى فِي حجر وَالِده واشتغل فِي مبدأ أمره على الْحسن البوريني والعلامتين الشهابين أَحْمد العيثاوي وَأحمد الوفائي وَعلي وَالِده وَأخذ عَن أبي الْعَبَّاس الْمقري ولازم من الْمولى السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد مَحْمُود الْحميدِي الْمَعْرُوف بشريف قَاضِي الْعَسْكَر ونقيب الممالك العثمانية ودرس وَولي قَضَاء الركب الشَّامي وَحج وَفِي صحبته وَالِده ووالدته وَعَمَّته وأخواه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف ودرس بعدة مدارس مِنْهَا الْمدرسَة النورية الْكُبْرَى والناصرية الجوانية برتبة الدَّاخِل وَلما انْتقل وَالِده بالوفاة سَافر هُوَ وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيم إِلَى الرّوم وتطلب فَتْوَى الشَّام فَلم يَتَيَسَّر لَهُ وَعَاد إِلَى دمشق ثمَّ فرغ لَهُ أَخُوهُ عماد الدّين الْآتِي ذكره عَن الْمدرسَة الشبلية وَبعد ذَلِك ولي تدريس السليمية وَلما مَاتَ أَخُوهُ عماد الدّين الْمَذْكُور كَانَ مفتيا فوجهت إِلَيْهِ الْفتيا بتقرير قَاضِي دمشق واختير من طرف السلطنة خَلِيل السعسعاني الْمُقدم ذكره ثمَّ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين صَار مفتيا بعد عبد الْوَهَّاب الفرفوري وَأخذ الْفَتْوَى عَنهُ قَرِيبا الْعَلَاء الحصكفي وَأقَام هُوَ بدارهم لَا يخالط أحدا وَلم يزل منغص الْعَيْش شاكيا لدهره متلهفا على ماضي عزه ومنصبه وَرَأَيْت لَهُ ترسلات وأشعارا كَثِيرَة يتظلم فِيهَا من الزَّمَان فَمن ذَلِك قَوْله من رِسَالَة إِلَى مفتي الدولة وَالْعلم الشريف مُحِيط بمظلوميتنا الَّتِي هِيَ أبين من فلق الصُّبْح وأوضح من الضح من عزلنا ظلما وغدرا عَن خدمتنا الموروثة لنا عَن الْآبَاء من سالف الإعصار وَتَقْدِيم غير الْأَهْل بالأجبار من غير مُوجب يَقْتَضِيهِ العقوق بعد الْحُقُوق إِلَّا الْجد وَالِاجْتِهَاد بالاضطرار فِي مداراة من تحار فِي مرضاته الأفكار وَمَا هُوَ إِلَّا الدَّهْر جَار فحار برقه خلب وَهُوَ أشعب فَلذَلِك أعضب وأشعب وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وصنع الله أغلب
رفعت إِلَى رحماك مولَايَ قصتيبنفثة مصدور وَلست ألام
فَأَنت الَّذِي قد شاع فِي الدَّهْر عدلهوجود لَهُ كالجود وَهُوَ سجام
إِذا لم تكن أَنْت الْمعِين فَلَيْسَ ليسواك معِين يرتجى ويرام
فضع مِنْك لي هَذَا الْجَمِيل تفضلافَلَيْسَ سوى صنع الْإِلَه مرام
وشيد عمادي واغتنم دَعْوَة الورىفَهَذَا رجائي وَالدُّعَاء ختام
فَلَا زلت فِي الْفَتْوَى وَلَا زلت ملْجألِأَنَّك للدّين القويم عِصَام
مدى الدَّهْر مَا حق أُعِيد لأَهلهوَمَا ضاء نجم واستحال ظلام
وَلما عزل فِي الْمرة الْأَخِيرَة نظم هَذِه الأبيات وَهِي
رب فَتْوَى ضلت إِلَى غير أهلكَانَ توجيهها بِغَيْر صَوَاب
أَن حَقًا أضاعه بعض قومأسأَل الله ردّه لِلشِّهَابِ
هوارث عَن وَالِد وأخيهحق للسيف ردّة للقراب
وَمِمَّا يستجاد لَهُ من الشّعْر قَوْله
أيا دير مَرْوَان سقاك غرامتروح وتغد وعينهن سَلام
وحياك من دير وَحيا معاهدابمغناك مَا ناع الزَّمَان حمام
وقفت على ربع بِهِ رَاح دارساوَقد فاع من عرف الرياض خزام
فَقلت ولي فِيهِ رسيس صبَابَةوَفِي الْقلب مني لوعة وغرام
كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَاأنيس وَلم تهرق هُنَاكَ مدام
وَقَوله فِي الْغَزل
بروحي فتانا بلحظيه فاتكيرينا المنايا الْحمر بالأعين النجل
يمِيل بقدّ أخجل الْغُصْن والقنايجد على قتل المحبين بِالْهَزْلِ
عجبت لهَذَا الْحبّ ترْضى فعالهوَأَن هُوَ بعد الْعِزّ بدل بالذل
وَكتب إِلَى وَالِدي فِي صدر رِسَالَة أرسلها إِلَيْهِ إِلَى الرّوم تَتَضَمَّن عتابا
أمولاي فضل الله دَامَ لَك الْفضلودمت بِهِ تزهو وَأَنت لَهُ أهل
يبعد مني الْقلب مَا عج لغوةبجلق حَتَّى مجه الْعقل وَالنَّقْل
فَلَا تغضبن أَن الشهَاب لواثقبِرُكْن عماد شاده الْمجد وَالْفضل
وَأَنت لَا دري بِي وداداً وخلةوَأَن لَيْسَ يلوي الْقلب عَن حبكم عذل
فقلي قلبِي مثل مَا قد عهدتهوقلبك فِيمَا أدّعى شَاهد عدل
وَمن نثره المتحف قَوْله من تقريظ قرظ بِهِ رحْلَة وَالِدي المرحوم الأولى إِلَى الرّوم حمدا لَك يَا من جعل لنا الأَرْض ذلولا لنمشي فِي مناكبها وسخر لنا الْفلك لتجري فِي الْبَحْر بأَمْره ولنمطتي كَاهِل مراكبنا وأمرنا بالسعي ابْتِغَاء فَضله ولطف بِنَا فِي تيسير التسيير فِي بره وبحره وحزنه وسهله وَصَلَاة وَسلَامًا على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم الْأَنْبِيَاء الْكِرَام وحاتم الْكَرم الْقَائِل سَافر واتغنموا وَالْمُسَافر من حرم إِلَى حرم وعَلى آله وَصَحبه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالتَّابِعِينَ لَهُم مَا دَار الْفلك الدوار وَبعد فقد وقفنا على هَذِه الرحلة الَّتِي تشد إِلَيْهَا الرّحال وتعجز عَن بكر فكر منشيها
فحول الرِّجَال وسرحنا طرف الطّرف فِي روضها النَّضِير وشرحنا الصَّدْر بلذيذ أنباء الْخَبَر المعرب عَن ضمير مُقْتَضى الْحَال وَلَا ينبئك مثل خَبِير وأمعنا النّظر فِي مجَاز حسن مَعَانِيهَا وإعجاز مُبَالغَة تراكيب قصَص مغانيها فَلم نجد لَهَا فِي الْحَقِيقَة من نَظِير وعرفنا بهَا عرف ذَلِك الْفضل الْمَوْرُوث عَن طيب الأَصْل فَلم نعبرعنه بسوى العبير نجنى طورا من ذَلِك اليانع ثمار الْأَخْبَار عَن كتب وآونة ترتع فِي روض أريض من الْأَدَب لما أودع فِيهِ محرره من لطائف النكات وأبدع فِيهِ من ظرائف الأبيات الأبيات مَا يطرب كل سامع ويعجب كل مطالع ويغرب بِمَا يعرب عَن بدور الْمنَازل بِحَسب الطالع بِحَيْثُ صَار ذَلِك أنسا للحاضر المحاضر وَزَاد للحامل الْمُسَافِر وَقد حذا فِي ذَلِك حَذْو جده الْعَلامَة فنثر ونظم وَمن يشابه أَبَاهُ فَمَا ظلم واقتفى أَثَره فِي سيره ففاته بمراحل من رحلته المشحونة بأدبه فَكَانَ الْمُشبه أبلغ من الْمُشبه بِهِ وجد بجده فورى بِمَا روى قدح زنده وَلَا بدع فَهُوَ لَيْسَ يدعى فِيمَا يدعى وَقد تلمذ للْمولى المرحوم شيخ الْإِسْلَام الْوَالِد الْمَاجِد مده وفاز فِيهِ بِمَا أجَازه وأمده وَورث الْفضل وَالْأَدب عَن جد وَأب فضلا عَمَّا منح بِهِ من الْقبُول فَحسب
إِذا قيل من أضحى بجلق مدهشابتبريزه فِي الْفضل وَالْعلم مذ نشا
فَقل وَاحِد كالألف فِي كل مجمعوَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يشا
هَذَا بعد مَا طالعنا رحْلَة جده شيح الْإِسْلَام المرحوم الْمُشْتَملَة على مراحل مصر وَالروم وأطلعنا على مَا حفت بِهِ من أرقام الأعقام وخطوط الخطوط المنسوبة إِلَى الْعلمَاء الْأَعْلَام فَكَانَ مِمَّن انتظم فِي سمطها والتحف بمرطها وأجاد وجد المرحوم الْعَلامَة عماد الدّين الْعِمَادِيّ الْجد فقد نثر فِي طرسها جَوَاهِر كَلمه ووشى بِمَا أنشأ فِي طرازها من نقش قلمه فثار عِنْد ذَلِك منا الْعِمَاد ودعانا دَاعِي الْفضل فِي اقتفاء أثر الأجداد فَلَا جرم حِينَئِذٍ أَن تحذو الْفُرُوع حَذْو الْأُصُول وَإِن لم يدْرك الضالع شأو الضليع فِي الْفضل فَفِي الفضول مَعَ الِاعْتِرَاف بالبضاعة المزجاه مرتجين من فَضله سُبْحَانَهُ حسن الْقبُول وَمَا خَابَ من رجاه فجزى الله الْمُؤلف على هَذَا التَّأْلِيف من أَنْوَاع الألطاف آلافا وضاعف جَزَاء هَذَا التصنيف من خير الدَّاريْنِ أضعافا وأدام بكتابه الِانْتِفَاع ولجنابه الِارْتفَاع ولأحبابه الِاتِّبَاع مَا نفحت رياض الْآدَاب فرنحت الْقُلُوب والألباب وَمَا طويت شقة
بَين إغتراب وقفل غَرِيب إِلَى وَطنه وآب انْتهى وَقد رَأَيْت من آثاره كتابا صَغِير الحجم جمعه من بعض تعليقات لَهُ على مَوَاطِن من التَّفْسِير وَالْفِقْه ورسائل من منشآته وتقريظات وَرَأَيْت لَهُ أَيْضا مجموعا جمع فِيهِ مدائحه الَّتِي مدح بهَا وَهِي حِصَّة وافرة بِالْجُمْلَةِ فأخباره وآثاره شهية لَطِيفَة الْموقع وَقد تَرْجَمته فِي كتابي النفحة وَذكرت لَهُ أَشْيَاء مستعذبة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْجُمُعَة حادي عشرى رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير تَحت قدمي وَالِديهِ
شيخ بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن شيخ بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن السقاف الشهير وَالِده بالضعيف الشَّيْخ الْعَظِيم الْقدر أحد الْمَشَايِخ العارفين الزهاد الورعين ذكره الشلي وَقَالَ فِي وَصفه ولد بِمَدِينَة قسم وَحفظ الْقُرْآن بالتجويد واشتغل واعتنى بعلوم الصُّوفِيَّة وشارك فِي الْفِقْه والنحو وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين مِنْهُم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو بكر بن سَالم وَولده عمر المحضار والمعلم عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم قسم وَغَيرهم وانتفع بِهِ غير وَاحِد وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ شدَّة التَّوَاضُع كأبيه وَكَانَ فِي معاشرته لطيفاً يحب الْعلمَاء ويحترمهم وَيرْحَم الضُّعَفَاء وَلم يزل إِلَى أَن مَاتَ بِمَدِينَة قسم فِي سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف ﵀
شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العبدروس اليمني الْأُسْتَاذ الْكَبِير الْمُحدث الصُّوفِي الْفَقِيه ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره واشتغل على وَالِده أَخذ عَنهُ علوماً كَثِيرَة وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وتفقه بالفقيه فضل بن عبد الرَّحْمَن با فضل وَالشَّيْخ زين باحسين بَافضل وَأخذ عَن القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَغَيرهم ورحل إِلَى الشحر واليمن والحرمين فِي سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف وَأخذ عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الطيار وَله مَعَه مناظرات ومفاكهات وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ صَاحب أكمة سعيف وَهِي قَرْيَة قريب الجندر وَحج فِي هَذِه السّنة وَأخذ بالحرمين عَن جمَاعَة وَأخذ فِي رُجُوعه من الْحجاز عَن السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه عبد الله ابْن عَليّ صَاحب الوهط وَالسَّيِّد الإِمَام أَحْمد بن عمر العيدروس بعدن وَالشَّيْخ عبد الْمَانِع وَألبسهُ خرقَة التصوف أَكثر مشايخه وَأخذ بِالْيمن عَن كثيرين مِنْهُم الشَّيْخ أَحْمد الحشيبري وَالسَّيِّد جَعْفَر بن رفيع الدّين وَالشَّيْخ مُوسَى بن جَعْفَر الكشميري وَالسَّيِّد عَليّ الأهدل وَسمع خلقا كثيرا ولازم الِاشْتِغَال وَالتَّقوى ثمَّ رَحل إِلَى
الْهِنْد فَدَخلَهَا فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَأخذ عَن عَمه الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن شيخ وَكَانَ يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ وبشره ببشارات وَألبسهُ الْخِرْقَة وَحكمه وَكتب لَهُ إجَازَة مُطلقَة فِي أَحْكَام التَّحْكِيم ثمَّ قصد إقليم الدكن وَاجْتمعَ بالوزير الْأَعْظَم عنبر وبسلطانه برهَان نظام شاه وَحصل لَهُ عِنْدهمَا جاه عَظِيم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة ثمَّ سعى بعض المردة بالنميمة فأفسدوا أَمر تِلْكَ الدائرة ففارقهم صَاحب التَّرْجَمَة وَقصد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم عَادل شاه فَأَجله وعظمه وتبجح السُّلْطَان بمجيئه إِلَيْهِ وَعظم أمره فِي بِلَاده وَكَانَ لَا يصدر إِلَّا عَن رَأْيه وَسبب إقباله الزَّائِد عَلَيْهِ أَنه وَقع لَهُ حَال اجتماعه بِهِ كَرَامَة وَهِي أَن السُّلْطَان كَانَت إِصَابَته فِي مقعدته جِرَاحَة منعته الرَّاحَة وَالْجُلُوس وعجزت عَن علاجه حذاق الْأَطِبَّاء وَكَانَ سَببهَا أَن السَّيِّد الْجَلِيل عَليّ ابْن علو دَعَا عَلَيْهِ بِجرح لَا يبرأ فَلَمَّا أقبل صَاحب التَّرْجَمَة وَرَآهُ على حَالَته أمره أَن يجلس مستوياً فَجَلَسَ من حِينَئِذٍ وبرأ مِنْهَا وَكَانَ السُّلْطَان إِبْرَاهِيم رَافِضِيًّا فَلم يزل بِهِ حَتَّى أدخلهُ فِي عداد أهل السّنة فَلَمَّا رأى أهل تِلْكَ المملكة انقياد السُّلْطَان إِلَيْهِ أَقبلُوا عَلَيْهِ وهابوه وَحصل كتبا نفيسة وَاجْتمعَ لَهُ من الْأَمْوَال مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَكَانَ عزم أَن يعمر فِي حَضرمَوْت عمَارَة عالية ويغرس حدائق وَعين عدّة أوقاف تصرف على الْأَشْرَاف فَلم يُمكنهُ الزَّمَان وغرق جَمِيع مَا أرْسلهُ من الدَّرَاهِم فِي الْبَحْر وَله مصنفات عديدة مِنْهَا كتاب فِي الْخِرْقَة الشَّرِيفَة سَمَّاهُ السلسلة وَهُوَ غَرِيب الأسلوب وَلم يزل مُقيما عِنْد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم عَادل شاه حَتَّى مَاتَ السُّلْطَان فَرَحل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى دولت آباد وَكَانَ بهَا الْوَزير الْأَعْظَم فتح خَان ابْن الْملك عنبر فقربه وَأَدْنَاهُ وَأقَام عِنْده فِي أخصب عَيْش وأرغده إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالروضة الْمَعْرُوفَة بِقرب دولت آباد وقبره ظَاهر يزار وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة رَحمَه الله تَعَالَى
شيخ بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الله بن علوي بن أبي بكر بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم عرف كسلفه بالجفري بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْفَاء ثمَّ بعْدهَا رَاء المفضال الْكَامِل الْمَاجِد القَاضِي الْأَجَل الْمُحْتَرَم كَانَ من رُؤَسَاء الْعلم جليل الْمِقْدَار ذائع الذّكر مَقْبُول السمعة وافر الْحُرْمَة ولد بقرية تريس بِالسِّين الْمُهْملَة وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن جمَاعَة من العارفين ثمَّ دخل بِلَاد الْهِنْد
والسواحل وَأخذ عَن أجلاء لَقِيَهُمْ من الْعلمَاء الْأَعْلَام وَضبط وَقيد ورحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وفَاق فِي الْعُلُوم النقلية والعقلية ثمَّ تدير بندر الشحر فاشتهر بهَا وَعلا صيته وَأَقْبل عَلَيْهِ أَهلهَا وعظموه وأجلوه وَولى بهَا مشيخة التدريس بِالْمَدْرَسَةِ السُّلْطَانِيَّة فدرس فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَأفَاد وانتفع بِهِ خلق كثير وَولى خطابة الْجَامِع ثمَّ ولي الْقَضَاء وَجمع بَين أَطْرَاف الرياسة والمراتب وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من صُدُور الْعلمَاء الْأَعْلَام وَكَانَت وَفَاته ببندر الشحر فِي صفر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع